المحاولة الإنقلابية في تركيا..ماذا لو كانت مسرحية ؟

الدوحة: أكرم الفرجابي
بعد انقشاع غبار أحداث المحاولة الإنقلابية الفاشلة في تركيا، بدأت التحليلات السياسية تتوافد تباعاً، ولا ينتاب المحلليين السياسيين شيء، غير هاجس التفاصيل المتربص بـ(رواية الإنقلاب)، تلك القصة التي تتشابه سيناريوهاتها مع روايات الفيلسوف التشيكي العظيم ميلان كونديرا، حيث ينظر الكثير من المراقبين إلى المحاولة الإنقلابية على أنها (مسرحية) صنعها أردوغان، فالناظر إلى حقيقة ما جرى ليلة السبت الماضي يجد كثير من المعطيات المنطقية التي تدعم خيار (الحبكة الدرامية)، وهو إفتراض يرجح إحتمالية أن يكون ما حدث فعلاً مسرحية، رتب لها الرئيس التركي للبطش بمعارضيه، بعد أن أصدرت أنقرة قراراً بعزل (2745) قاضياً عقب ساعات معدودة من فشل الانقلاب، كما أنها عزلت (7800) من أفراد الشرطة في مختلف أنحاء البلاد بما في ذلك إسطنبول والعاصمة أنقرة، وألقت السلطات التركية القبض على (9000) شخص يشتبه في أن لهم صلة بالمحاولة الإنقلابية الفاشلة، الأمر الذي يعزز من فرضية أن يكون الإنقلاب فعلاً مسرحية خصوصاً إذا ما نظرنا إلى التفاصيل المتعلقة بعدم السرعة فى إلقاء القبض على أردوغان نفسه ورئيس حكومته يلدرم الذى كان يدلى بالتصريحات وقت الازمة، والعشوائية التى كان يتمتع بها القائمون على الانقلاب.

مسرحية هزلية
يؤكد بعض المراقبين السياسيين إن ما حدث فى تركيا، ما هو إلا مسرحية هزلية أخرجها الرئيس التركى رجب طيب أردوغان، موضحين أن عدم إلقاء القبض على قادة الحكومة التركية وأبرزهم رئيس الوزراء بن على يلدريم، وتركه حراً يدلى بتصريحات عما يحدث، وهو أول من أعلن أن هناك محاولة انقلاب جارية، مثير لدهشة، بالإضافة إلى أن أعضاء حزب العدالة والتنمية قد اختفوا لحظة وجود الانقلاب العسكري، وذلك لانتظارهم خروج أردوغان، فضلاً عن أنه بالرغم من سيطرة الانقلابيين على الإذاعة التركية الرسمية، إلا أن خطاب أردوغان الذى ألقاه عبر تطبيق «فيس تايم»، كان قوياً ومؤثراً فى الشعب، لذلك كل الشواهد الموجودة تؤكد أن بأن الإنقلاب لا معنى له بدليل أنه لم يستغرق سوى ساعات، مشيرين إلى أن الرئيس التركي أراد من خلال هذا الإنقلاب التخلص من كل القيادات المعارضة له، وعزل أنقرة (2745) قاضياً بعد محاولة الانقلاب، هو أكبر دليل على أن أردوغان رسم هذا السيناريو للبطش بمعارضيه، وقد فعل ذلك لكى يشعر بالزهو والفخر ويتدخل فى كافة شئون الدول، ويمضي المحلييين السياسيين في حديثهم بأن أردوغان نفسه قد إعترف عندما وصف هذا الانقلاب بالهبة من الله لتطهير الجيش التركي.
