الصراع على السيادة والموارد في بحر الصين الجنوبي

د. أسامة أحمد عيدروس
فشل الاجتماع الوزاري لرابطة الآسيان الذي تم عقده في يوم الاثنين 25 يوليو 2016م في مدينة فينتيين بلاوس في الخروج ببيان مفصل حول قضية الصراع على السيادة والموارد في بحر الصين الجنوبي. ورفضت كمبوديا (حليف استراتيجي للصين) أي محاولة لذكر القضية في البيان الوزراي المشترك للآسيان، رغم الضغط من قبل فيتنام والفلبين حول القضية. وخرج البيان الوزراي المشترك بعبارات فضفاضة تدعو إلى ضبط النفس والعمل على حل الصراع بشكل ودي، وذلك رغم الحكم الدولي الصادر لصالح الفلبين ضد الصين في حدودها البحرية في بحر الصين الجنوبي، وهو الحكم الذي لم تعترف به الصين مؤكدة أن الحل الوحيد للقضية هو عبر التفاوض الثنائي بين الأطراف. يذكر أن رابطة الاسيان تتخذ قراراتها بالاجماع.
ورغم الهدوء النسبي على جبهة بحر الصين الجنوبي، إلا ان النزاع ليس غائبا تماما، وظلت دعاوى السيادة والصراع على الموارد الطبيعية حاضرا على الدوام، مما شكل سحابة سوداء تهدد بالانفجار في أي لحظة. وقد برز ذلك بوضوح في السنين السابقة عندما اشتعلت حرب التصريحات بين فيتنام والصين في نهاية العام 2007م بعد أن قامت الأخيرة بتنفيذ مناورة عسكرية تدريبية بالقرب من جزر باراسل (Paracel) المتنازع عليها بين الطرفين. وقد قامت الصين بعدها بإنشاء محكمة مختصة في مقاطعة هينان (Hainan) الصينية من أجل متابعة الشئون القانونية المتعلقة بالنزاع على بحر الصين الجنوبي.
ويمثل بحر الصين الجنوبي امتدادا للمحيط الهادي في مساحة 3.500.000 كيلومتر مربع من سنغافورة وحتى تايوان، ويعتبر أكبر مسطح مائي بحري بعد المحيطات الخمسة. ويحتوي البحر على أكثر من 200 جزيرة معظمها في دائرة ما يسمى بجزر سبارتلي (Spartly Islands)  والتي يدور أغلب النزاع حولها. ويعتبر البحر ثاني أكثر ممر بحري استخداما في العالم حيث تعبر به 50% من التجارة العالمية وذلك من خلال مضيق ملاكا ( Strait of Malacca ) ومضيق سندا ( Sunda Strait) ومضيق لومبوك ( Lombok Strait) هذا بالإضافة إلى حمولة أكثر من 1.6 مليون متر مكعب من النفط الخام (10 مليون برميل) تمر عبر مضيق ملاكا كل يوم. وقد زادت أهمية بحر الصين الجنوبي بعد اكتشاف احتياطات نفطية في مساحة 1.2 كلم مكعب (حوالي 7.7 مليار برميل) مع تقدير اضافي بوجود النفط في مساحة 4.5 كلم مكعب باحتياطي يقدر بحوالي (28 مليار برميل من النفط) وكذلك تقدر كميات احتياطي الغاز الطبيعي في بحر الصين الجنوبي بحوالي 266 تريليون قدم مكعب في مساحة 7.500 كلم مكعب.
