محمد علي جادين.. رسالة المفكر

عامر محمد أحمد حسين
لو كان محمد علي جادين في بلاد غير بلادنا في راهنها التعيس لقطعت القنوات والاذاعات إرسالها معلنة رحيله, لكنه في بلاد غاب عنها احترام مخلصيها وتوقير مفكريها اذ تتقدم الخصومة على احترام الرأي الآخر. ماذا يقول المرء في مقام رحيل من هو في قامة الأستاذ محمد علي جادين, تستكثر عليه قنواتنا واذاعاتنا ان تنعيه بسطر واحد «الأمة تفقد جادين» وهي التي أدمنت البكاء والعويل على كل مطرب أو مطربة يطويهم الردى. كان «جادين» من جيل اكتمل وعيه والاستعمار يغادر الأرض من سنوات قليلة. فإذا ما نظر الى الساحة رأى ان الطريق لا زال طويلاً, وان هناك هوة بين الواقع المعاش والنهضة المرتجاة إلا ان سعيه لم يكتمل اذ غشيت الغاشيات مسيرته, بانقلابات تتالت على أرض السودان حابسة أنفاسها وكاتمة تطورها وطاردة لكل مخلص نقي من دواوينها. هذه المطاردة الانقلابية ظلت السمة الملازمة لعلاقة المثقف والمفكر بالسلطة, وهي سلطة تختلف عناوينها ولكن تتفق في رؤاها وعلاقتها بمن هم لا يمضون في ركابها أو يخشون عقابها فلا غرو ان سجنت مايو ويونيو «محمد علي جادين» ان هذه الصورة المأساوية في كتاب النهضة السودانية سياسياً وفكرياً وثقافياً تقف دليلاً على ان مسيرة النهضة والتطور والحداثة والتحديث بينها واخراج السودان من واقعه فراسخ وفراسخ في مسيرة طويلة يأتي على مسرحها كل نصف قرن من يظهر في صورة مكتملة النضال في عنفوانه الفكري والسياسي. فيكتب في الفكر والثقافة والسياسة ويترجم الفكر والتاريخ في ارتباط جذور الثقافة في بنية الوعي المراد الوصول الى حلقاته في سؤال الاستنارة ورؤية القضايا في معاش الناس تبصيراً بالاقتصاد البعيد عن طفيلية تعيش عيشة هنية ورغدة على حساب الكل وضد الكل باستثناء طبقتها سياسياً واقتصادياً ومن يعيش في الركاب ويصطحب الأصحاب بتوظيف الأهل والأحباب على حساب الكفاءة ونظافة اليد واللسان والعقل.
ملكت على نفس الراحل محمد علي جادين قضايا الحرية والديمقراطية والتجديد, ولم يبخل في البحث عن المفتاح و»الكوة» في سجال الفكر وتطويق الجهل والتجهيل, وهنا تتجلى عبقرية ان يتكيء المثقف على إرثه وينقيب بموسوعية داخل الأطر المحروسة بالتأدلج من خارج بيئته الفكرية ومدرسته السياسية بحثاً عن ما يجمع أهل السودان, وقد وهب نفسه لذلك متجرداً من الذاتية التي تصل عند البعض الى «النرجسية» في أعلى مراتب مرضها وقهرها لمن يقع تحت حبائل «الأنا» وهي غير الأنا الواعية برسالتها, وهذا التجرد والزهد في مباهج «الحياة» أعطى الرجل المنعة الكافية ضد كل مغريات الداخل والخارج هذا النموذج الذي وضعه الراحل جادين يبقى الأنصع والأذكى في سجل السياسة السودانية في عقودها الأخيرة.
البداية
يقول الراحل محمد أحمد المحجوب في وصف جيل التأسيس للنهضة الفكرية والثقافية السودانية «وكان أول ما اتجه اليه أبناء هذا الجيل وأقبلوا عليه إقبالاً صادقاً هو القراءة التي يرجى منها النفع فأخذوا يلتهمون جل ما تخرجه المطابع المصرية وبعض ما تخرجه المطابع الانجليزية, فهناك من الشباب من يتوفر على دراسة العلوم الاقتصادية والسياسية وهؤلاء قلة وهناك من يدرس الآداب ويحسن اساليب الكتابة والخطابة في اللغة العربية وبعضهم يضيف اليها اللغة الانجليزية لأنهم مؤمنون بأن اجادة تلك اللغة مما تستلزمه قضية البلاد في مقبل الأيام. – البروفيسور عزالدين الأمين – نقد الشعر في السودان حتى بداية الحرب العالمية الثانية» من ذلك الجيل أخذ جيل جادين الدرس وحفظه ووعاه وتحول معه نفر أعزاء الى رسل للمعرفة والتنوير, وهو ما وهب اليها حياته اي رسالة المعرفة والتنوير والفعل السياسي الموجب في حراك المثقف نحو مجتمعه وبيئته المكانية وإرثه الحضاري.
