الإعلام .. وتغطية أحداث تركيا

عبد الله مكي
تظل وسائل الإعلام من العوامل الحاسمة والمؤثرة في أي عمل سياسي، أو تغطية لعمل عسكري وحربي، وتكون هي الوسيلة الأولى خاصة إذا كان العمل يرقى لمستوى تغيير جذري، مثل الثورات الشعبية أو الإنقلابات العسكرية. ما حدث في الدولة التركية في اليومين السابقين، يُؤكد على أهمية وسائل الإعلام، وكيف أن الإنقلابيين خذلتهم وسائل الإعلام الضعيفة التي استعملوها، بينما استفاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من الوسائط الإعلامية الحديثة في مقاومة وتفشيل الإنقلاب العسكري ضد حكومته. أول دلائل فشل الإنقلاب – كما يقول مؤيدوا أردوغان والذين وقفوا ضد الإنقلاب – إنّ الإنقلابيين خجلوا من مواجهة المواطنين ، ولم يظهر قائد الإنقلاب ، أو من ينوب عنه ليتلوا (البيان الأول) كما هو معهود في كل الإنقلابات العسكرية، فكثيرون انتقدوا أن تذيع البيان الأول مذيعة تلفزيونية عادية، كأنها تُقدم أي برنامج سياسي أو إخباري، واختار القدر المذيعة ” تيجان كاراش” لتُصبح نجمة ويشاهدها الناس في هذا الحدث ، والذي قالت عنه المذيعة : إنها كانت في المحطة التلفزيونية عندما دخلت قوة من الجيش من (4) جنود وأجبروها على تلاوة بيان الإنقلاب وقالوا إنه عمل في صالح البلاد . وكذلك إختيار الإنقلابيين للوسيلة التي أذاعوا عبرها بيانهم الأول لم تكن موفقة – حسب رؤية الكثيرين – حيث أن القناة التي اختاروها هي قناة TRT التركية، وهي ليست مشهورة وكذلك غير واسعة الإنتشار.

في المقابل استعمل الرئيس التركي وسيلة إعلامية حديثة ومتطورة ألا وهي (تلفونه الذكي الأيفون)، ففي لندن كتب الصحفي ديفيد هيرست مقالاً بعنوان: (كيف هزم جهاز الأيفون الدبابات في تركيا؟) ، قال فيه : ” إنّ ما أثر على الإنقلاب في تركيا وألحق الهزيمة به، هو لجوء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى هاتفه النقال (الأيفون) ، ولجوء المساجد إلى سماعاتها التي انطلق منها صوت التكبير قبل ساعات من طلوع الفجر “.
وبعد بداية تنفيذ الإنقلاب انقسمت وسائل الإعلام إلى قسمين: بعضها مؤيد للإنقلاب ويُسميه ثورة، والآخر ضده وسماه إنقلاباً، فما بين الأنقلاب والثورة، ونجاحه وفشله، دارت معظم التقارير والتغطيات الإخبارية لمختلف وسائل الإعلام.
وأول الذين وقعوا في الفخ هم أهل الإعلام العربي، وسائل الإعلام المصرية، والتي تعتبر نفسها في عملية ثأر مع حكومة أردوغان، وكذلك يبحث الإعلام المصري لشرعية لنظام عبد الفتاح السيسي، والذي قام بعملية إنقلاب عسكري واضح المعالم ضد حكومة الرئيس محمد مرسي المنتخبة وذلك في 3 يوليو 2013م ، فقالت التلفزيونات المصرية (انو القام بيه الجيش التركي دا ثورة مش إنقلاب، وعادة ما تنجح ثورات الجيش التركي) ووصفوا أردوغان بأنه عدو مصر وامتداد لجماعة الإخوان المسلمين.
الأدهى والأمر أن عناوين معظم الصحف المصرية والتي صدرت فجر يوم أحداث تركيا تحدثت عن نجاح الإنقلاب وأسباب سقوط أردوغان، وبل وعن هروبه لألمانيا. الأمر الذي أدخل الإعلام المصري في حرج شديد وفي خانة عدم المصداقية وعدم المهنية، وأصبحت وسائل الإعلام المصرية مثار تندر في الوسائط الإعلامية الإجتماعية.
ولا تقل الدول الغربية ووسائل إعلامها عن مثيلاتها العربية، ففي موقع ” ميدل إيست آي ” يوم السبت قال الصحفي هيرست أن سفارة الولايات المتحدة في أنقرة وجهت رسالة إلى مواطنيها وصفت ما يجري في تركيا أنه ” انتفاضة “. ونشرت دورية ” المستقبل الجيوسياسي ” تحليلاً خلصت فيه إلى أن الإنقلاب كان ناجحاً. وقال الموقع على لسان الصحفي البريطاني هيرست : ( من الملفت أن قناة الـ” بي بي سي ” العربية ، وقناة سكاي نيوز العربية ، وقناة العربية ، والمحرر الديبلوماسي في تلفزيون ” آي تي في ” وشبكات الأخبار الأمريكية ، كانت كلها تبث تعليقات وتحليلات تفيد بأن أردوغان انتهى، أو أنه لجأ إلى ألمانيا”.
هكذا كان دور وسائل الإعلام حول تغطية أحداث تركيا، غالباً تُحركها الأيولوجيات والتحيزات الفكرية والسياسية، ولكن يظل سلاح الإعلام هو الأقوى سواء أكان مع أو ضد ، فمن أراد أن يُقيم ثورة أو إنقلاباً أو أراد أن يحبطهما فعليه بالإعلام. ويصدق كل ذلك الشعب أو يُكذبه.