هذه الحكاية لا علاقة لها بالسياسة..!!

أُمات الشعوب اتلموا
وبقوا يلدوا وعليهو يسموا
كنا مجموعة على شفا التمرد الفكري أنه كبيرنا الذي «علمنا السحر» فقد كان في الصف الثالث وكنا في الأول بالمرحلة الثانوية. واستمر هذا التمايز في الدراسة والعمر بيننا حتى الجامعة.
احتفظنا به صديقاً كبيراً أسبق منا في تعاطي الشعر والقصة ورحاب الثقافة العريضة – كان في قامته طول وبسطه وفي حديث رقة وحنكة ومن خلالها يتدفق عليك صندوق الفاظه الملون البهيج. كانت أذناه الحصيفتان لا تتقبلان معتاد الكلام.  ولذك فقد أصبحت حياة المسكين مطاردة مضنية في سبيل الدهشة ومعاركة الاعتياد. فملخص نطريته في علم الجمال «أن الشئ المدهش هو  دائماً الشئ الجميل» وكل جميل راكد في عالم الكلمات والإنسان هو مجرد صنم ووثنية «وفوتوغرافيا باردة».
كنا في أول أمرنا نتقبل منه تقبل التلميذ الفتي من استاذه الشيخ فانطلقنا في العالمين نحارب باسمه في السياسة والأدب والاجتماع فهذا السياسي فاشل لأنه ناقل وهذا مغشوش لان كسبه العام كان من لدن طائفة وبيت وليس من صدارة أصيلة ورؤية .
وقد خضنا من أجله معارك وحروب وتطاولنا على أساتذتنا لدرجة أدت الى حرماننا من محاضرات كثر ودروس وقد كان أشهرها في الأدب دفاعنا المستميت «عن بيت المتنبئ صلاة الله خالقنا حنوطاً على الوجه المكفن بالجمال فقد عزمنا وأصررنا أنه من أجمل أبيات الشعر العربي.
مخالفين في ذلك كل مقولات النقاد العرب «الذين قالوا قولاً معروفاً أن الوقار للجسد المسجى لا يستوجب النسيب حتى يقرن بالجمال».
ولكن ما علينا والناس. فان الأمر مدهش وغريب وجميل  فهو حق «وليس مهما غضب الآخرين فالاخرين هم الجحيم» وقد تنامى عندنا هذا المذهب الفني حتى أصبحنا نفتعل له الفكرة والنصوص ـ فكلما اغرقنا في تقصى الاختلاق والدهشة وافتعلنا الاختلاف مع أصحاب الأفكار الساكنة والمقولات المتفق عليها – وكلما أصابهم أصابنا العنت والنصب من الجدال والحوار ظننا أن المصطفي صلى الله علي وسلم يربت علي اكتافنا قائلاً: «طوبى للغرباء» ودارت دورة الأيام فسكت التمرد وسكنت الخواطر. فما عاد «مهيار» شاعرنا الأثير وما عاد المعري صديق القيلولة الوحيد وما عاد الامام المقاتل ابن حزم» هو شيخنا الوحيد في الفقه –  وقد عرفنا أخيراً لماذا كان اختيار صديقنا وتفضيله للشافعي وابن حزم كان سر الأمر أن هؤلاء فوق فهمهم كانوا شعراء وقد كانت نهاية المسألة عنده «أن من أعطى الشعر فقد أعطى الحكمة ومن اعطي الحكمة فقد اعطي خيراً كثيراً».
وبدأت تسقط من دواخلنا تلك الرهبة تجاه ذلك الصديق الكبير – فقد «تلاحقت الكتوف» كما يقولون بل أننا أصبحنا نناكفه ونعاتبه ونزعم أن شعرنا أجود من قريضه وأن أفكاره في ذلك الأمر فطيرة، ولا تقوم على حجة وفي جلسة مكاشفة اتفقنا على أنه رجل ونحن رجال فلن نتبنى له فكرة إلا بمعيار العلم والحقيقة ـ وقد قطعنا دابر الأمر بالأغلبية الميكانيكية- فرحنا كثيراً لأننا حسبنا القضية انتصاراً – وقد حسبها هو في نفسه الكبيرة بانها «مؤامرة بيضاء». استمرت الصداقة صافية كتيار النيل الخالد حتى قطعها سيف الاغتراب اللعين ـ فقد ذهب هناك الى بلاد الثراء الكريمة وعمل بمؤسسة صحفية وصار له شقة وعربة ومكتبة وأصدقاء كثر من كل الاجناس والألسن. انقطعت بيننا الرسائل وانزوت ذكرياتنا العطرة في مؤخرة الخاطر الكسير.. وتلاشت أيامنا في خضم السودان «وما ادراك ما السودان».
