موتيفا حجار البطارية

الإذاعة السودانية «الأم» ظلت على مر السنوات تحتفظ بريادتها.. ونكهتها المحببة منذ أن كنا ندمنها بحجار البطارية.. قبل دخول هذه التقنية فقد كانت الملاذ الآمن في هجير الأرياف.. والمناطق البعيدة.. حيث كانت تقدم لهم مادة دسمة عن ربوع السودان
نحييك ياربوع سودانا
نحييك وإنت كل آمالنا
هذه الأمنيات المتسربلة بالجغرافية ورائحة الأمكنة العطرة كانت هي ثقافتنا.. وملامحنا.. وأقدارنا التي نتشبث بها..
ذلك الراديو الصغير «الترانستور» كان يقدم ما عجزت أن تقدمه الفضائيات المختلفة بسحناتها وترفها ومجونها.. حتى أوشكنا أن نعتقد أن الثقافة هي هذه القشرة «اللامعة» وصوت الطبيعة يتناغم مع الصوت القابع في ذلك الجهاز الصغير.
الجنيات يا بغارة
شدوا خيلكم للمغارة
هذه الجسارة.. وتحريض النفس على المجابهة كانت تقدمه لنا الإذاعة بكبسولات «انتي باتيونك» بمثابة وقاية ومناعة للتكاسل والتخاذل.. والدراما التي تضج بالحبور كنا ندرك أنها قائمة على الطبيعة.. مجبولة على احداثيات الواقع صلاح الدين الفاضل.. تاج السر عطية.. أمنية عبد الرحيم.. تحية واحتراماً.. اسماء نحفظها مثل الأسماء الأخرى.. ولكن بقيت الفكرة والأسماء في الذاكرة.. حتى سعد الدين إبراهيم في البيت الكبير.. ظل راكزاً.. وعندما يتم تقديم «حقيبة الفن» كان كبارنا يحتفون بها أكثر من اللازم.. ونسمع أصواتهم بقلوب غريبة.. زنقار.. كرومة.. الكاشف .. عبيد الطيب.. وصلاح أبو السيد.. كانت الدلالات تختزن مع التفاصيل اليومية ولكن دهشتنا كانت.. لماذا يبهر بها الكبار.. وادركنا أنها ذكرياتهم واشواقهم القديمة.. تذكرهم بحلاوة الروح .. ونقاء القلوب..
وهنالك برنامج «ألحان من الشرق» لأغنيات قادمة من شطء البحر.. أو تحديداً من القاهرة عبد الحليم.. وأم كلثوم.. عفاف راضي.. وشريفة أحمد ومحمد عبد الوهاب.. وشادية.. وميادة الحناوي.. وبليغ حمدي..
كانت موسيقى جديدة تدخل قلوبنا بايقاعها وموشحاتها.. كأنما الأذن تستقبل قبساً من صوتٍ طاااعم..
وبرنامج صالة العرض.. وألحانٍ .. وغيرها من المنابر التي فتحت وجداننا على فهم الأغنيات الأصيلة..
وحتى المذيعين والمذيعات.. عبد الرحمن أحمد.. عمر الجزلي.. وعوض إبراهيم عوض.. وإسراء زين العابدين.. وبثينة.. وطارق كبلو.. ولا ننسى أبداً محاسن سيف الدين.. وإكرام الصادق في نشرة العاشرة صباحاً.. تقدمها وكأنها «صاحية» من النوم للتو.. فتحية إبراهيم .. هذه المذيعة اعشقها لأسباب لا أعرفها ربما لصوتها الدافيء أو رقتها التي تبدو واضحة على الأثير..
هذه هي الإذاعة السودانية التي علمتنا معنى الاصتنات بعمق وماكتبته كان بمثابة غيض من فيض.
ما دعاني لذلك أن الإذاعة السودانية قصرت في عدم ادراج أحد الممثلين الرواد وسقط من ذاكرتها.. ولست أدري ماذا أقول فهي تحتويني بكل هذا الألق والعهد القديم..