شعراء المعهد العلمي بين الأصالة والتجديد

عزالدين ميرغني
صدر هذا الكتاب حديثا , ضمن اصدارات هيئة علماء السودان .وهو بعنوان شعراء المعهد العلمي ( نماذج وتراجم ) ضمن سلسلة الدراسات الفكرية , تحت الرقم 91 . وهو من تأليف البروفيسور محمد عثمان صالح , والدكتور محمد الحسن فضل المولى . وقد قام بالتقديم للكتاب , حيدر التوم خليفة . وهو رئيس تحرير سلسلة الاصدارات . وقد جاء في مقدمته , ( وقد قرض السودانيون الشعر منذ امد بعيد كما توضحه كتابات ود ضيف الله . ولكن الشعر الفصيح المقفي حسب علمي , لا نجد له أثرا مكتوبا الا في أشعار البنا الكبير . وشيخ الإسلام أبو القاسم هاشم , والشيخ المجذوب الكبير في نهايات القرن التاسع عشر , أو قبل ذلك بقليل . وما تلا ذلك في عهد النهضة الثقافية . التي احدثها خريجو مدرسة غردون بالخرطوم , وخريجو المعهد العلمي بأم درمان . وظهر شعراء وأدباء عظام امتد إنتاجهم وتأثيرهم إلي خارج الوطن , وانتشرت بعض أعمالهم وطبعت بعد أن تيسرت سبل ذلك خاصة وأن السودان كان ملحقا بالخديوية المصرية اسما , وبالإمبراطورية البريطانية إدارة .
وقد كان المعهد العلمي الذي اكتمل تأسيسه عام 1912 وتقلب في مسيرته من معهد الي كلية الي جامعة أم درمان الإسلامية الحالية أثرا كبيرا في المسيرة الثقافية السودانية خاصة في مجال الشعر . وبرز منهم شعراء كبار أمثال أبو القاسم هاشم , والشيخ عبد الله عبد الرحمن الامين والهادي العمرابي , والتجاني يوسف بشير , والهادي آدم ومحمد عبد القادر كرف , والقاضي , وحسين منصور , والناصر قريب الله , وكامل الباقر , وأحمد إسماعيل البيلي , وكجراي , وعبد الله الشيخ البشير وغيرهم . ) .
يعتبر هذا الكتاب أول مؤلف يخص شعراء المعهد العلمي . ولا شك أن لهذا المعهد , ومؤسساته التي تطورت فيما بعد دورا كبيرا في نهضة السودان الأدبية , والدينية والسياسية , والعلمية . وقد أورد الشيخ الإمام محمد المبارك عبد الله , في كتابه ( ذكريات ومذكرات , في معهد أم درمان العلمي طالبا واستاذا وشيخا للعلماء ) أورد نماذج من النشاط الثقافي والادبي الذي كون فيما بعد أكابر أدباء السودان وشعراءه من المعهديين امثال التجاني يوسف بشير , ومحمد محمد علي , وامثالهم . وقد كانوا طلبة منفتحين علي جديد في الادب , والدليل علي ذلك هو مشاركتهم في الكتابات الأدبية في صحف مصر وفي المجلات المحلية . ولا شك ان هؤلاء الطلاب وهذا المعهد هو الذي حفظ للثقافة العربية الإسلامية مجدها وقوتها في بلادنا حتي الآن . فهم كانوا يحفظون الألفية و وشواهدها , وشواهد قطر الندي وبل الصدى وشواهد الاشموني , وغيرها , حتي اصبحت السنتهم لا تنطق الا بالعربية الفصحي , وتشهد مجالسهم المطارحات الشعرية والمساجلات الادبية والفكاهات النحوية والصرفية , والعروضية . وقد كانوا يعتزون بمعهدهم ويتغنون له فصيحا و ودارجا فيقول الشاعر التني ( ما بهاب الموت المكشر , ما بخش مدرسة المبشر , عندي معهد وطني العزيز ) . وقد قدم الكتاب لثلاثين شاعرا أغلبهم من الأموات . وأقدمهم هو الشيخ ( أبو القاسم أحمد هاشم ) شيخ الإسلام . وما يحمد في هذا الكتاب هو لجوء مؤلفيه وهما عالمان جليلان إلي طرق البحث ومناهجه الحديثة . لذلك يعتبر هذا