حنين النخيل !!

شجرة النخيل بشموخها كانت تجسد الحنين والوجد والصبابة ولا نعرف سر هذا الترابط.
كلما رأينا سبائط النخيل تتأرجح ما بين الشهقة والنزعة نبكي على طول.
ربما نبكي على حبيب بعيد .. او عزيز ارتحل عن الدنيا وترك صورته تتدلى مع السبيط.
لذلك فلا غرو ان يتساقط التمر والحنين من تلك الشجرة العجوز التي صمدت علي التلة بقلب يتسع للجميع.
ولا نعلم لماذا يهاجر اليها العرسان في زفة السيرة في كل المواسم والامر اكبر من قطع جرايد النخل ليهز بها على الاحباب والاصحاب وسط الزغاريد.
في قريتنا شجرة قطع منها اجدادنا في سيرة زواجهم .. وما زال شبابنا يردونها عصرا لذات المنطق القديم .. رغم تغير الوجوه .. والطقوس المظاهر.
ولكن الثابت ان الوجد والحنين يرتسمان في عروقها تبثهما عبقا مغلفا بالدموع.
وشفنا الدموع خلف الرموش مكبوتة بحسرة وضياع .. وجابوا القدر في سكتك.
فالطنابير والمواويل حملت شجرة النخيل عبء مكابدة الشوق واثقلتها بمعاني البعد رغم انها لم تراوح مكانها.
الطنبور في اعرافنا لم يتجاوز مساحة الصفقة وحركة الايقاع الا بمقدار ما يفرزه القلب من انفعال مختزن يحول عليه الحول ويخرج في شكل همهمات مغسولة بالحنين تجسد اهم ملامحه شجرة النخيل.
والطنبور بشكله الاستثنائى جعل الحبيبة والطبيعة يتصارعان في المعنى بحيث لا تدرك ايهما يصف ذلك المغني وصوت الربابة ينظم الشوق ويمزجه في نمة واحدة.
ومازلت اذكر قصة ذلك الشاب الذي قام بتحضير كل شئ لاتمام عرسه .. الدولاب الكبير وغرفة النوم .. والجلوس .. وملابس الحفلة والجرتق .. وملابس السيرة .. وقبيل زواجه بيوم اكتشف ان شجرة النخيل سدرة منتهى زفافه قد تم قطعها من قبل ادارة المشروع لأنهم يقومون بنظافة عامة للترع والقنوات الرسمية هو لم يضع كل ذلك في حسابه .. ولو كان يعلم لضمن زواجه في محاذير قانون 2005م الذي اراد ان يقضي على القديم بحجة ان التحديث يبدأ بالازالة .. ازالة كل شئ يقف في الطريق حتي لو كانت شجرة النخيل المسكينة.
ويبدو اهتمام اهل القرية بالعريس كان اكبر من الاهتمام بقانون 2005م بل اعظم من مشروع الجزيرة نفسه لانهم لا يملكون شيئاً في تغييره بل اصبحوا فيه مجرد اجراء.. ولكن عريسهم يمكن ان يغيروا عبره شكل الجدران ونوعية الكراسي ولون الصيوان المنصوب في الفسحة الكبيرة.
المشكلة الاكبر اراد ان يقوم بتأجيل الزواج حتي يجد شجرة نخيل يسير اليها وسط زفة الاحباب.
وشجرة النخيل اصبحت اكثر من محبوبته التي قال فيها كل اشعار الطنابرة وقصائد الشوق الدفاق.
– لماذا تبدو المعايير غير متشابهة وانفجار الفرح مرهون (بحتة) حنين (مدسوس) داخل شجرة تئن من رهق المارة وخطوات العابثين.
عاد اصحاب العريس وهم يحملون بشارة ان هنالك شجرة لم تطلها يد التغيير ولم يرصدها المشروع.
بينما احتار بعض الحالمين هل يفرحون للعريس ام يغضبون لتقصير ادارة المشروع؟
المهم في الموضوع ان ذلك العريس قد قاد جيشاً قوامه سيرة تتحدث بها الركبان مليئة بالفرسان ومحروسة بالزغاريد والدموع فوقف امام الشجرة طويلا وبكى كثيرا وعاد وهو مثقل بالحنين.