ليست مسرحية
في المقابل يستبعد بعض المراقبين أن تكون محاولة الانقلاب العسكري فى تركيا مدبر لها من قبل أردوغان، وذلك بسبب مشاركة قطاعات كبيرة من داخل الجيش فى هذه المحاولة، فضلاً عن ضرب مقر اقامة أردوغان والسيطرة على مبان رئيسية وحيوية فى تركيا كمبنى التليفزيون الرسمي، ومعطيات الأمور تفيد بأن هناك عددا كبيرا قد توفى بالإضافة إلى ثمانية عسكريين أتراك شاركوا فى تحرك الجيش، وتوجهوا على متن مروحية عسكرية إلى اليونان هرباً من بطش أردوغان بعد فشل الانقلاب، إلى جانب إعتقال المئات ومواجهتهم بتهمة الخيانة العظمى، في إشارة إلى أن كل هؤلاء لن يضحوا بأرواحهم من أجل أردوغان، وثمة تحليل آخر يعتقد أن الحكومة التركية كانت على معرفة سابقة بأن هناك أطرافاً فى الجيش تسعى للقيام بمحاولة الانقلاب، ولكنها تركتهم لكى تقبض عليهم وتبطش بما تبقى من معارضة داخل الجيش التركي، حيث يرى البعض أن حكومة أردوغان كانت معدة قوائم بالمعارضين لسياستها ولكنها كانت منتظرة اللحظة المناسبة، للقضاء عليهم مؤكدين أن محاولة الانقلاب هذه أعطتهم الضوء الاخضر للقيام بما يرغبون به.
محاولة متوقعة
تواصلت إجتهادات بشأن الإنقلاب، حيث يرى الضلع الثالث من المحلليين السياسيين، أن محاولة الانقلاب العسكرى فى تركيا كانت متوقعة وذلك بسبب سياسة أردوغان العدائية ضد الجيش والمعارضة، في إشارة منهم إلى أنهم غير متوافقين مع سيناريو أن ما حدث فى تركيا كان مجرد تمثيلية، مرجحين أكثر أن الحكومة التركية كانت على علم به ولكنها تركته لكى تحقق أهدافها، في الوقت الذي ترجح فيه بعض القيادات التركية أن الانقلاب العسكرى فى تركيا كان مجرد تمثيلية، حيث أكد النائب البرلمانى التركى محمود تانال التابع لحزب الشعب الجمهورى المعارض، إن الأحداث التى وقعت فى إطار حركة الجيش للسيطرة على الحكم، تطورت بتوجيه من حكومة حزب العدالة والتنمية، بحسب جريدة زمان التركية، ووجه تانال فى تدوينة له عبر حسابه الشخصى على موقع المدونات المصغرة «تويتر» دعوة إلى جميع الكوادر الأمنية للقيام بمهامها، مشيراً إلى حدوث اشتباكات بين عناصر القوات المسلحة والأمن. وأضاف فى تغريداته على «تويتر» أن كل الأحداث التى تمر بها تركيا تقوم بناء على توجيهات من السلطة الحاكمة، ومن جانبه ذكر زعيم حزب الشعب الجمهورى المعارض السابق دنيز بايكال عبر تغريداته التى نشرها على حسابه الشخصى بموقع المدونات المصغرة «تويتر» أهداف هذا التحرك العسكرى منها القضاء على جماعة حركة الخدمة المعارضة، وإعادة هيكلة القوات المسلحة التركى، والإعلان عن النظام الرئاسى فى البلاد، وقالت تفيجن يوكسكداج، الرئيسة الثانية لحزب الشعب الديمقراطى فى تركيا والمؤيد لقضية الأكراد، إن محاولة الرئيس رجب طيب أردوغان لتغيير نظام الحكم فى أنقرة من برلمانى إلى نظام رئاسى، هى المسئولة عن نسف عملية السلام الكردية.
