أرقو تتفتق زهرا ..للشاعر عثمان محمد صالح

عالم عباس محمد نور
تقرأ بعض الأشعار فتأخذك الموسيقى، بعضها تبهرك بالصور والأخيلة، قليل من الأشعار ما تهبك المتعة، والمتعة الشعرية كائن يتعالى على الأسباب والتفسير، حسبك أن تحس بها، ثم إذا ما شئت عللت وقلت وقلت، لكن سر المتعة شيء يلامس القلب والحس والشعور، ولا تجدي عَقَلَنَتَها لأنها تجلُّ عن المحسوس!
هذا شعر ممتع، وسترى رأيي هذا وأنت تطالع هذه الأشعار، عندئذٍ، قد تتساءل عن سر المتعة وقد لا تأبه للسؤال فتكتفي بما حصلت وكفى.
«أرقو تتفتق زهراً» شعرٌ يفيض رقة وإنسانية وغناءً عذباً، شعر له طابعه الذي لا يتشابه مع شعر غيره، وحسب الشاعر، أي شاعر أن تتميز أشعاره، فلا يكون صدى لغيره، وهذا الذي بين أيدينا هو كذلك. الشاعر في هذه المجموعة حفي بالإنسان أيما حفاوة، وحين أقول الإنسان، أعنيه في جوهره نقياً من العرض والغرض، ذلك الإنسان اليسير السهل في إنسانيته الذي تجده في غمار الناس، دون تزويق أو بهرج، مجرد إنسان يسعى في بساطته وقيمه ومحبته لغيره وتعامله معه، وهنا في هذه المجموعة، تتجلى لنا إنسانية الشاعر حين احتفائه بهذه الشخوص التي نذر قصائده للتغني بهم.
يقدم لنا الشاعر أناساً عرفهم في أرقو، المدينة القرية أو القرية المدينة التي هام بها عشقاً، عشقاً أفلاطونياً، حمله في ذاته أنَّى حَلّ وحيث أقام، عندما هاجر حملها معه، وحين حط رحاله في الوطن صار يحج إليها، ثم لم يكتف بذلك بل ذوَّبها قطعة قطعة في روحه ونفسه وصار يحياها ويتنفسها، فصارت أرقو تتفتح زهرا، أو تتفتق، لكن في قلبه وأغانيه، وها أنت القارئ ستجد أن عشقها قد احتواك، وأنت تغرق في تفاصيلها وطرقها ورمالها ومزارعها وتسبح في نيلها وتزور جزرها، وتداعب فلاحيها وتصادق الحلاق والحداد وصاحب الدكان الصغير وتجلس إلى الجدة (الحبوبة)، وهي تحكي في الأمسيات المقمرة عن وعن وعن.. حتى تستسلم للنوم ولذيذ الأحلام. تتعرف على عمك « النصري» وعمك «اب شنب»
عمنا النصري، وعمنا ابشنب
شيخان رائعان ..
لم تغير الأيام فيهما
ولا توالي الأعوام والحقب
ولا غرابةٌ ولا عجب
فمعدن الرجال فيهما ذهب!
هذا المعدن الذهب، هذا الجوهر هو ما تتبعه الشاعر في شخوص أحبابه من أهل «أرقو» أمثال العم ضرار أو درار،، وشيخ العرب، وعبد الحميد صانع الحبال، والحدَّاد شيخ العيد وزبائنه أمثال مختار، وعيد، وعلي سعيد، ودِوّيلي، وعبد الحميد، وهمان، وأب صوفه، وغيرهم من مزارع وعامل وصياد وسائق النورج وقائد الساقية وصاحب حصان النقل، والخياط والجزار، كل هؤلاء يلتقون عند عمك الحداد. يقدم الشاعر وفي غنائية عالية مفعمة بالحب والرقة لوحة للقرية المدينة بمفرداتها اللغوية الثرية وأدواتها التي تبدو بدائية ولكنها تؤدي غرضها تماماً وفق الحاجة، مثل الكير والجُراب والعصاة «المضببة» والساطور والنورج، «الطشت» والقادوس،
لا يكتفي الشاعر قبل أن يطوف بنا على مروج القرية المدينة:
الجرف أخضرٌ موشَّحٌ بباسق النخيل
والبهاء في الحقول
