غربة الميتين

نفيسة زين العابدين (أمريكا )
سألنى زوجى عما يشغل تفكيري لدرجة الا الاحظ وجوده ، بنظرات زائغة وصوت خافت به من الرجاء ما أثار شفقتى على نفسي قلت :
– اريد ان ادفن في السودان.
ضحك متسائلا :
– تتركين السودان حية ترزقين وتريدين العودة اليه جثة تواري ثراه ؟
قلت وانا ابتلع غصتى :
– وما تركته حية ارزق الا لاحيا وارزق.
بدأ الاهتمام يظهر على ملامح وجهه :
– وما الفرق ان تُدفنى هنا او هناك ، كلها ارض الله و هنا تراب وهناك تراب .
قلت وانا اعني عبارتى وأشعر بكل حرف فيها :
– لكن رائحة التراب هناك تختلف.
ابتسم مشفقا ثم احتضننى بحنان كبير وهو يتمتم بعبارة ( الله يطول عمرك.)
سألته كطفلة صغيرة وانا احتمى باحضانه :
– هل تعتقد ان غربة الموتى اقسي من غربة الاحياء؟
قال :
– ماذا تعنين بغربة الموتى ؟
– هل تحسبين انك ستخرجين كل ليلة لتؤدين الزيارات الاسرية للراقدين جوارك ؟
ثم أردف ضاحكا :
– ام هل ستلتقين بجدك يوم في قبره ويوم في ……
لم يستطع ان يقولها، فسكت وزفر فى ملل ، وترجانى الا افتح هذه السيرة مرة اخرى . وحاول ان يلهينى فاخرج من جيبه حزمة دولارات طالبا منى ان ارفه عن نفسى واذهب الى السوق واشترى ما ارغب فيه ، تناولتها منه وقلت:
– كلا، سأتصدق بها.
فابتسم بتعب واخرج حزمة اخرى .. وقال :
– اذن هذه للسوق .
اخذتها منه وقلت:
– سأدخل بها جمعية مع جاراتى ، لاننى ارغب فى اداء فريضة الحج .
ضحك ضحكة تشبه البكاء وجلس على اقرب مقعد قائلا:
– لا تشغلى بالك بامر الحج ..انا من سيدفع تكاليفه .
ثم عاد يضمنى اليه مرة اخرى بقلق :
– ما بك ؟.. ولما كل هذه السوداوية ، الست أنت دائما من تقولين نحن لا نعيش غير حياة واحدة؟
– نعم انا من اقول ذلك، لكن بعد الحياة ننتهى الى رحلة غامضة لا نعرف عنها شيئا .
ثم تابعت وأنا التقط دمعات اسرعت بالانزلاق على وجهى:
– أنظر كيف هى غربة الاحياء صعبة وباردة ، فكيف بغربة الموت .
تشبثت باحضان زوجى واحتميت به من افكاري ، وأنا اتخيلنى ميتة وحيدة اتلفت في عالم مجهول أبحث فيه عن وجه اليف . ثم ملأتنى راحة حينما تذكرت الله ، كيف بي ان انساه وافكر في إيجاد رفقة عرفتها في الدنيا !
وذهبت وتوضأت وصليت لله ، صليت كثيرا ، كنت بحاجة الى الطمأنينة ، طمأنينة لا توفرها غير صحبة الله سبحانه وتعالى في داخل القلب . ويبدو أن خوفي من الموت في الغربة قد راق لزوجى الذى طفق يطلق نكات وطرائف عن حديث الموت بين الازواج، كان يضحك بشدة وكنت اغتاظ بشدة اكثر . امسكت بمسبحتى كي يكف عن اطلاق النكات ، سألنى دون ان يرفع عينيه عنى اذا ما كنت فعلا جادة في مخاوفي ،سألته عما يقصده ، فقال أنه يعنى أننى بدأت أتصرف كأننى سأموت في التو واللحظة . عدت إلى مسبحتى وأنا أتخيل أننى إذا دٌفنت فى وطنى فان الميتين من اهلى وجيرانى سيستقبلوننى بمودة، وأن ست نور ستبدو غاضبة لعبثنا ونحن صغار بقبرها وتصنتنا الساذج علي معرفة ما يقوله الملكان، ثم استغفرت الله وفتحت التلفاز على قناة تعرض مسلسلا تركيا .