شهر أو يزيد بأيام منذ أن انطوت صفحة جميلة متواضعة مثقفة من دفتر السودان, صفحة الأستاذ المفكر محمد علي جادين الذي بكاه كل من عرفه أو حادثه أو استمع له أو قرأ له. صفحة عنوانها التواضع مع الهيبة والبساطة وبعد النظر. لم يكن «جادين» بعيداً عن هموم شعبه واهتماماته كذلك لم يعش بعيداً عنه, يرى وجوه أهل السودان كل يوم. يستمع للصغير والكبير, يستمع للرأي الحصيف والرأي المخالف. يرتكز على ثقافة عالية, أعطتها التجارب حصانة من «الغش» السياسي والمتاجرة بالقضايا وهموم الناس, معتدلاً في مشيته ورؤاه, قرأ الخارطة الانسانية والجغرافية والثقافية والاجتماعية للسودان لذلك لم تخذله الأيام أو تبعثره في البحث عن اللا معنى, كان مرتبطاً بالمعنى وداعياً له ترجمة وفكراً, وبحثاً عن ما يجمع غائصاً في بحور التاريخ والفكر, مبتعداً عن «أوحال» السياسة وتعرجاتها. هذه الثقافة العالية جعلته يهندس ويدوزن الفكر بموسيقى المعرفة المكتملة واريحية النفس المطمئنة. أذكر ذلك اليوم عندما ذهبت اليه بعد ان وافق على حوار لصحيفة «البداية» وانا اعرفه من بعيد كقيادي ومفكر وكاتب, تقرأ حروفه, فتقرأ حكمة الحكماء, ودربة المثقف الواعي وهيبة الكلمة المكتوبة بمداد الصدق والنصيحة. تلك الهندسة التي تعتمد على بناء صروح المعرفة من نافذة التفكير الواعي الهادي مستقرة الرأي عالية الانسانية في تفكيرها. وصلت الى مركز الدراسات السودانية في ذلك «الحي» العريق بالخرطوم ثلاثة دلفت الى المكان ووجدت أخ من جنوب السودان وسألته عنه, وما ان عرفته بنفسي, حتى انحسرت كل المسافات والمساحات. وجدتني أدخن امامه والسيجارة لا تفارقه, وما بين الشاي والقهوة والضحكات ورائحة التبغ دارت آلة التسجيل, مرت الساعة كأنها دقائق, يا لهذه البلاد مالها لا تعرف قيمة بنيها, خرجت من دار الدراسات السودانية, ووجدت ان ما خرجت به من حصيلة معلومات سياسية وفكرية ومراجعة نقدية لتجربة حزب البعث في السودان, وحديثه عن كل القضايا الخلافية بين الرفاق وتحليلها سياسياً وفكرياً بأن هذا «الكنز» لابد من «الرجوع» الى أستاذ «النحاس» هذا الهرم الصحفي الذي من نعم الله على المرء انه يجده في طريقه, ذهبت الى أستاذ النحاس وجدت مكتبه يعج بأهل الصحيفة وأصحاب التهاني بالصدور, وما بين الأستاذ محمد نجيب مدير التحرير والأستاذة لبنى خيري رئيس القسم السياسي كانت الخطوات وخرج «الخبر» من الحوار وكان الاستعجال من النحاس ولبنى ونجيب, بسرعة الانتهاء من تسليمه. وكانت الحلقة الاولى مثار التعليقات وكانت الثانية بداية ان وجدت في عيون البعض الرفض والآخرون «الرضاء» هذا الحوار تمثلت أهميته في مناقشته قضايا الفكر القومي والحل الأمثل لأزمات السودان وأول حديث عن ما حدث في حزب البعث بتياراته المختلفة.
بساطة الهيبة
رحم الله «البداية» وكل البدايات المجهضة عمداً في «بلادنا» انتهت مرحلة «البداية» وابتدأت مراحل أخرى سياسية وشخصية في مسيرة الفرد. وانتظمت اللقاءات مع الأستاذ «جادين» فكان كما رأيته أول مرة مهندساً للكلمات عميق التفكير, قارئاً للحياة السياسية وكنت كلما ذهبت الى صحيفة وما اكثرهن في ظل ما تعانيه الصحافة السودانية ابحث عن الاستاذ «محمد علي جادين» يبدأ السؤال الأول فأنسى كل ما خططته من اسئلة أراها تأتي تباعاً, كأنه كان يعلم بأن السؤال الأول به تتسع المساحات وهو المحارب الصلد في ميدان التحليل لم يكن يوماً يرتكز على ما تقوله الأنباء, بل يربط الأحداث في حزمة واحدة, ويمزجها داخل اطار فكري ونظري ينظر الى ما وراء الأحداث صغيرة أو كبيرة وهذا ما ظهر لي تماماً وأنا «أحاوره» في اليوم الثاني لوصوله من لقاء «برلين» مارس 2015م هذا الحوار لصحيفة «الوطن» القطرية والذي استمر لساعات لا أزال أذكر ضحكته وأنا أسأله الضامن للتسوية لنظام الانقاذ وكم كان عميقاً وهادئاً وهو يشرح بأن «البلاد» اذا لم تحدث فيها تسوية تاريخية على أسس جديدة مرتكزة على الحرية والديمقراطية واحترام التعدد, فإنها مقبلة على «كارثة» لا محالة. كان محمد علي جادين جميل النفس بشوش العقل متواضعاً وأنيقاً في مفرداته وفكره يفي كل موضوع حقه من الدرس يضع معماراً صلباً للرأي الذي يحترم آراء الآخر ولعل محبته لعروبته وسودانيته وشعبه العربي والافريقي توضع في ميزان حسناته, وان تواضعه مع الناس وروحه السمحة وما تركه من ارث فكري وسياسي وترجمات, تضعانه في مرتبة عالية مع أهل الفكر الثقافة. له الرحمة والمغفرة فقد فقدت بلادنا برحيله أحد كبار قادة الفكر والسياسة والسماحة والتسامح آمين.