عيونك زي المستشفى الحرقت

٭ المفارقة تبدو أكثر دهشة إذا كان رد فعل الدلالات يساويها في المقدار والنسبة ويعارضها في المعنى شكلاً ومضموناً.. ولكنها تظل حالة أقرب إلى الطرافة.. وبتموت في الرقايق «واللطافة».
٭ وحتى لا تضيع عليكم المواقف.. و«تطيروا خارج الشبكة» أقول إن صديقي الطيب الحسن من منطقة ود الماجدي أستاذ قديم له فلسفة شائكة في التشبيهات والقرائن.. وطرائق الاستعارات يقف حيالها أهل البلاغة «حيارى».. أولاً لأنها خارج المقرر وثانياً أنها تدور في الاتجاه العكسي لتبقى في النهاية «الضحكة» هي المغزى الذي يهزم القهر ويفتح الطريق سالكاً للابتسامة «بت السعادة».
٭ فهو يقول لك عندما يلاقيك دون أن تغتر منه ابتسامة وكأنه يصنع الجدية بطين «أم لعاب» وينك أنت.. عامل راسك كدا.. زي المستشفى الحرقت»..
طبعاً المشبه والمشبه به معروف لراعي الضان في الخلاء.. أما العلاقة وأداوات التشبيه فهذه الأشياء تستدعي عمل ورشة من جهابزة البلاغة للبحث عن وجه الشبه «الكارثة».
طبعاً العلاقة بين راسك والمستشفى الحرقت في عهد الوزير مأمون حميدة يمكن أن تجد لها «صرفة» ويمكن أن تدخلك في دوامة الاحتمال والتأويل.. واستفسارات المجلس الطبي.
وإذا كان الشعب السوداني لم يستوعب حتى الآن ترحيل حديقة الحيوان إلى الغابة والدليل «خواطر فيل» التي قمنا بتحفيظها للأطفال والأجيال عشان استرجاع القيمة يظل مبدأ في «الذواكر» البليدة ذات السعة النسبية..
وهو أيضاً يقول لك «عامل عيونك كدا زي الجدادة المبيضة في القصب».
طبعاً العيون ممكن تشابه أي شيء إلا هذه الدجاجة..
يعني تشبه البحر.. وممكن تكون زي سحابة صيف تجافي بلاد وتسقي بلاد .. وممكن تقول زي غابة الأبنوس.. فكلها دلالات عميقة لكنها تضبط حالة التشبث بالقيمة على الأقل في نظر كل حالم.. حاولت أن ارسم صورة داخل إطار للعيون وهي مدسوسة وسط الجفون.. وبين الدجاجة وهي راكضة في حوش كبير مليان قصب.. اكتشفت «غباوة» العيون وهي تفشل أن تمنح الإنسان البوتاسيوم.. بينما تمنحه الدجاجة باريحية وهي تخبيء نفسها من العيون..
وتشبيهات صديقي تجاوزت المعيارية «بعبط» ودخلت على المظهرية «بكراعها اليمين» واحتفت بمسألة «عمى الألوان» .. فهو عندما يريد أن يستفز مظهرك ويزلزل عرش الأناقة الذي تدعيه يقول ببرود «عامل قميصك زي ملاح البامية البايت في التلاجة».
فلا تعتقد أنه يشحد «عزومة مكابر» لأنه جائع جداً.. ولكنه أراد أن «يقصقص» بعد الزوائد حين رآك منتفخاً مزهواً بماركة القميص الجديد الذي اشتريته من «Con.s» أو من ذلك المول التجاري الذي تتباهى به.. نسينا في ذروة السرد أهل البلاغة في هذه التشبيهات التي لا ناقة لنا فيها ولا جمل.. في معاييرهم الأصلية.. ويبدو أن أهل هذا الضرب قد تجاهلوا «العلاقة المشاترة» في صنوف التشبيهات ولو عرفوا أن هنالك أقواماً على تخوم الألفية يستخدمون هذه التوصيفات لأعادوا صياغتها من جديد.. لأن وجود «لمحة» بنسبة واحد إلى مليون من الشبه قد تصبح قيمة تستحق التداول والمناقشة.. وأغرب حاجة عندما أراد توديعي نظر إلىّ قائلاً :«بتعاين زي عنز رفاعة الغرقت في البطون.. مالك!!!».