ويقول المراقبون أن أصل النزاع قديم وتاريخي على ملكية الجزر والممرات المائية في البحر، غير أن قانون البحار لعام 1982م والذي أقرته الأمم المتحدة قد أعطى للدول المطلة على الممرات المائية الحق في زيادة مساحة المياه الإقليمية إلى 200 عقدة بحرية (370.6كلم (خلف حدودها الإقليمية وذلك لاستغلال ما اصطلح على تسميته ( Exclusive Economic Zone). وإذا أخذنا في الاعتبار ضيق ممر بحر الصين الجنوبي، فقد سارعت الدول المطلة إلى إعلان سيادتها على الجزر القريبة منها مما فجر النزاع ، خصوصا بعد اكتشاف الموارد النفطية. وقد ظهر النزاع في عدة مناطق بين الصين وفيتنام وماليزيا واندونيسيا وتايوان والفلبين وكمبوديا وتايلاند وسنغافورة وكذلك بروناي والتي رغم عدم إعلانها رسميا عن دخولها في النزاع، غير أنها قامت بإنشاء محطة لصيد الأسماك قرب جزر سبارتلي. وملخص النزاع يدور حول المناطق التالية:
الصين واندونيسيا حول مياه إقليمية شمال شرق جزر ناتونا (Natuna Islands).
الصين والفلبين حول حقول الغاز في ملامبايا (Malampaya) وكاماقو ( Camago).
الصين والفلبين حول المياه القريبة من سكاربوروه (Scarborough Shoal).
الصين وفيتنام حول المياه الإقليمية غرب جزر سبارتلي.
كل الدول المطلة تتنازع على ملكية كل أو بعض جزر سبارتلي.
الصين وكمبوديا وفيتنام حول جزر باراسل.
ماليزيا وكمبوديا وتايلاند وفيتنام حول مساحات من خليج تايلاند.
ماليزيا وسنغافورة حول جزر ومساحات في مضيق جوهور ومضيق سنغافورة.
وقد كانت الصين وفيتنام شرستين في تعاملهما مع قضية النزاع خصوصا خلال الحرب الباردة حيث بكرت الصين بإعلان سيادتها على جزر باراسل منذ العام 1974م وأنزلت جنودها على الجزر في معركة قتل فيها 18 جنديا. وقتل العديد من البحارة الفيتناميين حول جزر سبارتلي في عدة معارك بحرية أعنفها غرب جزر سبارتلي في مارس 1984م والتي قتل فيها أكثر من 70 بحارا فيتناميا. ولكن نهاية الحرب الباردة والتحول نحو السوق الحر في الصين قد فتح الباب نحو تعاون إقليمي أوسع خصوصا بعد انضمام فيتنام ودول الهند الصينية إلى الآسيان في عام 1995م. وكانت الأزمة الاقتصادية لعام 1997-1998م دافعا قويا للتعاون الإقليمي تشكلت بعده مجموعة الآسيان زائدا ثلاثة والتي تضم الآسيان والصين واليابان وكوريا الجنوبية، وأخيرا تم إنشاء مجموعة شرق آسيا الاقتصادية في العام 2005م.
أدى هذا التعاون الإقليمي إلى تفاهم بين الدول المطلة على محيط بحر الصين الجنوبي حيث قامت أطراف النزاع في العام 2002م بتوقيع إعلان لضبط التعامل في بحر الصين الجنوبي ( Declaration on the Conduct of the Parties in the South China Sea‬) ولم يحسم هذا الإعلان أي من دعاوى النزاع غير أن الأطراف اتفقت على التهدئة والتعاون المشترك لاستخدام موارد البحر دون أن يتطور النزاع بينها إلى أي نوع من أنواع النزاع المسلح.
