أطلـــبوا العلــم ولــو فــى الصـــين

د.إبراهيم الأمين
سؤال على درجة عالية من الأهمية وهو لماذا نجحت دول الربيع الأسيوي فى تنمية وتطوير شعوبها وفشلت دول الربيع العربي؟
الاجابة ببساطة شديدة هى أن الأولى اهتمت بالتعليم ووصلت الى ماوصلت اليه والثانية أهملت التعليم أو انحرفت به عن المسار الطبيعي الصحيح والنتيجة الحالة البائسة التى نعيشها اليوم. ففى محاضرة للبروفسير كيشور محبوباتي عميد جامعة سنغافورا الوطنية تنبأ بأن العالم سيشهد نهاية السيطرة الغربية وصعود آسيا بقوة مشيراً الى صعود الصين والهند فى عالم جديد بدأت تتشكل معالمه، وما شهده الاتحاد الأوربي مؤخراً بخروج بريطانيا فيه مايؤكد صحة ما ذهب اليه محبوباتي.
وتحدث المحاضر عن قصة نجاح سنغافورا التى تحولت فى زمن قياسي من قرية صغيرة للصيادين الى مركز للصناعات المتطورة ففى تقارير المنظمات الدولية تتمتع سينغافورا بأفضل خدمات صحية فى العالم وأفضل نظام تعليمي لاهتمامها بتنمية الموارد البشرية والدفع بها فى مجالات العمل المختلفة لتحقيق التميز، واليوم الخدمة المدنية فى سينغافورا هى الأفضل عالمياً لإعتمادها على الجدارة والبرغماتية والنزاهة.
تجربة كوريا الجنوبية فى التعليم:
محور نجاح كوريا الجنوبية فى التعليم هو المعلم الذى أسند اليه دور أساسي فى المجتمع بإعتباره الوسيلة الفعالة فى تطوير المجتمع والنهوض به، ربما لهذا السبب ميزت الدولة المعلم ووضعته فى مصاف الطبقة العليا والدليل على ذلك أنها اعادت تسمية وزارة التربية لتصبح وزارة التربية والتنمية البشرية، ومنح وزير التربية منصب نائب رئيس مجلس الوزراء مما يعكس اهتمام الدولة بهذا القطاع الحيوي، والملفت حقاً هو أن الدولة والمجتمع اعتبرت مهنة التعليم من المهن المقدسة، لهذا أستثنت الحكومة المعلم من الخدمة العسكرية، كما أولت أهتماماً خاصاً بمستواه المعيشي والمهني حيث يتقاضي المعلم المعين حديثاً راتباً شهرياً لا يقل عن 2,000 دولار أمريكي الأمر الذى شجع الأسر فى كوريا الجنوبية دون استثناء على إرسال أبنائها الى المدارس لاتمام دراستهم الجامعية من أجل أن يكون فى كل عائلة معلم، كما وفرت كوريا اجواء ديمقراطية ليتمتع التلميذ بنشأه سليمة خالية من الضغوط والشد النفسي، بذلك يستطيع أن يتلقى المعلومات والمعارف والخبرات بشكل إنسيابي وبحالة نفسية جيدة هنا يمكن الاشارة لما ورد فى الصحف من تعليقات على تصريح الدكتور مأمون حميدة وزير الصحة بولاية الخرطوم الذى جاء فيه أن 27% من التلاميذ يعانون من اضطرابات نفسية!!
التعليم فى اليابان:
أهم محاور التعليم فى اليابان:
•المعلم هو محور العملية التعليمية.
• تحديد هدف التعليم وهو توسيع قاعدة اعداد العلماء والمخترعين وتنمية القدرة على الابتكار ليظل التفوق التكنولوجي الياباني على ساير دول العالم مستمراً.
• اعادة تنظيم الادارة التربوية وسياسة تمويل التعليم العالي بعد أن تبين أن العوائق الادارية فى المدارس والجهاز البيروقراطي لوزارة التربية والتعليم لها تأثير سلبي على تطوير التعليم وبدون وجود جهاز إداري مؤهل لمسايرة الانطلاق بالتعليم فلن تتحق أهداف، وكذلك بدون توفر التمويل الكافئ فإن التعليم الجيد سيظل سلعة بعيدة المنال.
• اعادة النظر فى فلسفة التعليم بعد أن تأكد للجنة التى كونت عام 1984م بعد إعلان رئيس الوزراء أمام البرلمان بأن نظام التعليم فى بلاده أصبح مهدداً بأن يصبح نظاماً متخلفاً وغير مؤهل لمواجهة التحديات فى الألفية الثالثة فى مجال التعليم.
وقد تأكد أيضاً للجنة أن المدرسة اليابانية تهتم بالحفظ والاعتماد على الذاكرة مما أدى الى تخريج ملايين من الاشخاص اللامعين والقادرين على اداء العمل الذى يرضى الآخرين بجديته ولكنهم يفتقدون الى القدرة على التفكير الابتكاري المستقبلي.
واليوم تفتخر اليابان بأن نسبة الأمية فيها صفر ومن أهم خصائص التعليم فى اليابان:
• المساواة فى التعليم ونوعيته لمختلف فئات الشعب.
• تزويد كل طفل بأساس معرفي واحد.
