حكايـــــة المفتــــاح..

٭ إذا كانت (عدة الشغل) للمهندسين خططهم وخرطهم أو خرائطهم إرضاءً لكل أصحاب الجمع التكسيري، آلياتهم وحجارتهم.. وإذا كانت للأطباء في العلم والتجربة والمبضع والعيادة والسمعة السماعة وحسن الطالع .. وإذا كانت (عدة الشغل) لرجال الأعمال كثرة المال وحسن الأحوال وكثرة التجوال وندرة المعارف مع إفاضة المصارف ، فإن عدة الشغل عند الصحفي هى كثرة الأوراق المقروءة والتي في سبيلها والقديمة المدخرة، ولذلك فإن من مصائب ومصاعب هذه المهنة الصعبة الودود الولود هذا الإعجاب والكلف المفضي للتلف مع الأرق والأوراق القديمة.. فقد أصابني داء قديم بالأوراق ظننت بعده أن كل ورقة تصلني قصداً أو بغير قصد هي وثيقة مهمة يجب الاحتفاظ بها ومداراتها عن الأعين والناس.. والورق كما تعلمون من المواد التي تتكاثف وتبلى وتتغضن ولكنها تبقى في ذاكرة الصحفي على عكس ذلك؛ صبيّة لا يطالها الدهر ولا تصيبها الأيام..
وقد عانت أسرتي الكبيرة من قبل وأسرتي الصغيرة من بعد من الأثقال التي أحملها وأحتفظ بها من القصاصات والأوراق مما أظن أنه يفيد في الاستدلال أو مما يحرّض الذاكرة على الكتابة والإمتاع في الصياغ والسياق خدمة لفكرة أو خدمة لعمود ومازلت لا أعرف حتى اليوم ما المهم عند الجرنالجي أو القارئ ؛ الفكرة الجيدة أم العمود الجيد؟!
٭ وبالرغم من أن لي أيام سعد أتفرغ فيها لهذه الأوراق منادمة ومحاورة وأنابيش فتطل عبر كل ورقة ذكرى وشخص وحادثة وحديث.. إلا أن ما أخفيه كثيراً عن الذين يحملون عبء هذه الأوراق والحقائب والأكياس في المكتب والمنزل والصحيفة والحل والترحال.. إن أغلب هذه الأوراق أدخل في بحر المرتَخَص من العدة (والعتاد) إلا أن (فوبيا) الورّاقين تحيلها من خسيس إلى نفيس ولا أكتمكم سراً لو قلت ان تمزيق هذه الأوراق وإبادتها أقوم بها لهذا السبب الخفي وحيداً وفي لجّة الليل ميقات مكابدة العباد والعشاق.. حتى لا تلدغني كلمة أو تعليق من شاكلة أهذه هى (الأمازيق) هى التي عذبْتنا بها آناء الليل وأطراف النهار، ولكن نصف الكوب الممتلئ يقول بأن في قلب هذه الأوراق التي لا قيمة لها من طلبات وفواتير ومقالات لكُتّاب مبتدئين وناشئة شعراء توجد بها الكثير من الأوراق الدراري التي تخفّت في وسط هذه الغابة من معتاد الهشيم فكرة أو معلومة ، قصيدة ، حكاية، سر، خبر ، حكاية أو لقطة نادرة.
٭ ولأن الكتابة في كثير من الأحايين تتأبّى أو تُخيف أو تخاف أو تتعثر ، أو أن الأحداث ذاتها تبعث على الحزن المفضي إلى الإخراس مثل مقاتل غزة الأخيرة أو تبعث على القرف الذي يفضي للإمساك والإنقباض والعجمة مثل الذي حدث في مؤتمر القمة الأخير الذي غبنا عنه قبل أن يغيب المعتذرون..
٭ ولأن الصحفي المحب والموسوس كُتب عليه أن يكتب برهق لأن لنا أساتذة جنوا علينا بأوامر التجويد فقد أوحوا لنا أن الكتابة الحقّة هى التي يجب أن يحتفظ بها القارئ أو يتحفّظ عليها العارف.. فنحن من جيل لا يكتب إلا إذا أدرك أنه في سبيل هذه الكلمة سوف يضم لصفّه الكثير من الأعداء أو الكثير من الأصدقاء ولا ضير، فالصحافي الناجح هو الذي يقرأ له أعداؤه وأصدقاؤه بذات الحرارة وذات التذوُّق مع الاحتفاظ المطلق لكل قارئ بحقّه في الاختلاف والخلاف ولكن في دائرة الاحترام.
٭ ولأمر يعلمه الله فشلت في كتابة عمودي اليومي بعد صلاة المغرب إلا بعد تحديق مدير التحرير المحاصر بجنون الكهرباء والاجهزة وطوارئ الفنيين وازدحام المطبعة ، ولذلك فإن أوراق البواعث التي تثير الالتزام تظل مهمةً لكل صحافي كاتب وكل صحافي لا يكتب بمهارة والتزام فهو مجرد باشكاتب في بلاط صاحبة الجلالة أو كما قال شهيدنا سليم اللوزي.. وفي نظري أن أي صحفي لم يدخل لهذه المهنة من مدخل الأدب والمثاقفة والأسلوبية فإن الفشل سوف يصادره ووريقاته ولو بعد حين ، حين تتساوى في يوم ما نصاعة الأوراق والألوان وجودة الاخراج والطباعة ورضى المستبد العادل.