والطير في انتشائها
مابين عاطر وماطر، صداحة تجول
تبسم الصبي للطيور،
فصفقت نشوانة تطير في حبور
تبختر»الدباس» راقصاً بريشه المنشور،
و»القمري» صادحاً شدا مردداً هديله المأثور
و»البلوم» طار في الفضا مغرداً، وشقشق العصفور
للكثير من الشعراء بحور معينة ينظمون عليها قصائدهم، ويحسنون فيها لذا فكثيرا ما تتعرف على الشاعر من خلال روي القصيد وأسلوب نظمه وديباجته. لشاعرنا إيقاعه المميز ويتميز بنسيج له وحده في موسيقى تتميز بالهدوء والتنوع الأخاذ الهامس والصور التي هي له خالصة:
سلوى …..
الطفلة، بنت صلاح الفلاح …
يافعة، تخطر رائعة
كفراشة حقل أسكرها نور الإصباح
إذا ابتسمتْ …
أسفر بدرٌ وضاح
وإن ضحكت …
يتكسر صوت كنار صداح
وفي مقام آخر، يقول:
قلوبنا مكلومة
مشدودة إلى امراسها
والريح مدبرة
وأوشاج التواصل الحميم
بيننا وشاطئ الفيروز في المرافئ الخضراء
قد أحالها الأسى فينا
معابرا ممدودة فوق الجحيم
تصطلي على لهيبها أرواحنا
جلودنا تبدلت ألفاً من المرات
فوقها، أذابها الضنى
لا عودة لنا
ولا بلوغ شاطئ المنى
القارئ لهذا الشعر ربما ينبهر بالنفَس القصصي المنساب عبر هذه القصائد، فترى في الشاعر روح القصص والحكايا ولا يخفي الشاعر أن هذا من أثر جدته عليه وحكاياها، ومتعة هذا الشعر هي الدهشة الطفولية التي يتمسك بها الشاعر ويديرها بإحكام وتأمل ورؤية عميقة للتفاصيل الصغيرة التي تتجمع في عمل فني مفعم بالنشوة والحنين. ولكن الشاعر حين يخرج من هذا المحيط السحري الرقراق ويواجه العالم فإنه يأتينا بشعر آخر مختلف:
في ذاك الزمان الخانق الغلاب ..
عبأت الأسى بحقائبي
وخرجت مسحوق الفؤاد
مفارق البلد الحبيب وزمرة الأصحاب!
هذه المجموعة تنم عن عشق عظيم لمراتع الطفولة التي طالما حاول الكثيرون تخليدها في نفوسهم، وفيها عبق النوستالجيا الملهم البرئ والحنين إلى الفطرة السليمة والإنسان الذي كدنا أن نفقد جوهره في خضم التقلبات العظيمة، وفيها لمسة وفاء نبيلة، ربما تذكر الناس بـ «عبري» لجيلي عبدالرحمن، أو «توتي في الصباح « للتجاني يوسف بشير، وربما «دامر المجذوب» لتوفيق صالح جبريل، لكن هذه المجموعة كلها يفوح منها أريج أرقو حيث حط بالشاعر المقام، ومعه قارئه، ولقد استمتعت بقراءته كما ستفعلون، كما أرى.
وقد ينبري ناقد فيخرج عليكم حاملاً قلمه ينذركم بأن هنالك بيت مكسور، وهنا إعوجاج لغوي، وأن ثمة رومانسية زائدة عن الحد وأن الحنين هنا جارف وحالم وغير واقعي، وهنا إقواء وزحاف وعلل، وهلم جرا….! أي شاعر سلم من هذه النقائص والنقائض، من لدن امرئ القيس وطرفة، وحتى أبا تمام والمتنبي، إلى وإلى، ….؟
قوموا إلى شعركم يرحمكم الله، ولا تسمعوا له حتى تقرءوا بأنفسكم، فإن فاتتكم المتعة التي بين ثنايا هذه الأشعار فأعيدوا قراءتها من جديد. هذا شعر ممتع وحسبنا ذلك.

رأي واحد حول “أرقو تتفتق زهرا ..للشاعر عثمان محمد صالح

  1. شئ جميل وكلام ممتع ورائع مذيد من التقدم والطرح الجميل شاعرنا النبيل عثمان

التعليقات مغلقة.