شيخ الحلة.. بين الحداثة والموروث

تحقيق: أيمن محمود
كبير الحي أو شيخ الحلة شخص عرفناه سديد الرأي مسموع الكلمة وله أياد بيضاء تربت على اكتاف أهل منطقته وهي نفس الأيادي التي تمد العون لرأب الصدع وتجسير هوة الخلافات بين الفئات والجماعات وحتى الافراد.. فشيخ الحلة أقل ما يوصف بأنه حكيم زمانه يلجأ إليه الكل طلباً للاحتكام العادل وهو نفس النسق في تلقي المساعدة وأخذ المشورة تحت ظل شجرته الوارفة شجرة الجودية، ولما كانت كلمته كحد السيف الممزوجة بالرأي السديد عندها يتقبل كل الاطراف حكمه عن طيب خاطر.

الصدر الرحب:
الطاهر فضل المولى موظف: شيخ الحي تلك الشخصية التي تمتع بمميزات قل ما تتوفر عند الاغلبية نظراً لما يقدمه من خدمات جليلة تجاه أهل منطقته إذ يعتبر الدينمو المحرك وله رأي سديد يستعين به في حل المشكلات والمعضلات التي تعتري ساكني الحي فيتقبلها الكل بصدر رحب لما تمتاز شخصيته بصلابة متشبعة بفيض حنان فانصهرت في بوتقة واحدة شكلت شخصيته التي يُشار إليها بالبنان.
ولكن أرجع وأقول إنه يعتبر بمثابة الآب الروحي الذي يبث روحانياته في نفوس كل ساكني دائرة اختصاصه ولكن الشئ المؤسف أن الكثيرين أعلنوا الحجر على هذا الأب الروحي والبعض الآخر تفننوا في عقوقه.
خازن الاسرار:
أنا أذرف دموع الندم والاسف الطويل على هذا الزمن الذي اندثرت فيه كل القيم الجميلة.. هكذا ابتدر مالك عبد اللطيف حديثه قبل أن يكمل شيخ الحلة يعتبر بمثابة كبير الحي الذي يقوم بإبداء النصح لكل من ينحرف اجتماعياً وسلوكياً فيقدم له المعالجات والحلول بطريقة لا تدعو للتذمر بل تدخل آراءه القلوب توش بدون رتوش مما يجعله محط تقدير فيلجأ إليه الصغير قبل الكبير، فروحه تملأها البساطة وسماحة النفس وطيب الخاطر.. والأهم من ذلك انه يوصف بخازن الاسرار وجاء هذا الوصف بعد تقاطر كل مشكلات المنطقة وطرحها على طاولة احتكامه. نجد أن شخصية شيخ الحلة والإفادات لا زالت على لسان مالك. عفى عنها الزمن نظراً لسرعة ايقاع الحياة وأن أي شخص يحاول الابداء والادلاء برائه بشأن مشكلة ما يوصفوه الشماراتي وأنه يدخل بين البصلة وقشرتها.. وغالباً ما ينطبق فيه مقولة لا تتدخل فيما لا يعنيك فتسمع ما لا يرضيك.
تراكم تجارب:
كوثر الجعلي ربة منزل ترى أن شيخ الحلة يمتاز بتراكم تجارب موسعة في الحياة يسخرها في حل قضايا ومشكلات الذين يلجأون إليه وهو يعتبر كمرجعية لاتزانه ومرونة تصرفاته ووقاره الذي يغلب على كل المشاحنات والمناوشات.. فيبديها بفعل سحر حكمته الطويلة الممتازة وأن أي من المحتكمين لا يردوا له كلمة وقوله نافذ ومسموع ومطاع. ودائما ما يستصحب في حال تلطيف الاجواء بيت الشعر الذي ينشد:
وسوف تصفو الليالي بعد كدرتها
وكل دور إذا ما تم ينقلب
فشيخ الحلة واضح وصريح ولا يصطاد في المياه العكرة ودائما ما يضع النقاط فوق الحروف لتوضيح الرؤية وإزالة العتمة التي تعكس جانب كل خلاف.
التنشئة الاجتماعية:
محمود المدني يرى أن المجتمعات التي تنشأ في بيئة جغرافية واجتماعية واحدة منذ أمد بعيد يظل شيخ الحي حاضراً وموجوداً بأثر رجعي بل يتم توريث المشيخة من جيل لآخر إذ يعتبرونه أي شيخ الحلة واحد من معالم ورموز القرية التي يجب المحافظة عليها .. أما الفئات والمجتمعات التي تقطن في قرية سكنية عشوائية أو حديثة عهد في الانشاء فلا يرسمون في خارطة حياتهم تضاريس خطوط الطول والعرض التي يتحرك فيها شيخ الحلة.
إذاً فإن شعور الفقد الجلل الذي يخلفه شيخ الحلة بالطبع سيؤثر على الحراك الاجتماعي والاخلاقي والسلوكي على أهالي المنطقة وإذا ما جئنا أن نقارنه مع عمل بقية اللجان نجد أن الفرق شاسع إذ لا يرجى منها ثمر الخدمات ولا عنب رأب صدع العلاقات.
أبوي حلال المشاكل:
صالح الضو من أمدرمان ينظر لشيخ الحلة من منظور المختبر الذي ينتظر منه الشخص نتيجة تفند مآلات أوجاعه وتشفع في الاستحواذ على الروشتة الصحيحة التي تؤهله للتعافي والتصافي بشأن مشكلته.
ذكر صالح الضو أغنية أبوي حلال المشاكل إذ قال ليست بالضرورة أن تكون كلمة أبوي هنا تفيد بالوالد فقد يكون شيخ الحلة أو الدليل أو القدوة.
المديدة حرقتني:
محمد مصطفى ـ أستاذ جامعي يقول أنا اعتبر شيخ الحلة مثل الدولة المحايدة التي تجري فيها مفاوضات بين جماعات أو حركات مسلحة لطرح المسودات بغية الوصول الى حل يرضي الطرفين كما يوصف بأنه عميد كل الأسر لما يقوم به من خدمات جليلة وغرس المعاني السامية والنبيلة فهو محضر خير لمحاربة المضار من زرع الفتن والضغائن والبغضاء في المجتمع الواحد من قبل ضعاف النفوس والمرجفين الذين يسعون لتأجيج نار الفرقة والشتات بين الافراد أملاً في تحقيق مكاسب وتصفية حسابات وهؤلاء هم انصار مقولة المديدة حرقتني.