٭ ومن المفاهيم التي كنت أتوقف عندها كثيراً في الأوراق المتعهدة والمنتقاة تحرِّي الاسلام للعدالة والتسوية بين الناس في حقوقهم وتالدهم من الممتلك المادي والمعنوي ذلك الحق الذي لا يصادره موقف أو عداوة أو حظ نفس أو جرأة أو تلهُّف ولو برّره طارئ الزمان والمكان.. وهي فضيلة إلتزم بها الاسلام وحافظ عليها دُعاته ولذلك استطاع هؤلاء الفقراء والمساكين أن يخرجوا من أكثر أرض الله جدباً ليحكموا أكثر أرض الله خصباً لا بكثافة ولا بتجارة ولا بتجارب ولا بحضارة ولكن بهذا العدل المطلق الساخن في القلوب والأيادي..
ومن تلك الأوراق التي احتفيت بها وأنقذتني من حزن القمم وسخرية الأمم وكبار الذنوب واللمم.. تلك الوريقة التي وجدت فيها حكاية (يوم المفتاح) وياله من يوم في تاريخ البشرية وتاريخ البشر، فقد قال الشاهد أن عثمان بن طلحة أحد سدنة الكعبة المعدودين أو سادنها الأوحد يومذاك يوم فتح مكة، قد أغلق البيت العتيق لما رأى جحافل المسلمين تجتاحها وهو يومها مشرك.. أغلق الباب وصعد سطح الكعبة وعندما سأل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن المفتاح قيل له إنه مع عثمان.. فلما أرسل في طلبه أبى.. فقيل له أنه لرسول الله فقال بصلف: لو علمت أنه رسول الله لما منعته المفتاح.. فلوى علي بن أبي طالب يده وأخذ منه المفتاح عنوة وفتح الباب.. فدخل النبي البيت وصلى فيه ركعتين ، فلما خرج سأله العباس عمّه أن يمنحه المفتاح حتى يجمع ما بين السقاية والسدانة.. هنا أنزل الله تعالى آية ( إنَّ الله يأمُرُكُم أنْ تُؤَدُّوا الأمانات إلى أهْلِها وإذا حَكَمْتُمْ بين الناس أنْ تحكموا بالعدل).. وهنا أيضاً إنتبه المصطفى لإشارة السماء الفياضة بالمعاني فأمر المصطفى عليّاً حالاً أن يردَّ المفتاح إلى عثمان بن طلحة ويعتذر إليه عما بدر منه.. فلما فعل عليٌّ كرّمَ الله وجهه ذلك قال له عثمان: يا علي:
أكْرَهتَ
وآذيتَ
ثم جئت ترفق؟!
فقال علي: إبشر يا عثمان لقد أنزل الله قرآناً فيك وقرأ عليه الآية وهو دامع: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)، فقال عثمان: أشهد أن محمداً رسول الله وأسلم فكان بعدها الصحابي عثمان بن طلحة الذي تعرفون.
٭ تُرى عزيزي القارئ كم بالظلم وشُحِّ النفس وحُب العاجل نأينا بالكثيرين عن الاسلام؟.. وتُرى كم قدرهم الذين حيّدناهم من بني جلدتنا؟.. وترى كم قدرهم هم الذين دسّوا عنّا المفتاح عنوةً ولم يكن فيهم مثقال ذرة من طهر ابن طلحة ، ولم يكن فينا أبى تراب الذي يقتلع وكفّت السماء عن الوحي وكففنا نحن عن موهبة التدبُّر.. ليس لي حق الموعظة فأنا لست صاحب فقه فائض أو صولجان أو حاكمية أو قرار أو سلطة أو ثروة ولكن عندي نصيحة صغيرة وهى.. إياكم أن تمزقوا أوراقكم القديمة قبل أن تقرأوها جيداً وقد فعل صديقنا بهذه الوصية فوجد أن فاتورة زواجه قبل ربع قرن أصبحت تساوي نصف ثمن ثوب الحرير الفرنسي المشغول الذي اشتراه لزوجته قبل شهرين لحضور زواج «الزين ود الحاجة» الذي أصبح أحد أثرياء بلادنا بدون أية أسباب موضوعية.. صحيح أنه أحد السدنة لبيت أحد الكبار لكنه لم يصعد أبداً بالمفتاح، ولم يحسن إسلامه ولم يدخل أية مدرسة ثانوية دعك عن الجامعات ، ولكن تلك المغنية الهابطة البرّاقة أنزلت عليه من الألقاب والكُسُّوات الشريفة والشهادات ما لم تحلم به الخرطوم ولا الزيتونة ولا الأزهر الشريف.

رأي واحد حول “حكايـــــة المفتــــاح..

  1. ” تُرى عزيزي القارئ كم بالظلم وشُحِّ النفس وحُب العاجل نأينا بالكثيرين عن الاسلام؟.. وتُرى كم قدرهم الذين حيّدناهم من بني جلدتنا؟.. وترى كم قدرهم هم الذين دسّوا عنّا المفتاح عنوةً ولم يكن فيهم مثقال ذرة من طهر ابن طلحة ، ولم يكن فينا أبى تراب الذي يقتلع وكفّت السماء عن الوحي وكففنا نحن عن موهبة التدبُّر..”

    هذه الأسطر تمنيت لو قرأها الذين تعوذ منهم الحبيب المصطفى وقال ( أعاذك الله من إمارة السفهاء ) لا يهتدون بهداه ولا يستنون بسنته …. والذين تبرأ النبي المصطفى منهم ومن من صدق هؤلاء السفهاء الذين لن يردون حوض النبي الذي وصفه الرسول الكريم لنا حيث أن ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك و(كيزانه) كنجوم السماء من شرب منها لا يظمأ بعدها أبداً ….اللهم لا تجعلنا من الذين يعينون السفيه على سفهه ليزداد سفهاً …

التعليقات مغلقة.