في البدء كانت (اقرأ)

كمال علي
٭ رحم الله الدكتور النابغ «طه حسين» أحد أنبل أبناء أمتنا الذين أعطوا وأضافوا إلى قافلة البشرية كل معينات السير من علوم ومعارف وكان سادناً للغة العربية التي سبر غورها وعمل جاهداً على إعلاء شأنها تقديراً منه للغة التي نزل بها القرآن الكريم.
٭ أعلن الدكتور «طه» قبل قرن من الزمان عندما تولى وزارة المعارف في مصر العروبة أن التعليم «كالماء والهواء» والواجب أن يتاح ويتوافر لكل الناس و«مجاناً».
٭ صحبت أفعاله أقواله وانداح التعليم ميسوراً ومتاحاً بلا ثمن وكانت النتيجة أن دحرت جيوش المعرفة جحافل الظلام والجهل وفيالقه ولت الفرار.
٭ لكن وآه من لكن هذه.. لننظر الآن إلى حال التعليم في بلادنا. لم يعُد متاحاً بالمجانية الواجب توافرها وإنما أصبح «سلعة» وباهظة الثمن.
٭ في بلادنا إذا كنت لا تملك المال فلن تجد «العلاج» إذا مرضت ولن يتعلم ابنك وكل شيء بثمنه والدفع مقدَّم. لا حول ولا قوة إلاّ بالله.
٭ ودعونا نحصر أنفسنا في مدارس الحكومة فقط لأن المدارس الخاصة لا قبل للعامة بها فهي في الثريا وابناءهم في الثرى.
٭ المدارس الحكومية تستقطع من التلاميذ يومياً وأسبوعياً وشهرياً وسنوياً من رسوم وجبايات ما يفوق طاقة رب الأسرة الذي يكابد الغلاء وضراوة العيش وحمّارة الغيظ وكيد النساء وعسف الحُكام.
٭ هذا لا يحدث في ولاية الخرطوم وحدها حيث «الرئيس ينوم والطيارة تقوم» إنما في كل ولايات السودان كل وزارة تربية وتعليم وكل مكتب وكل مدرسة تدس يدها في جيب ولي الأمر المغلوب على أمره لتأخذ الجباية اللازمة لتعليم فلذة كبده. يحدث هذا عنوة وتجبراً.
٭ هذه الهجمة البربرية غير مردودها السالب فهي تضر بالعملية التربوية والتعليمية بأكملها.. وتضرب بلادنا في كبدها وفؤادها لأن الهجمة تستهدف بناة مستقبلها ومجدها وعنفوانها.
٭ نضرب مثلاً لهذا العسف والجور الذي يمسك بتلابيب التلاميذ وأولياء الأمور بمحلية «الدويم» فقد حدثني أستاذ الأجيال المربي الفاضل «مصطفى برجاس» الذي انفق أنضر أيام العمر الجميل في خدمة التعليم والتعلم وبسط المعرفة أنبأني وما ينبئك مثلُ خبير بأن الأمر فاق حده في «الدويم» التي كانت تسمى مدينة العلم والنور فالجبايات اختلف رسمها ولونها وطعمها ورائحتها حتى تسرّب التلاميذ إلى الأسواق والطرقات بعضهم لمجابهة التزامات ورسوم الدراسة وبعضهم أضحى فاقداً تربوياً… لا حول ولا قوة إلا بالله.
٭ هذا يحدث في مدينة العلم والنور حاضنة بخت الرضا منارة النور والمعارف والاشراق.
٭ الأمر جدُّ خطير ويستدعي الوقفة والتأمل والتدخل الفوري الحاسم من قبل الدولة لوقف التغوّل على حقوق ابنائنا وهضم حقهم في التعلم والاستنارة.
٭ لنعلنها داوية كما أعلنها من قبل عميد الأدب العربي «التعليم كالماء والهواء» ولا نقول مجاناً كما قال ونادى ولكن نقول «بما يتيسر» لأن الأمر مرهون بمستقبل وطن كان العلم فيه متاحاً ومتوافراً وأمراً حتمياً لا فكاك من تعاطيه وتلقيه.
٭ الدولة مسؤولة من المواطن من المهد إلى اللحد والمواطن أعطى وما استبقى ووقف إلى جانب الدولة في أزماتها وربط الحزام على البطن والباقي والدور على الدولة أن تقف إلى جانبه في شدته وهذا أوان الشد فاشتدي زيم.
٭ العلم ليس فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الآخرين إنما هو برنامج حياة وفي البدء كانت الكلمة وكان التوجيه ينداح إلينا دستوراً سماوياً واجب النفاذ فلماذا العنت والتماطل في انفاذه.
٭ نحن ندعو الدولة وكل وزراء التعليم في بلادنا للجلوس في طاولة «رحمة ورفقة ووطنية» للنظر في هذا الأمر البالغ الحيوية والصعوبة والتعقيد.
ونعود…