• يركز نظام التعليم فى اليابان على تنمية روح العمل فى جماعة، غرس وتعزيز روح المسؤولية تجاه المجتمع وفق أسس واضحة ومتدرجة تبدأ بالبيئة المدرسية المحيطة المباني وماتحتويه المدرسة حيث يقوم التلاميذ بنهاية اليوم الدراسي بكل الاعمال المتعلقة بنظافة المدرسة وتجميلها، إضافة الى تدريبهم على خدمة انفسهم وتتباري الفصول فى عقد جلسات حوارية فى أخر كل يوم دراسي لمناقشة ما تم خلال اليوم لمعرفة أن كان هناك قصوراً وكيفية التعامل معه بموضوعية أن وجد.
• فى اليابان أى شخص له قيمة ودور المجتمع والدولة أن يوفرا له البيئة المناسبة فالنجاح والتفوق يتحققان ببذل الجهد والقدرة على الاختيار والتنافس والحماس لمعرفة جديدة.
• الاهتمام بالمعلم وهو محور العملية التعليمية، المعلمون فى اليابان يحظون بإحترام وتقدير ومكانة اجتماعية مرموقة تتضح من خلال المرتبات العالية والمغرية التى توفر لهم حياة مستقرة والمكانة الاجتماعية التى تجعل من الحصول على وظيفة معلم فى اليابان هى الأكثر صعوبة مقارنة بالوظائف الأخرى، إذ لا يمكن الحصول عليها إلا بعد اجتياز اختبارات قبول شاقة تحريرية وشفوية.
الأهداف الاقتصادية للتعليم فى اليابان:
• الاقتصاد فى اليابان اقتصاد قائم على المعلومات كذلك أهتمت الحكومة بتخريج اجيال صالحة ومناسبة لسوق العمل اضافة الى أنها مهيئة وقادرة على استيعاب برامج التدريب المستمر فى مواقع العمل.
• الربط والتنسيق الوثيق بين التعليم والتدريب فى مواقع العمل وهو المدخل الأمثل لتطوير المورد البشري.
• الهدف الأساسي للتعليم فى اليابان ايجاد مواطنين مستنيرين ومنتجين، ربما لهذا تمكنت اليابان التى هزمت عسكرياً من اللحاق بالغرب أوربا وأمريكا والانتصار عليهما اقتصاديا وسارت فى نفس الطريق دول الربيع الأسيوي.
• تمارس وزارة التربية والتعليم الاشراف المباشر على جميع المدارس دون استثناء لضمان الانضباط والالتزام بالمسار الذى حددته الدولة فى مجال لا يقبل التلاعب فيه كما هو الحال فى البلدان المتخلفة.
ومن الوثائق التى تستحق الدراسة للاستفادة منها وثيقة صدرت بعد الحرب العالمية الثانية، والحرب العالمية الثانية كانت نقطة الاتكاز لمرحلة جديدة تحت مسمي المرسوم التعليمي وقد تضمن هذا المرسوم خمسة مبادئ رئيسية واهداف أساسية للمدارس الثانوية هى:
• زرع قيم الاحترام والتقدير للاجتهاد فى العمل.
• تدريس المهارات والمعارف اللازمة للمهن الأساسية.
• تطوير القدرة على اختيار المستقبل الذى ينسجم مع الميول الشخصية للمرء.
• تطوير العقلية الجماهيرية.
• تطوير وتنمية الاستعدادت الضرورية للمواطنة المنتجة وقد استمد نظام التعليم فى اليابان قوته من صرامته وتصميمه على الكسب والتحصيل مع التمسك بروح الأمة اليابانية، فالتعليم فى اليابان يعتبر خدمة وطنية عامة وواجباً قومياً مقدساً.
ومن هذا المنطق أهتمت اليابان بتأسيس قاعدة علمية تقنية صناعية واعطاء الاولوية للتعليم المهنى، نقطة القوة الأساسية فى النظام التعليمي فى اليابان ليست الجامعة وإنما معاهد التقنية المتوسطة التى تمثل العمود الفقري فى النهضة التى حدثت فى اليابان.
التعليم عن بُعد:
يعتمد التعليم عن بُعد أساساً على اسلوبين للتعليم الأول يعتمد على اتصال مباشر بين المعلم والمتعلم من خلال شبكة الانترنت أو شبكة اتصال اليكتروني من خلال الفصول الافتراضية، الاسلوب الثاني هو الاسلوب التفاعلي واهتمت اليابان ببناء مجتمع واقتصاد المعرفة، وبناء مجتمع المعرفة يعنى تنمية الوعى العقلاني والحس النقدي لدى الاجيال الجديدة، لتحقيق هدف بهذه الدرجة من الأهمية نحتاج الى اصلاح شامل والى توظيف العامل الثقافي لنشر فكرة التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة وبناء الانسان الحر والمجتمع المنتج.
المفكر الجزائري مالك بن نبي أجرى دراسة مقارنة بين علاقة اليابان بالحضارة الغربية وعلاقة العرب بها، وتوصل الى وجود فارق عظيم بين الصلة التى ربطت اليابان بالحضارة الغربية وبين جيلنا نحن العرب، فى أن اليابان وقفت من الحضارة الغربية موقف التلميذ بينما وقفنا نحن منها موقف الزبون، اليابانيون يستوردون الافكار ونحن نستورد الاشياء.