مع عبد الكريم قباني..

بقلم : وائل جمال الدين علي
يتماثل الاستاذ عبد الكريم قباني الاذاعي المعروف للشفاء بعد وعكة ألمت به.. التقيته في مدينة بحري حيث يقيم قبل يومين ، بأسلوبه الساخر وضحكته المميزة اخبرني بانه لم (ياخد اجازه) منذ سنوات.. ويقول ان اكثر ما يتعبه الان هو الراحة وعدم الذهاب الى العمل. استاذ قباني كنا محظوظين بان نصادفه في عملنا الاعلامي فهو يمثل الجيل الاخير من الرموز الكبيرة التي يمثل العمل عندها التزاما وحبا واسلوب حياة.
طوال السنوات التي جمعنا فيها العمل معه في قناة امدرمان لم ار وجهه عابساً قط، فالحياة عنده لا تستحق كل هذه التعقيدات، يعيشها ببساطة ليثبت لنا بطريقته الخاصة ان اخرها (كوم تراب) ، هو نموذج حي لقصة الصحابي عمير بن سعد الذي سأله الخليفة عمر بن الخطاب عن ما معه من الدنيا فأجابه قائلا (معي جرابي أحمل فيه زادي..وقصعتي آكل فيها.. واداوتي أحمل فيها وضوئي وشرابي.. وعصاي أتوكأ عليها، وأجاهد بها عدوّا ان عرض.. فوالله ما الدنيا الا تبع لمتاعي!!) ….
هكذا هو استاذنا عبد الكريم قباني على تتابع الايام والسنوات التي عرفناه فيها، زاهدا في ملبسه، تراه دائما ماشيا، قلما يستقل السيارات، ولا يعبأ برهق المسافات. ولعل المرة الوحيدة التي ركب فيها عربة القناة كانت قبل ايام حينما اعجزه المرض عن العودة لبيته…
الاستاذ قباني موسوعة في مجاله، فهو من القلائل الذين فتحت لهم اللغة ابوابها المغلقة، فعرفها وعشقها، يسكب عليها من صوته المميز بعدا اخر، فتخرج الى مسامعنا كأبهى ما تكون…
لن انسى حينما اعطيته رائعة نزار قباني (قصيدة بغداد)، لتسجيلها، فقرأها بأسلوب مذهل، تنساب مقاطعها فتبدو امام ناظريك مدينة بغداد بسحرها القديم، وتكاد تحس بوقع انسامها على محياك، وتستنشق عبير التأريخ حينما يأتي صوته عميقا مرددا : (وهبطتُ كالعصفورِ يقصِدُ عشَّـهُ … والفجـرُ عرسُ مآذنٍ وقِبـابِ …حتّى رأيتُكِ قطعةً مِـن جَوهَـرٍ …ترتاحُ بينَ النخـلِ والأعـنابِ) فتهم بمد يدك لتقطف تمرا من نخلات بغداد التي صاغها نزار، واخرجها (عم قباني) بصوته حية تسعى بقراءته المميزة… يقف ، ثم ياتي صوته مرة اخرى منسابا : (ماذا سـأكتبُ عنكِ يا فيروزَتي… فهـواكِ لا يكفيه ألـفُ كتابِ ) فيرسم امام ناظريك صورة المدينة التي تأسر قلب عاشقها الشاعر، ويواصل قراءته الساحرة حتى يصل لنهايتها : (قبلَ اللقاءِ الحلـوِ كُنـتِ حبيبَتي … وحبيبَتي تَبقيـنَ بعـدَ ذهـابي) وبإيقاع صوته المميز المنساب صعودا وهبوطا يرسم الاستاذ قباني نهاية للقصيدة تبدو وكأنها مشهد سينمائي، .. ومع اخر ابيات القصيدة، لا تملك الا ان تدرك تماما، ان من البيان لسحرا!…
(عم قباني) خلال مسيرته الاعلامية الطويلة، ادرك ما لم ندركه نحن من اسرار المعارف وخباياها، وهو نوع من العلم ربما يرسو بصاحبه الى بر اخر، ولكنه يستمر متبتلا في محراب اللغة، فكم نحن محظوظون بوجوده بيننا، فمثله نادرون، نسأل لله ان يديم عافيته.