خمريات بدون كحول

ظاهرة الغناء للخمر ومجالسة الحبيب كانت تقدح في الزمان القديم وتسكر القلوب إلى حد الهذيان .. في الزمن الحديث (استلفوا) المعنى وتركوا الكأس فارغاً (شطفوا) وش النكهة وحولوها إلى حالة حب لا تنتهي وحريقاً لا ينطفئ.
أبونواس قالها في مجون سافر
رمضان ولى هاتها يا ساقي
مشتاقة تسعي إلى المشتاق
ولكنه كفر عنها بأبيات (غسلت) الفكرة (بموية) صافية قائلاً: لبيك لا شريك لك ..
ولان مجالس الأنس لا تبارح (الزنجبيل) المعتق حاول المحدثون .. أن (يباروا) الفكرة ويؤسسوا للمعنى المرادف للإحساس الطاعم (الدايت) وبدون كحول .. لتبقى (الفكرة) خالية من المخدر .. وخالية من الكوليسيترول ما يهمنا هنا الآن هل انساقت الأغنية السودانية وراء مفهوم المعنى دون أن تخرج من (نص الاعراف) أو حالة اللاوعي الفنان التاج مصطفى استشف الحس الحالم عندما صدح بقصيدة ابن المعتز
أيها الساقي إليك المشتكى
قد دعوناك وإن لم تسمعا
وهنالك رائعة الشاعر قرشي محمد حسن ذلك الواجد .. المطرق الحواس .. يقول في قصيدة غناها الفنان عثمان حسين
يا حبيبي إقبل الليل علينا
وضفاف النيل قد أصغت الينا
وحباب الكأس يخبو في يدينا
وارشتفناها تباعاً ماارتوينا
قلت والكأس لديكا
ويدي في خصلتيكا
اسقني من كفتيكا
خمرة منها ارتوينا ..
يوم عدنا والتقينا
ويبدو أن هذه (الخمرة) هي بقايا (عرق الصبابة) وصافي الوجد اللذيذ التي تسكر القلوب قبل رؤية الديباجة التي تمنح الكأس قداسة الانعتاق من الروح.
ولم يبرح بازرعة ذات المواجد وذات الارتواء الوجداني عندما قال:
ولما ينقضي الليل .. وينعس ساقي الخمر
يرف الضوء كالحلم ليسكب خمرة الفجرة
تذكري عهد لقيانا .. ويوم القبلة السكرى
وقبلي ثغري الظامي .. فقد لا تنفع الذكرى
ويبدو (لمة) الاحباب تغري بالتناجي وتكساب المُدام .. والفنان صاحب الصوت الدافئ صلاح محمد عيسى بكلمات الشاعر إسماعيل خورشيد
هات كأسي .. هات خمري
هات كأسي .. هاتها ملأنة خمرا
ولم يزل صاحب الصوت الطروب عبد العزيز محمد داود وهو يصدح بلحن ينساب من وهج اللقيا قائلاً:
سكر السمار والخمار في حان الغرام
وأنا الصاحي أرى في النور أشباح الظلام
وبدت كأسي على راحي بقايا من حطام
(عصير) الكلام الذي يدخل إلى المزاج ويحرك العصب .. ويجعل الرؤوس تهتز طرباً يحتاج الى نوعية معينة من الحسن الذين يمتزج فيه الخيال مع الصدق .. وينصهر فيه الانفعال مع السكون .. ولا يحتمل وجود الهيستيريا.
والشاعر حسين عثمان منصور منح الفنان سيد خليفة الذي يذوب مع تماهي المعاني بصوفية محببة
يا سقاة الكأس من عهد الرشيد
مالكأسي ظامئاً أبداً وحيد