مــن صلاح أحمد إبراهيــــم إلى الشفيع خضـــر

عبد الله مكي
(آن أوان التغيير) هكذا صدع بها الأستاذ الخاتم عدلان في بداية التسعينات، منادياً بتغييرات جذرية في الفكر الماركسي عامة والحزب الشيوعي السوداني خاصة، فقد برزت عدة تيارات ومجموعات، وحتى أفراد يدعون لمراجعة مسيرة الحزب على كافة المستويات : من الأسس الفكرية القائمة على الماركسية، وإلى تغيير الإسم – هناك مقترح بتغيير اسم الحزب من الحزب الشيوعي السوداني، إلى الحزب الإشتراكي السوداني – هذه التيارات منها من نادى بتجاوز الفكر الماركسي، وأشهرها المسودة آنفة الذكر والتي قدمها المرحوم الخاتم عدلان بعنوان، وأخرى صدرت الآن ككتاب عن دار رؤية للطباعة والنشر بعنوان: (تجاوز الماركسية والنظرية النقدية) للدكتور هشام عمر النور. هذه الحركة ذكرت الناس بمحاولات الإصلاح التي تمت للفكر الماركسي منذ بدايات القرن العشرين، واشهر الذين قاموا بها : جورج لوكاتش، وانطونيو غرامشي، وروزا لوكسمبورغ.
لكن الحزب الشيوعي السوداني، تمثلت الإصلاحات فيه في شكل انشقاقات وانقسامات، وفصل للقيادات والعضوية من الحزب.
وكتب عن هذه الإنشقاقات بالتفصيل عوض عبد الرازق وهي عبارة عن مقالات بعنوان(إنقسامات في مسيرة الحزب).
والإنقسام الاول في تاريخ الحزب الشيوعي، كان إنقسام مجموعة عوض عبدالرازق في 1952، وكانت المجموعة تحمل أفكاراً تتمثل في دراسة النظرية أولاً، ثم العمل الجماهيري، على أن يتواصل نشاط الحزب الشيوعي من داخل الأحزاب الإتحادية. وتمت هزيمة هذه الأفكار في المؤتمر الثاني عام1951 م، والذي حسم الصراع الفكري الداخلي في اتجاه دراسة النظرية في ارتباطها بالواقع، واستقلال الحزب، وترسيخ المفهوم السليم للتحالف مع الرأسمالية الوطنية، وبعد المؤتمر وقع الإنقسام، وقررت اللجنة المركزية فصل المنشقين من الحزب.
ثم كان إنقسام القيادة الثورية وقاده(أحمد شامي ويوسف عبدالمجيد)في أغسطس 1964م عقب ثورة اكتوبر، على خلفية صراع فكري داخل الحزب، وكانت المجموعة المنقسمة ترى بعدم إمكانية انتصار قضية الشعب بدون الثورة المسلحة، وأنّ الإضراب السياسي العام لن ينجح بدون حمل السلاح. وتم وصف هذه الأفكار من قبل الحزب(بالأفكار الطفولية اليسارية)، وتعني نقل تجارب الدول الأخرى ومحاولة تطبيقها على دولة معينة، كالتجربة الصينية مثلا، وكذلك الشيوعيون الألمان الذين حاولوا استلهام تجربة(السوفيتات) بدلاً عن العمل عبر النقابات كما في سائر أوروبا. ولقد ناقش هذه الفكرة(لينين) في كتابه”مرض اليسارية الطفيلية للشيوعيين”. ولكن تم رفض هذه الأفكار وفُصلت المجموعة الإنقسامية.
ثم كان إنقسام 1970م وهو من أكبر الانقسامات الشيوعيين، وكان في أعقاب إنقلاب مايو 1969م، ووقع إنقسام كبير في صفوف اللجنة المركزية بين مجموعة بقيادة عبدالخالق محجوب، ترى بإستقلالية الحزب ومواصلة نشاطه الدؤوب وسط الجماهير، وأخرى تُريد الذوبان في تنظيم السلطة السياسي(الإتحاد الاشتراكي)، وكان من أبرز رموز هذه المجموعة(معاوية إبراهيم سورج وأحمد سليمان المحامي ومحمد إبراهيم كبج وعمر مصطفى المكي)، وقد أتهم الحزب بعضاً من قيادات هذه المجموعة في العسف الذي حاق بقيادات الحزب وتصفيتهم في يوليو1971م.
وبعده إنقسام الخاتم عدلان في عام 1994م بعد انهيار المعسكر الإشتراكي، وبعد خمسة أعوام من إنقلاب الإنقاذ 1989م. وفي مؤتمر صحفي بلندن حددت مجموعة الخاتم عدلان أسباب خروجها عن الحزب الشيوعى في الآتى: فشل المشروع الماركسي للتغيير الإجتماعي، وفشل ثورة البروليتاريا، والتطور الإجتماعي، وانفجار ثورة العلم والمعرفة والتكنلوجيا المعاصرة والتي وضعت الأسس لتنظير جديد. وهي نفس النقاط التي تضمنتها ورقة الخاتم عدلان داخل الحزب الشيوعي”آن أوان التغيير”، إضافة الى ذلك قال: إنّ سلبيات برزت داخل الحزب، وإنّ القيادة الحالية عاجزة عن مواكبة التحولات الجديدة التي طرأت على الساحة السياسية خاصة بعد انقلاب الجبهة الإسلامية، وقال الخاتم إنّ هذه القيادة برغم معرفتها بالإنقلاب لم تُعلن حالة الطوارئ داخل صفوف الحزب.