الكتاب مرجعا توثيقيا مهما للحياة الأدبية السودانية فيما قبل الاستقلال لان كثيرا من هؤلاء العلماء إما أن أشعارهم لم تجمع في دواوين منفصلة , أو أن دواوينهم قد نفدت واندثرت ولم يعاد طبعها . وكلهم كتبوا الشعر الموزون والمقفي أو الشعر الكلاسيكي العمودي . وهناك قلة منهم قد جرب وكتب مع الشعر العمودي , شعر التفعيلة . وهم الشاعر , محمد عثمان صالح ( كجراي ) والشاعر سيف الدين الدسوقي , والهادي آدم , ومحمد عثمان صالح , ومهدي محمد سعيد . ورغم أن هذا الكتاب لم يورد أشعارا بالعامية و ولكن هنالك من هؤلاء الشعراء , من كتب بها ايضا , وغني له بعض من المغنين السودانيين . وكانت أشعارهم بالعامية تمثل قمة الرصانة وجمال العامية الغنائية . واشهرهم سيف الدين الدسوقي , ومحمد عثمان ( كجراي ) . وهذا يدل علي انفتاح المعهديين , علي كل تيارات الحداثة والتجريب في الشعر العربي قديمه وحديثه . والمتتبع لشعر هؤلاء الفطاحلة , يحس بجماليات اللغة العربية الفصحي البعيدة عن التقعيروالتفيهق اللغوي , رغم ضلوعهم وتمكنهم منها , فانهم لم يكتبوا بلغة القواميس المنسية القديمة . فجاء شعرهم عميقا ومفهوما , ولغتهم سلسة ومفهومة . وهي اشعار مواكبة في صورها وتشبيهاتها كأنما قد كتبت حديثا . ومعني هذا أن هؤلاء الشيوخ وفطاحل العربية , قد طوعوها , وجعلوها أكثر حداثة وواقعية للزمان والمكان . ولو لا عقد الغردونيين من الثقافة العربية الإسلامية لدرست هذه الأشعار في كل كليات الآداب في بلادنا . والحق يقال أن كثيرا من هؤلاء الشعراء الفطاحل العظام لم نكن نعرف أنهم من خريجي هذا المعهد العظيم , وقد طمست هذه الحقيقة طمسا . من قبل من حاربوا المعهد قديما وحديثا . وهذا الكتاب يعتبر دون شك بعثا جديدا لدور المعهد في نشر والحفاظ علي دور اللغة العربية في حياتنا كلها . ولولاه لأصبحت اللغة العربية في اضعف حالاتها كما حدث لها في المغرب العربي . والذي قام بالدور الذي قامت به معاهد فاس والأزهر والقيروان وغيرهما . ومن ما يعجب القارئ من هذه النماذج الشعرية , هي كتابتهم في كل ضروب الحياة الواقعية من حولهم , وقد كان شعرهم في الحب والغزل جميلا ورائعا . وقد يحسبهم البعض أنهم تقليديون في اختيار مضامينهم و وموضوعاتهم . ومن أجمل قصائد الغزل هي للشاعر الشيخ أبو القاسم هاشم بعنوان ( لا شيء أوقع ) يقول فيها : –
لا شيء أوقع في فؤاد العاشق من وصل ربات الحجاب الفائق
كلا ولا أحلي مذاقا بعده من رشف عذب رضابها للعاشق
وأشد حال يعتري أهل الهوي حب يكدر كل صاف رائق
وشعرهم كلهم في هذا الجانب يعتبر شعرا عذريا , عفيفا , وصادقا , لذلك جاء بعيدا عن الصناعة والتكلف . إن هذا الكتاب يعتبر مرجعا أدبيا , مهما في تاريخ الحركة الأدبية في السودان . وهو مهم لكل دارس لتاريخ الأدب السوداني , والثقافة العربية الإسلامية . وقد صيغ بلغة رصينة ورفيعة تناسب هؤلاء الفطاحلة من الشعراء الذين خلدهم التاريخ . وترجع أهمية الكتاب , لأن بعضهم لم يصدر له ديواناً يوثق لحياته وأشعاره حتى الآن . وهي مهمة توثيقية وتاريخية يقع عاتقها على مجايليهم ومعاصريهم من الكتاب والشعراء والباحثين من المعهديين . لأنهم كما قلنا فإن شعرهم يمثل كل التيارات الشعرية القديمة والحديثة .