أمريكا وإسرائيل
قالت صحيفة معاريف اليمينية الإسرائيلية، إن الانقلاب العسكرى الذى شهدته تركيا ما هو إلا مؤامرة نفذها أردوغان ليصبح الحاكم الوحيد بلا أى استثناءات، ووصف مراسلها فى أنقرة «درور زئيفي» المتخصص فى الشأن التركي، الأحداث التى شهدتها تركيا بأنها «لحظات فوضى كبيرة»، مضيفاً أن تركيا شهدت عدة انفجارات وإطلاق نار واعتبر أن ما حدث فصل فى غاية الأهمية فى تاريخ تركيا، ونهاية لمرحلة طويلة للغاية، فمنذ عهد كمال أتاتورك إلى الآن أعاد الجيش تركيا فى كل مرة لمسار الدولة العلمانية الموالية للغرب وما حدث فى رأيى هو المحاولة الأخيرة من وجهة نظرى للجيش فى محاولة الحفاظ على التراث الأتاتوركى وإعادة تركيا إلى المسار الذى حدده، خصوصاً أن الجيش لا يرضى عن العلاقات الخارجية التى ينتهجها الرئيس التركي، الذى خلق العديد من الأعداء لتركيا والتى باتت وحيدة، قبل أن تتحسن علاقتها قبل أسبوعين مع إسرائيل ثم روسيا على التوالى، ثم مغازلة القاهرة لبدء علاقات جديدة، وطلب التوسط من الجزائر لفتح علاقات جديدة مع النظام السورى، أما صحيفة «نيويورك تايمز» فقد قالت: أن أردوغان تسبب فى حالة من الاستياء بين الأتراك بسبب حكمه الاستبدادى وسحق حرية التعبير وفرض دور كبير للدين فى الحياة العامة فضلا عن إثارة الحرب مع الأكراد. فقد قامت حكومة أردوغان، على مدار السنوات الماضية، باعتقال ومحاكمة مئات الجنرالات والضباط فى الجيش كجزء من تحقيقات واسعة فى مؤامرات انقلابية مزعومة، وتشير محاولة الانقلاب الأخيرة إلى استياء عميق فى بعض صفوف الجيش تجاه الرئيس الاستبدادى.
فشل الإنقلاب
يعتقد المراقبين أن أبرز عوامل فشل الإنقلاب هو السماح للرئيس التركي بالظهور فى مدينة إسطنبول، التى تعتبر أحد أبرز معاقل مؤيديه، مضيفين أن هذا الانقلاب هو هدية للرئيس التركى لمواصلة تقليم أظافر الجيش التركى وقياداته، وتحييدهم خلال الفترة المقبلة بشأن الملفات الكبرى فى تركيا، والبدء فى تنفيذ مخططاته السلطوية بالسماح بتحويل النظام السياسي التركى من برلمانى إلى رئاسى، مشيرين إلى أن الانقلاب يزيد البطش فى تركيا، ويقدم الشرعية لأردوغان لتمرير أكثر لمشاريعه ولاستئصال معارضيه فى الجيش والشعب، بينما يرى آخرون أن الانقلاب العشوائى الذى حدث ليلة السبت جاء نتيجة تحركات عشوائية دون ترتيب مسبق، مشيرين إلى وجود العديد من الملفات التى تجد معارضة من الجيش التركى، خصوصاً أن هناك حالة توتر وخلاف بين مؤسسة الرئاسة التركية والمؤسسة العسكرية، فيما يخص عدد من الملفات والقضايا يأتى على رأسها الموقف التركى من الأزمة السورية.