وتجاوبت مع هذا المجموعة تيارات بالداخل، تُرجمت فى شكل آراء فكرية ومواقف سياسية وتنظيمية، عبرت عن نفسها بفكر جديد واسم جديد، الأمر الذى أدّى لإستقالة هذه المجموعة ومن أشهر الذين تضمهم – بالإضافة للخاتم عدلان – (الحاج وراق وهشام عمر النور وقرشي عوض وهادية حسب الله وهالة عبد الحليم)، ولكن الحزب قال: إنه قد تم فصلهم حسب قواعد ولوائح الحزب وذلك:”لمخالفتهم خط الحزب الفكري والسياسي والتنظيمي”. وكونت هذه المجموعة المستقيلة أو المفصولة حركة جديدة حملت الإسم(حركة القوى الجديدة الديمقراطية)، وتُختصر بـ(حق).
والحزب الشيوعي مليئ بالناشطين والمبدعين والذين أسهموا في الحياة الفكرية والسياسية والثقافية والأدبية في السودان، ولكن منهم من فُصل من الحزب ومنهم من تقدم بإستقالته، لأنّ مواعين الحزب الضيقة لم تسعهم، ولو أنّ المواعين التنظيمية وسعتهم بالحرية والديمقراطية لقدموا للحزب وللوطن الكثير المفيد، ولحدث تطور تنظيمي، والذى يُمكن أن تُهدى تجربته لكل القوى السياسية، بدلاً من الإستقالات والإقالات والفصل والتي تُؤدي لمزيد من الإنشقاقات داخل هذه المنظومات، ومن أشهر الذين ينطبق عليهم ذلك الكلام آنف الذكر الدكتور عبد الله علي إبراهيم، الأكاديمي والباحث المعروف، وكذلك الأديب الشاعر صلاح أحمد إبراهيم.
ولكن يبدو أن الفصل من الحزب هو (شيمة شيوعية عالمية) وليست سودانية محضة، ففي أثناء الحرب الباردة وعندما كان الإتحاد السوفيتي دولة عظمى، كان يُمنع الشيوعيون من إنتقاد الإتحاد السوفيتي(العظيم)، الأمر الذى أدّى للإطاحة بقيادات حزبية كُبرى في قامة الفيلسوف والمفكر والكاتب(روجيه جارودي)، فقد كان جارودي قيادياً في الحزب الشيوعي الفرنسي، ولكنه طُرد من الحزب الشيوعي سنة 1970 م وذلك لإنتقاداته المستمرة للاتحاد السوفياتي، خاصة بعد اجتياحه لبراغ عام 1968.
ويقول جارودى عن تلك الأيام:”تصاعدت أزمتي مع الحزب الشيوعي الفرنسي منذ عام 1968، ذلك العام الذى شهد في باريس أحداث الطلاب وإضراب العمال وسخط المثقفين واستقالة ديجول وغزو السوفيت لبراغ، وأدت انتقاداتي للإتحاد السوفيتي المتكررة إلى فصلي ف فبراير 1970.
وبعد فصله وطرده من الحزب الشيوعي الفرنسي ألّف كتابه المشهور (البديل) وقال في مقدمة الكتاب:”إذا كان بيننا من يرفض أنّ يضع معتقداته الراسخة موضع تسآؤل فليُطبق هذا الكتاب من الآن: فهو لم يُكتب له”.
وتتوالى قرارات الفصل، وتمتد ” قائمة الشرف ” والتي تضم الكثيرين لتصل للقيادي البارز ذائع الصيت ( الزميل المناضل) – حسب تعبير بيان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي – الشفيع خضر ، وتم فصله بعد أن عبرت اللجنة المركزية “عن أسفها العميق لاتخاذ هذا القرار”، وذلك بعد وصفها للشفيع خضر بـ” الزميل ولإسهاماته النضالية ومساهماته وتضحياته ودوره القيادي في الحزب لعقود من الزمان” ، ولكن يبقى السؤال لماذا الفصل في هذا التوقيت؟ وما علاقة ذلك بتأخير المؤتمر العام السادس؟ وهل فعلا سبب الفصل هو سفره لدولة الإمارات دون إذن من الحزب؟ وأيضاً حديثه لقناة(اسكاي نيوز) العربية؟ أم هو صراع أجيال بين الشباب والعجائز «المكنكشين» في قيادة الحزب؟ أم أنّ تحت السواهي دواهي؟؟ ولكن يبدو أن اللوائح والنظم والتي قعدت بالحزب العجوز حتى بعد غياب الفكرة وفشل التجربة على مستوى العالم هي التي الآن أصبحت تُعبد من دون الفكرة.