(ألم تر) يا بطري إنك أسرعت الخطى!!

> لاشئ يجده الإنسان أقرب إلى (الشك) من اليقين مثل (الموت) هذه الكلمة التي لا يحس بوقعها وألمها إلا مَنّ عايشها.. وكما قال أحد العارفين:( لم أجد يقيناً أقرب إلى الشك مثل الموت)
> ولكل نفس( أجل) مكتوب: (حتى إذا جاء أحدهم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون).. صدق الله العظيم..
(الموت) طريق الأولين والآخرين يطال حتى الرسل وأنبياء الله المرسلين وقد قال جلّ من قائل:( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل فإن مات أو قتل إنقلبتم على أعقابكم).. وقد صور ذلك أحد الشعراء الأوائل بقوله: (ألا كل شئ ما خلا الله باطل وكل نعيم لامحالة زائل)، وكما قال آخر: ( كل إبن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول).
> حمل الناس فجر أمس نبأ وفاة زميلنا وحبيبنا وأخانا الأكبر الزميل (حسن البطري)، وياله من نبأ (صاعق)، أصاب كل قبيلة الإعلام وأوجع قلوب زملائه من حملة الأقلام.. فالبطري (سقى قبره الغمام) لم يكن زميلاً عادياً فقد كان رحمه الله من الذين تزدان بهم المجالس وتحلو معهم المؤانسة، كان شفيفاً في تعامله مع الزملاء، وشفافاً في عرض بضاعة نفسه، وكما يقولون أن الموت( نقاد) يختار (الجياد) فقد إختار الله سبحانه (البطري) إلى جواره.
> رحل البطري عن دنيانا نظفياً كما جاءها، ولايحمل قلبه الأبيض(ضغينة) لأحد، ولم اسمعه يوماً يتحدث عن الآخرين،رحل حسن حسن القلب والطوية قبل أن (ترف العصافير) في أوكارها وهو صاحب زاوية (رفة عصفور)، غادر دنيانا (فجراً) بقاهرة المعز التي وصلها في الأيام الماضية مستشفياً.
> رحل البطري ولم نَرَ منه غير حب الناس، ومواددة الزملاء، رحل صاحب زاوية(ألم تَرَ) بلا ضوضاء في ليل القاهرة(الصاخب)، التي جاءها فتياً ليدرس في جامعاتها المعتقة
> لم أجد أنسب من كلام الراحل صلاح أحمد إبراهيم، عبارة فصيحة أصف بها حالة قبيلة(الصحافيين) وهم يستقبلون نبأ (الرحيل) الفاجع للأستاذ جهير السيرة والعبارة وصاحب الكلمة الأنيقة ( حسن البطري).
يقول صلاح في قصيدته (نحن والردى)
يا منايا حومي حول الحمى
وإستعرضينا وإصطفى
كل سمح النفس بسام العشيات الوفى
فإذا لاقاك بالباب بشوشاً وحفى
فأنشبي الأظافر في أكتافه واختطفى
> رحل أستاذنا البطري ولم يترك من متاع الدنيا إلا القليل، لكنه ترك إرثاً ومسيرة (نضيرة) يحفظها له زملاؤه ومجايلوه.. ترك البطري أسرته الصغيرة وهي لا تملك من الدنيا إلا قلمه وأوراقه وقلبه المحب
> جمعتني بالراحل في العام الماضي أواخر شهر يونيو رحلة إلى (أديس ابابا) ضمن وفد ضم عدد من رؤساء التحرير لزيارة سد النهضة الأثيوبي والوقوف عن كثب على التنمية في الزهرة الجديدة
> وما يتيحه لك السفر من معرفة معادن الناس، لا توفره اللقاءات (العابرة).. كان الراحل البطري (ريحانة) الرحلة وقائدها، كنا نقدمه في كثير من الأحيان كمتحدث عن بقية الوفد، فكان (سفير) لنا وللسودان لا يقول (الكلمة) إلا في موضعها، ولا يرسم (العبارة) إلا في مكانها
> رحيل البطري ليس فقداً في موت واحد ولكنه بنيان قوم (تهدما).. لم يكن رحيله الفاجع باحدى مشافي القاهرة فقداً لأسرته وحدها، لكنه كان فقداً لأمة السودان قاطبة.
> رحم الله تعالى الفقيد(حسن) وسقى قبره الغمام، وتقبله مع الشهداء والصالحين وألهمنا نحن زملاؤه الصبر الجميل.. وصادق آيات المواساة نبعثها لأسرته الصغيرة ولقبيلته في الصحافة الورقية عامة ولأسرة صحيفة(الصحافة) بصفة خاصة
(إنا لله وإنا إليه راجعون)