الفصل بين السياسة والدعوة للنهضة …السودان نموذجا

عبد العزيز النقر
صدور قرار حركة النهضة التونسية بفصل العمل الدعوى عن السياسي أثار جدلا كثيرا في الأوساط الاسلاميه بمختلف مشاربها حيث يرى البيان الختامي للمؤتمر العاشر لحركة النهضة بوضوح انه قدم رؤى ومراجعات واعترافات جريئه وصادمه، وهو ما كشفته ندوة مركز دراسات الإسلام والعالم المعاصر حول قراءة في قرار حركة النهضة التونسية ( الفصل بين العمل السياسي والدعوى ).

ويشير د. أسامة الأشقر إلى ان هذا القرار أتى بعد عدة عوامل ومناخيات صاحبت مسيرة حركة النهضة بتونس فقد اعترفت الحركة بضعف القوى السياسية بعد الثورة وصعوبة تحويل الأحلام لأرض الواقع مستصحبة في ذلك أمكانيه فصل العمل الدعوى مهتدية بعده تجارب على رأسها تجربة الحركة الإسلامية بالسودان التي لم تستطيع ان تنفك من العمل السياسي ، وهو ما عضده بروفسير الطيب زين العابدين في مداخلته التي رأى انه مع فكرة فصل العمل الدعوى عن السياسي مستشهدا بأنه في الستينات من القرن الماضي إنشاء جبهة الميثاق الاسلامى التي كانت عبارة عن تحالف كيانات إسلامية في الساحة إلا إننا احتفظنا بكيان الإخوان المسلمين ساكنا وغير مباشر للعمل السياسي ، غير ان الطرفين اشتكيا من ذلك السكون وكانت القسمة في مجلس الشورى على عدة معسكرات منها معسكر التربية الذي يعنى بالتربية ومعسكر السياسة والطرفان كانا غير راضيين عن تجربة الجبهة التي تتولى العمل السياسي وكان هناك كيان أشبة بالتنظيم السري يسيطر على كل المجالات ويحكم السياسة ، ويضيف بروف الطيب ان القرارات السياسية كانت تصدر من تنظيم الإخوان المسلمين وهو ما اعتبره أخوه في التنظيم أشبة بالنفاق السياسي خاصة ان صناعة القرار الحقيقي يصنع في اطر صغيرة ويتم بهذا القرار للدفاع عنه داخل الكيانات التي يتحالف معها وأحيانا يكون الإخوان أنفسهم غير مقتنعين بالراى السري الذي اتخذ وبالتالي يكونون أكثر صعوبة والترابي نفسه لم يكن راض عن هذه التجربة، وكان الغالبية في أول مؤتمر عام للحركة في صالح الجمع بين رئاسة تنظيم الإخوان والجبهة في شخص واحد وهو د. الترابي وهو ما جعل تداعى الانفصال بمؤتمر 69 حيث خرج عدد من الإخوة منهم الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد والحبر يوسف نور الدائم وجعفر شيخ إدريس، ويرى البعض ان تاريخية القرار لحزب النهضة التونسية سبقتها حركات إسلامية في دول مختلفة طرحت قضية تمييز الدعوة عن السياسي كما حدث في المغرب والأردن والسودان ويذهب آخرون إلى ان فكرة الفصل أو التمييز ليست فكرة معاصرة حديثه فقد سبقتها التجربة التركية التي عانت من تطرف العلمانيين وأيضا تجربه سابقه لحسن ألبنا مؤسس الإخوان بمصر حيث كان يرى ألبنا ان جماعته قد انغمست في السياسة دون إعداد لها وطرح ألبنا رؤيتين أولها البحث عن حزب بلا شعبية تتجه أفكاره نحو الإخوان المسلمين مما يجعل الإخوان هم الظهير الشعبي له حيث وقع الاختيار على الحزب الوطني لمؤسسه الزعيم مصطفى كامل وكادت الفكرة تنجح لولا اغتياله إما الفكرة الثانية فخلصت إلى ان يترك للإفراد داخل الجماعة حرية اختيار الحزب المناسب لمستوى تفكيره السياسي ، ويرى الأشقر ان سؤال فصل العمل السياسي عن الدعوة لم يكن مطروحا أو ملحا في أوساط حركة النهضة التونسية على مدار ثلاثين عاما على الأقل حيث كان السؤال الأكثر إلحاحا هو سؤال الهوية والبقاء ووحده الحركة وتواصل الدور في الوقت الذي كانت تعانى فيه من الإبعاد العنيف والإلغاء والتشظى الداخلي والتسرب التنظيمي وغياب الدور السياسي والاجتماعي وغياب الجغرافية المركزية للعمل في الشتات وتأصل هذا الدور بعد الإحكام التي صدرت بحق النهضة وقيادتها بداية التسعينات من القرن الماضي، فيما اعتبر بروفيسور الطيب زين العابدين ان تجربة جبهة الميثاق لم تكن حكرا على احد حيث دخلت جماعة أنصار السنة المحمدية كجماعه وبعض الطوائف الدينية وبالتالي من حقها ان تناقش الأمور داخل هيئاتها وهو ماجعل مشاكلها اقل، واعتبر زين العابدين الظرف الراهن على التجربة السودانية بعد الإنقاذ توجد حركة إسلامية وحزب سياسي يتولى العمل وحكومة ولديهم مشاكل كبيرة ، وأشار إلى ان السهل الوضع ألان على التجربة السودانية ان الكيان الاسلامى في السابق كان يصنع الكيانات الأخرى ويتولى مقاليد الأمور في يده إلا ان الحركة الإسلامية كونت من قبل الحكومة والحزب الحاكم وبالتالي أصبحت أكثر ضعفا وتستجيب لما يطلبه منها الحزب الحاكم وليس لديها دور يذكر وحتى الدستور الأخير أتاح للقيادة ان يكون لديها ممثلين للدولة بما فيهم رأس الدولة نفسه رئيسا للجنة العليا، واعتبر الشيخ الياقوت وزير الدولة بوزارة الأوقاف انه لابد من التفريق بين العمل الجماعي والدوغمائيه، وان هناك بعض القضايا لأتدرج تحت فقه الضرورة، وأشار إلى انه غير مرتاح لمسافات التكتيك والمرحلية التي دمغ بها قرار حزب النهضة القاضي بفصل العمل الدعوى عن السياسي ، مقاصد الشريعة تشير إلى تآزر المصالح وتقدم الأهم على الأقل وتقديم مفسده على مفسده، وماهو الملزم لهذه الأفكار هو الجانب العملي خاصة الحديث عن الجوانب النظرية يختلف من الذي يعافر الحياة ومعاش الناس لذلك فان التجربة التونسية لديها ظروفها التي نشأت فيها.