وجـــوه الدانوب وترجمـــة لنمـــاذج مــــن الأدب النمســـاوي

د. إشراقة مصطفى
قلت لصديقاتى واصدقائى من النيل والدانوب…. انه قلق فعّال ذلك الذى يقودنى نحو المعانى وتجلياتها.
اعشق قلقى حين يكون مُنتجا وفاعلا ومستثمرا الزمن لاجل اسعاد البشرية, لاجل ان اساهم ولو بالقليل لاجل عالم تحده المحبة بازاهيراها وافآقها.
هذا وان الترجمة فعل ثرثراتى مع معاني اللغات و(قرقراتي) مع الماء فى ارحامها المانحة الحياة.
اوليفيا واشواق العصافير
Olivia
ولدت من ام واب نمساويين فى النمسا حيث شب طوقها ودرست وكتبت بحرية فى بلد تعرف قيمة الكتابة والفنون.
التقيتها فى دروب هذه الارض التى لنا جميعا. انشرح وجهها حالما عرفت بانى امارس افعال تحليقى عبر الكتب و الكتابة وماجعل عينيها الجميلتين تنفتحان على مدى المسافة مابين النمسا والسودان حين عرفت بانى من هناك قلت للعالم سلاما. أدهشتنى باضعاف هذه المسافات حين قالت لى انها عملت لفترة طويلة مع مؤسسة مهتمة بالتوثيق وكانت هى نفسها مسئولة عن التوثيق لكل فعل انسانى يخص السودان. هذه الارض تضيق بخلقنا وتتسع مدى ما تطايبت النفوس. حكت لي عن بلدى السودان، عن تفاصيل لم اكن ادريها بهذه العلمية كما فعلت بوجهة نظرها. تصفحت المرفقات التى ارسلتها لى ثم نصا نثريا طويلاً وهذا النص الذى جاءات ترجمته اقل كثيرا من احساسى به حين قرأته فشديت اجنحتى وانطلقت نحو تحرر النفس من اسوارها.
النص النثرى اعمق بكثير اذ جعلني اكتشف كم عصفور نبت ريشه على اصابع قدمى وكنت اشدها وكأنى اريد ان اصعد الى السماء واقدامى تتمسك بالارض.. الارض التى لنا جميعا. نصها المسمى (طائر الطنان) حيث كان هذا العصفور الصغير الذى حدثها فى لمحة بصر كيف تكتشف منابع الحرية داخل نفسها.
قالت لى
وكنا
مغرقين فى غموض الرذاذ
والسماء مبتسم
نحن عصافيرٌ طليقة
لحظة وعى تتنفس الصعداء
وكنت أدرك المنحدرات
البحر
والضباب
المطر وسحر هذا العام
الا انى
اريد انطلاقة لما بعد الرهاب
فعصافيرنا الطليقة لم تكن ابعد من أرنبة أنفى
إرداة الحياة
أنغوباومغراتنر
اول من راجع معي ترجماتي الاولي لنماذج من الأدب السوداني، فعلها بمحبة ووفاء لانظير له. يقوم بمراجعة ترجمعتها ويشدُّ من اذري. ظل يشجعني لانجاز ترجمة هذه النماذج، ظل يفعلها الي ان رحل العام الماضي تاركا ذكري عطرة مضمخة برؤيته وامنياته ان تري هذه النماذج النور.
قرأت نصه (إرادة ة الحياة) بالالمانية قبل النوم حاصرني طلق ترجمتها الي العربية. (ارادة الحياة). كيف لنا ان نتعلم من صخرة؟ صخرة يمكن ان تفجُّ فى قلبها برزخا لبرعم صغير لينمو وينمو ويصيرُ شجرة؟
اقرأ نصوصه، احسها وتحرقنى المحاولة لترجمتها و فكها ونثرها على صدر ثمانية وعشرين ضلعة، اقصد حرفا، هو معنى كوني إمرأة انتمى للكون العريض, الكون الانساني.
إرادة الحياة
على الصخرة السامقة
وجدت بذرة طريقها
سحبت بحنان جزر ناعم من الارض القاحلة
عشرات السنين والنبتة تترعرعُ
وهاهى تقفُ اليوم شجرة باذخة
ظلت تقاومٌ انطفاء زغٌبها
كلما هبت رياح الجليد العاصفة
ينبتُ شوكها املا للبقاء
وبرعم الامس صار مفرهدا
ومن نتؤاءت الصخر يلدُ شجرة
تمسك فى حبل الفضاء
المنزلق حد لحد السماء
وأغصانها تضحك
وتُمطر غسقا وضياء
(إزهار التفاح)، نص آخر للشاعر انغوباومغرتنر جعلني اعيد تأملاتي وعلاقتي بشجرة التفاح، ليس على الواقع وانما فى الاسطورة ايضا.