الأزمة السورية
إذا ما نظرنا إلى موقف الرئيس التركي فى بداية الأزمة السورية نجد أنه ناصب الرئيس السوري بشار الأسد العداء، واتخذ موقفا أكثر صرامة تجاه اقتلاعه من السلطة، ومحاولة التدخل البرى فى سوريا وهو ما لم يرض الجيش السوري الذي لا يريد سوى الحفاظ على الحدود التركية السورية آمنة، وأيضاً معارضة الجيش التركي لأردوغان الذى حول الحدود التركية السورية إلى ممر آمن لعبور المسلحين والمقاتلين إلى سوريا، وهو ما انقلب بالسلب على الأمن التركى، الذى شهد العديد من العمليات الإرهابية خلال الأشهر القليلة الماضية، ويأتى الملف الثاني على رأس الخلافات بين الطرفين متمثلاً في الأزمة الكردية، فبحسب معطيات الأمور فإن الجيش التركى يرى أن حلها يأتى من خلال عسكرة الأزمة والتدخل العسكرى فى حال أى مطالبات كردية بالانفصال أو السعى الجد نحو ذلك، فى ظل ما يتردد عن قيام كيان يجمع القوى الكردية فى سوريا والعراق، فقد عارض الجيش على الدوام محادثات السلام مع الأكراد واتهم الحكومة بإغماض أعينها عن أنشطته فى المنطقة الكرديّة، وهو ما يتعارض مع ما يصبو إليه أردوغان، الذى يرى أن الحل السلمى والتفاوضى هو الحل الأبرز للقضاء على الأزمة الكردية، وما يؤكد عشوائية الانقلاب غياب أى سيناريو للتعامل مع المشهد فى حال نجاح الحركة الانقلابية أو فى حال فشلها أيضاً، فإذا ما نظرنا إلى المجموعة الانقلابية نجد أنها كانت تتحرك وعينها فقط على القنوات الرسمية دون السيطرة الحقيقة على أرض الواقع، كما أن التوقيت الذى اختاره منفذو الانقلاب يعتبر خاطئا لأن هناك ممانعة من جنرالات الجيش لمثل هذا الحركات فى هذا التوقيت، وهنالك معلومات تسربت بأن من نفذ محاولة الانقلاب التى لم تستمر أكثر من عدة ساعات هم قادة من الجيش الثالث التركى، وهو أضعف الجيوش والذين يعلمون أن هناك رغبة من الرئاسة التركية لإبعادهم من مناصبهم.
سيناريوهات الإنقلاب
ما نستخلصه من المحاولة الإنقلابية في تركيا، هو أن هنالك ثلاثة سيناريوهات، السيناريو الأول يتمحور حول محاولة إنقلاب من خصوم أردوغان السياسيين بإستخدام ثلة من العسكر لتنفيذ الإنقلاب، مع إشارة واضحة وإتهام معلن للمعارض التركي وخصم أردوغان الحقيقي والقوي «فتح الله كولن» الذي يقيم في بنسلڤانيا بالولايات المتحدة ويتعاطف معه شريحة كبيرة من الشعب التركي لإنتمائه لفكر الإسلام الإجتماعي وليس الإسلام السياسي، أما السيناريو الثاني فهو محاولة إرسال رسالة تحذيرية من العسكر في تركيا لكبح جماح مؤسسة الرئاسة وللرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن الجيش التركي العمود الفقري للدولة التركية وحامي حمى العلمانية لازال قوياً ومتيقضاً بعد خمس إنقلابات نجحت جميعها خلال نصف القرن الماضي في العام 1960, 1971, 1980, 1997, 2001 وإستباقاً لمزيد من الإجراءات الرئاسية في تطهير وتحجيم مؤسسة الجيش، والسيناريو الثالث وهو الأكثر ترجيحاً أن محاولة الإنقلاب الهشة هي من تدبير الرئيس التركي أردوغان نفسه، بمساعدة الإستخبارات التركية بهدف إعلان الفصل الأخير من مخطط الرئيس التركي في القبض على كافة مفاصل الدولة التركية قبل البرلمان والدستور بعد أسبوع من الإنقلاب السياسي لتركيا في السياسة الخارجية تجاه روسيا وإسرائيل وسوريا، ومهما يكن السيناريو المحتمل من السيناريوهات الثلاثة، أو سيناريو آخر كخليط بينها، نجادل بأن سقوط تركيا الدولة بات وشيكاً بصرف النظر عن سقوط النظام وحزب العدالة والتنمية وأردوغان، فتركيا تعيش أسوأ مراحلها السياسية على مدى تاريخها منذ سنوات الربيع العربي وتحديداً مع التدخل التركي السافر في سوريا، ودعم الإرهابيين القادمين إلى سوريا، وتمرير اللاجئين إلى دول الإتحاد الأوروبي، والعلاقة مع الأكراد في الداخل التركي والعراق وسوريا، وتأزم العلاقة مع الولايات المتحدة، وروسيا، والإتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي. ينبيء عن ذلك ويضاف إليه، جهود رجب طيب أردوغان نحو السلطة المطلقة في تركيا، وطموحه لأن يكون الحاكم الأوحد لمنطقة الشرق الأوسط.