وتبدو الصين أكثر الأطراف سعيا نحو حل لهذه الأزمة ليس فقط من أجل الاستفادة من الموارد الطبيعية، بل أيضا لتثبيت موقعها القيادي في الإقليم. وقد دعت الصين إلى إطار جديد للتعاون الإقليمي في بحر الصين الجديد يحمل اسم خليج بان-تونكين للتعاون الاقتصادي الإقليمي ( The Pan-Tonkin Gulf Regional Economic Cooperation‬) والذي تقف وراءه  حكومة إقليم قوانجسي ( Guangxi‬) الصيني. ويأتي المشروع الجديد تحت غطاء اتفاقية التجارة الحرة بين الصين والآسيان، وتم تقديمه أولا من قبل إقليم كوانقسي بالتعاون مع فيتنام لبناء منطقة تنمية اقتصادية وتعاون اقتصادي في خليج تونكين يشمل فيتنام وإقليم كوانقسي ومقاطعة هينان الصينية. وفي العام 2006م تم توسيع المشروع ليشمل تعاونا إقليميا من أقاليم الصين الجنوبية الغربية والجنوبية الشرقية بالإضافة إلى فيتنام وتايلاند وكمبوديا وماليزيا وسنغافورة واندونيسيا والفلبين وبروناي. وبهذا أصبح المشروع الإقليمي للتنمية والتعاون الاقتصادي يشمل كل الأطراف في النزاع على موارد بحر الصين الجنوبي.
وحكومة إقليم كوانقسي مدفوعة بالتنافس مع محافظة يونان الصينية لإنشاء البنيات التحتية اللازمة في مناطقها الساحلية لتحويلها إلى مركز نمو اقتصادي جديد في الصين. ويقوم المقترح على إنشاء شبكة تعاون اقتصادي ومنطقة نمو على شكل حرف أم ( M) بدءا من إقليم حوض نهر الميكونج ومرورا عبر منطقة نانينج إلى سنغافورة ومنطقة خليج تونكين عبر بحر الصين الجنوبي. وبالرغم من أن إقليم كوانقسي ليس مرتبطا بمنطقة نانينج وسنغافورة، إلا أن الشكل العام للمشروع عبر خليج تونكين يجعله مركزا للعلاقات الصينية مع الآسيان، ويتيح له أن يشكل مستقبل التعاون الاقتصادي بين هذه الدول وبين الصين. وقد حظي المشروع حتى الآن بموافقة دول مثل فيتنام وماليزيا والفلبين وسنغافورة. وقد بدأت حكومة إقليم كوانقسي بتكوين مجموعة خبراء مع سكرتارية الآسيان وبنك التنمية الآسيوي من أجل دفع المشروع وتنفيذه.
ويتوقع الخبراء أن يصبح هذا المشروع استراتيجيا بالنسبة لحفظ الأمن في بحر الصين الجنوبي، فبعد تنفيذ المشروع سيتحول البحر إلى بحيرة داخلية في مركز منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ودول الآسيان.وتصبح قضية توفير درجة عالية من الاستقرار والأمن ضرورة أساسية وهما أوليا بالنسبة لكل دولة مطلة على منطقة التعاون الاقتصادي من أجل نجاح المشروع. هذا بالإضافة إلى أن المشروع يحمل بداخله ربطا استراتيجيا للمواني في بحر الصين الجنوبي ومقترحات للتعاون المشترك في الصيد البحري وموارد الطاقة وحماية البيئة البحرية بالإضافة إلى السياحة. ويأمل المسئولون الصينيون إلى أن ينجح المشروع بعد تنفيذه في فتح حوار بين الصين والآسيان للتعاون في شئون الملاحة والأمن البحري وغيرها من الشئون البحرية.
وبالرغم من أن هناك العديد من ورش العمل والمقترحات قد تم عقدها وتقديمها منذ بداية التسعينات في اندونيسيا وغيرها حول قضية النزاع في بحر الصين الجنوبي، إلا أن مشروع التعاون الاقتصادي الحالي يمثل أفضل الحلول لتقسيم الموارد بين الدول المتنازعة بصورة تضمن حفظ الأمن مع الاستفادة القصوى من الموارد الطبيعية وموارد الطاقة في الإقليم. وإذا تم اعتماد المشروع بصورة نهائية من قبل الآسيان والصين، فإن سيكون مؤشرا حقيقيا على استتباب الأمن في المنطقة مستقبليا، مع إشارة واضحة لتقدم الصين نحو القيادة الإقليمية في جنوب شرق وشرق آسيا.