وفي أصيل يوم ازرق والأرض والسموات  وأنا خارج وفي جيبي بطاقة لاداء ليلة شعرية اضطررت لها حين غادر الشعراء من متردم  وقفت امام منزلنا الامدرماني عربة أنيقة  وترجل شاب أنيق كان «هو»  وتعانقنا طويلاً وتنافقنا في غير تزييف  واصطحبته لليلة الشعرية وحكى لي عن الغرب والغربة والبحث عن الزوجة الحبيبة وقد اضناه البحث والتنقيب لخمسة سنوات عجاف ـ فالمرأة التي يبحث عنها امرأة ما زالت مخفية  فلسفة الدهشة تلك والغرابة وسواحل الشعر والثقافة امرأة تشبه تنهد النسمة على الضفاف الحزينة «ضحكنا طويلاً وتناسينا الأمر وتسارعت خطى التهيام في الذكريات  قدمته فقراً شعراً كما لم يقرأ من قبل ـ وانتشى الجميع وأحسسنا كأن الخرطوم كلها تصغى.
وعندما هممنا بالانصراف، تقدمت منا فتاة وادعة» وحاورتنا في الشعر والحياة وهل عاد الشعر ذلك السامر المدهش!!.
فالتفت لصاحبنا وقد فغر فاهه دهشة «إنها هي تتحدث عن الشعر و تتحدث أيضاً عن الدهشة» وانصرفنا وبعينيه المنى وفي زحمة أعباء الوان عادت ذكرياته بل عاد هو  أيضاً لمؤخرة الذاكرة، والخاطر الكسير ودارت الأيام دخلت مكتبي وجدت مظروفاً انيقاً فضضته.
الخطاب يعانق «صورة فوتغرافية» ( يا للدهشة )  صديقنا عريس والعروسة «فتاة الليلة الشعرية وابتسامة السعادة بائنة بل أنها تتقافز خارج الإطار ».
ومن بين السطور أطلت من الخطاب هذه العبارة «أنا شاكر لك أيها الصديق على هذه الخدمة الجليلة «أنها حقاً أميرة » و«مدهشة» أباهي بها باسم السودان كل الجنسيات عرباً وعجماً والحظ في عيونهم «عشم المشابهة» فاحرف بيت المرحوم الجاغريو «أُمات الشعوب اتلمو وبقوا يلدوا وعليهو يسمو»..
٭ أما صديقنا الثاني بالجامعة فهو وجودي عريق استغرقه كل كتابها وكتاباتها وأصبح يبحث لها عن مقامات في التاريخ العربي والإسلامي. وبالرغم من أن محاولاته قد باءت بالفشل إلا أن محاكاته وتقعره وبحثه عن الغريب جعله أمير كل الجلسات العابثة وشبه الجادة.
كان والده جزاراً معتبراً بسوق الخضار بالخرطوم، قبل أن تعتبر السلطات أن قفة الملاح «إشانة سمعة» يجب أن تبعد الى الأطراف وتحل محلها «الأبرج» التي حيرت الإنس والجن ، والده الشديد السمرة كانت مواصفاته في جمال المرأة «صفرتها» و«صحتها» ..
وعند ذهب به صديقنا بعد التخرج ليخطب له «البنت الوجودية الوحيدة بالخرطوم» كانت لسوء حظ شيخ الجزارين أكثر سمرة منه السمرة التي كان يسميها صديقنا «العمق الذي يشبه كبدة الأبل وتراب الجزيرة عندما يعد للزراعة».
وقد كانت في نظر والده نحيفة «فلكابة» وكانت عنده رشيقة مثل البان والسيسبانة، خط الدفاع الأخير لصديقنا غير أنها رشيقة وخضراء ووجودية فهي «مختلفة» ومفردة «مختلفة» كنا نستعملها كثيراً حينها للاستدلال على التفرد والتميز..
تمت «الخطوبة» وظل الأب صامتاً لا يحدث أحداً حتى وصل مع ابنه الوجودي منزل العائلة. وأخيراً أطلق صاروخه بجملة بلغت الآفاق «صحي يا ولدي مختلفة» وضجت الخرطوم بالضحك .
٭ تنويه لابد منه: لأهل الترميز والساعين به من أهل التأويل الكذوب، هذه الحكاية لا علاقة لها بالسياسة، بل أن جلها نشرت  قبل أكثر من ربع قرن وخاتمتها كتبتها البارحة، حيث سئمت طوعاً من  وسئم القراء جبراً كتابات وندوات الوضع السياسي الراهن.

رأيان حول “هذه الحكاية لا علاقة لها بالسياسة..!!

  1. للأسف الشديد ،أستاذنا القامة صاحب الرأي والفكرة بدأ يتجه نحو تكرار مقالاته ،وهذا مؤشر خطير لايرجي منه التفاؤل الإبتسامة. .
    لماذا ياحسين؟

  2. يبقى أستاذنا حسين خوجلي الملاذ الذي نلجأ إليه ولا نمل القراءة له فقد بدأنا نقرأ له منذ تلمذتنا بالمرحلة المتوسطة في ثمانينيات القرن الماضي وقد شكل وجداننا ونقول له كرر أو لا تكرر ؛فنحن بك معجبون أستاذ|محمد صديق ود الخليفة _قرية ديم إلياس شرق الجزيرة

التعليقات مغلقة.