مُزهرة
أشجار عالية وأغصان رقيقة
تٌغرينا بصحو الحياة
خالبة الحقول في الربيع
روزا حريري أبيض
غرق سماوي
صُفرة روحانياتها من التراب الناعم
تنادي على النحلات
تعانق بلطف الهامات
فالتفاح يُزهر الآن
وبعد الحصاد
تصفٌر الأوراق
ولكنها توحي بربيع جديد
عن أعظم شعراء النمسا بل الالمانية قاطبة:
إريش فريد
أهدتني صديقتي النمساوية المهتمة بالأدب الأفريقي سونيا بمناسبة عيد ميلادي الخمسة وثلاثين إي قبل تسعة عشر عاما مجموعة شعرية للشاعر النمساوي اريش فريد. احببت إرش فريد منذ كنت ابحث عن معنى كلمة في القاموس العربي الألماني. هذه الهدية كانت البداية لأتذوق الشعر والكتابة الابداعية عموما باللغة الالمانية. كانت السبب لا نفى صفة الاحجار القاسية عن هذه اللغة التي كم وصفتها بالقسوة في سنواتي العشرة الاولى قبل ان اجرب الكتابة بها ومازلت امارس حالات التجريب, ايمانا بان الحياة نفسها تجربة وعلينا ان نعيشها بذات شغف التجريب.
اريش فريد الذى ولد كطفل وحيد لأسرة يهودية والمولود في السادس من مايو 1921 والذى غادر الى الضفة الاخرى في الثاني عشر من نوفمبر 1988. كونه يهوديا وصاحب مواقف سياسية واضحة ناشطا في صفوف شبيبة المانيا والنمسا في الحزب الشيوعي وفوق ذلك شاعرا ومترجما كان سببا ليعيش مشردا من مدينته بادن في النمسا حيث رأى اول مرة الشمس. عاش بين بلجيكا المانيا واستقر اخيرا في بريطانيا. وجدت مجموعته الشعرية قصائد الحب براحات واسعة وسط القراء نساء ورجالا. أسرتني طريقته في الكتابة والمعاني التي تعج بها قصيدة من خمسة سطور فقط. نصوص تأملية تترك لك الباب مواربا لتركض مع العاصفة تجاه ذاتك وذات العالم.
نال العديد من الجوائز التي لا تحصى وكُتب عن تجربته كسياسي وشاعر.
من قراءتي لبعض مجموعاته استطيع القول ان اريش الشاعر لا ينفصل عن السياسي والسياسي لا ينفصل عن الشاعر.اريش كان موحدا في رؤيته. اقرأ له نصوصا اكون قد عدتها عشرات المرات وكل مرة اكتشف فيها جوانبا تضيء عتمة ما في مجاهل الروح. نصه الابواب يثير الكثير من الأسئلة التي تتجاوز الابواب الى ابواب ابعد، ابعد كثيرا من ابواب السراب ذات نفسه:
لو لم يكن لليل ابواب
فمن اين أتى النهار
والى اين يمضى
لو لم يكن لليل ابوابا
و ترجمة لنص أخر لاريش فريد
قبل ان اموت
اريد ان احكى عن دفء الحياة
حتى يتسنى للبعض ان يعرف
انها ليست دافئة ولكنها قد تكون
قبل ان اموت
اريد ان اتحدث عن الحب
حتى يقول البعض
لقد كان
ويجب ان يكون
مرة اخرى اريد ان اتكلم عن فرحة السعادة
حتى يتساءل البعض
ماهي السعادة
ومتى تأتى مرة اخرى
ونص أخر حميم :
حيث لا توجد حرية
فانت الحرية
حيث لا توجد كرامة
فانت الكرامة
وانت القلب
لعالم لا قلب له
حيث لا يوجد قرب انساني
فانت القرب والدفء
شفتاك ولسانك
اسئلة واجابات
في حضنك سلام
وبدء الغد انت
انت القلب
لعالم بلا قلب
انت لست فيلسوفة
لا حكر
ولا مكتوب قدسى
انت انسان, انت امرأة
تخطئ وتصيب
وتصاب باليأس,
انت القلب
لعالم بلا قلب