(البِنَيّة) الإلكترونية

لدي (عمة) دخلت التقنية متأخرة ولديها موبايل تستخدم فيه كل الـ (optians) بصورة مواكبة جداً.. تفتح البلوتوز والاستديو .. والرسائل النصية بمهارة الشباب ولكنها تستشيط غضباً عندما ترد عليها البت الافتراضية الموجودة داخل برمجة الموبايل بقولها (هذا المشترك لا يمكن الوصول إليه حالياً) فترد لا شعورياً (البت المسيخة دي كرهتنا التلفونات).
البت الإلكترونية ظلت موجودة بصوتها الدافئ في الموبايلات .. والاسانسيرات .. والمطارات والشركات الكبيرة (لقتل) الانتظارات وتكسير القلق .. وتوفير الخدمة بصوت ناعم.
والمثير للدهشة أن شركات الاتصالات أصبحت تتنافس في أصوات (البنيات) بحيث أصبح لكل شركة صوت فتاة محفوظ النبرات ومعروف لدى الأذن السودانية ذات اللاقط المتميز في الذبذبات الصوتية.
واختيار هذه الأصوات المريحة لعبة زكية جداً استوعبت المزاج السوداني الذي يحترم الفتاة حتى لو كان في قمة غضبة .. وربما يمكن أن نتصور أنه لولا وجود تلك الفتاة الافتراضية لتكسرت كثيراً من الموبايلات بسبب الاغلاق التعسفي (وطششان) الشبكة المقصود لإدراكنا أن معظم المواطنين يضعون أخلاقهم على أرنبة الأنف .. ولا يحتملون المبررات الساذجة .
بنات الرد الآلي ردمن هوة سحيقة بين الانتظار والتعنت ووضعن بأصواتهن الساحرة مطية اشبه (بالطبطبة) وتصدير الحنان الذي تعاني منه الطبقة الوسطى وهي تكابد الظروف والوجع .. والقلب المفجوع.
إن وصول التقنية إلى مسألة اللهفة والشوق والانتظار من شأنه أن (يمتص) الحفيظة الثائرة ويبقى على الاحساس هادئاً حتى يعود التواصل مرة أخرى.
وجدت أحد الحانقين يتحدث بموبايله مثل المجنون وهو ينتهر فتاة قابعة خلف الشاشة ولما دنوت منه .. واصل مسيرة الاستياء (خلاص عرفنا يا سجم) حاولت أن استفسر منه لعلي أجد مساحة فارغة لذلك العقل الهارب وأعفيه من تهمة الجنون .. أجانبي وضحكة مقهورة تحشرج في دواخله .. إنه يتصل على شخص مهم .. ومع أول جرس تطل فتاة (غبيانة) تذكرك ببقايا فكة .. قائلة لقد تبقى لديك خمسة وعشرون قرشاً لقد أوشك رصيدك على الانتهاء .. الرجاء إضافة رصيد جديد.
وضحكة الرجل (الحانق) سببها أنه قبل أن يتصل على هذا الشخص أجرى خدمة معرفة الرصيد .. لذلك يعتبر أن تذكير هذه الفتاة برصيده تدخل ضمن مصطلح (تحصيل الحاصل) وهي تقف حائلاً بين الرد المنتظر وصوت الجرس.
على كل حال يصبح وجود الفتاة في الخدمات التي تتعلق بالأمور الإنسانية ضرورة تحتمها القلوب التي تقبع في الربع الخالي وتضيف جواً من الود الشفيف والرومانسية عن بعد.
والعالم من حولنا ادخل الفتاة بوسامتها وضحكتها الصافية في كل أطر العلاقات العامة لادراكه التام بأنها تحظى بالقبول خصوصاً عند الرجل الشرقي.
والشركات قد انتهجت ذات الأسلوب كجزء من فلسفة التسويق .. ووجود صوتها على الأقل في الموبايل والاسانسير .. وفي أرصفة المطارات يبعث الراحة ويزيل بعض التوتر . وفي الختام نقول إن أحدهم يتعمد دائماً أن يتصل على أشخاص خارج الشبكة ليأتيه صوت الفتاة الناعم فاكتشفنا أنه خارج من أزمة عاطفية يعالج احتراقاتها بهذا الصوت الوهم.