مخرجات ما بعد الووليمة

مبارك الصادق
• راجعت بعض الكراسات ، لكني وجدت نفسي متعبة فنمت .. ولكن متى نمت ؟؟ لا أدري ..
ذاك المساء كان يمتلئ بالحركة ، أغان سابحة في الأثير ، ونوبات تئن لها إرزام وهدير ، أعراس وزغاريد … طارات و أماديح .. وأبي كان لا يترنح في مثل تلك الحلقات كما يفعل العديد من أهل قريتنا ، عندما تقتحمهم تلك الفئة.
أبي يرى أن هذه الكوكبة لا تعدو أن تكون ثلة من العاطلين والمتبطلين الذين لا يأنفون من أن يسألون الناس إلحافا .. ولهذا يقول بعض أهل القرية عن أبي انه يدين بمذهب خامس بذلك الرفض لهكذا ممارسات … بل حتى بعض شباب القرية والصبية يدركون موقف أبي المبدئي – وتأكد لهم حين أرسلوا ذات مرة كوكبة من المداحين الذين سألوهم (أين ينزل المداح ؟؟)
فدلوهم إلى أبي وأوصفو لهم المنزل – نكاية فيه وبه ! !
لكنه طردهم شر طردة وهو يقول لقد قال فيه ربه وإنك لعلى خلق عظيم .
فأي قول بعده تقولون ؟؟
• نمت على كل حال على ذلك الصخب ، وعلى إيقاع الفرح الذي يهجس في داخلي بانتظار الغد الواعد بالهناءات والمسرة ، إذ سينفك « ساجوري» ليتم الانطلاق من أصفاد الوحدة القابضة بالتلابيب ، زميلتي في المدرسة وجه سعد وبشارة خير وفأل ، إن اسمها نفسه يحمل تلك المعاني « ميمونة» تآلفنا وتعارفنا فقط منذ أشهر ست حين جاءتنا منقولة – وها هي الآن تمنحني شقيقها ليقاسمني مشوار الحياة .. وأنا التي ظللت طوال عقد من الزمان ارسف في أغلالي ، لم ينحل قيدي .
فيما انطلقن سابحات في بحور سعادتهن شقيقاتي الأصغر ثلاثتهن الآن وقد أطفلن وهن يعشن في كنف أزواجهن … يترشفن كؤوس السعادة مترعات بالمودة والحب ..
• استيقظت على هديل الحمام ، وزقزقة العصافير ، والنسمات الرخية التي ما تنفك تهب حاملة معها ندى الحقول ، نورها ونوارها ، والقلب مفعم بالوعد المرتجى ، وها هي الأيام التي خرجت عن طورها ، وخالفت ناموسها فراحت تداعب رغباتي الثاوية بعد جفوة امتدت وطال أمدها ، حتى خلت إنها سيمتد سرمدها إلى مالانهاية لا فوز في نهاية الأمر بذلك اللقب الذي يتجوهر معناه في معنى الكساد السوقي والبوار البايركسي ! !
من عجب أن تلميذاتي اللائي درستهن عرسن وتحنن وأنجبن ، وأنا هاهنا قابعة لا اعرف الزينة النسوية ، والطيب المركب ، والدخان الطلحي الذي أراهن وهن رافلات في نعيمه يكسو أجسادهن الغضة ويمنحها نعومة بضة ، تتلاصف في ذلك الوهج الجميل حيث يتبدى ذلك اللون الكركمي عبر سوقهن المدملجة يؤتلق فيها تشكيل الحناء المرسومة ! !
لحظتها تنطلق في داخلي نيران موقدة تطّلع على الأفئدة .. وأود لو أن نيران ذلك الطلح أحرقتني وشوتني – لكني سرعان ما أعود وأذكر مقولات الجدات عن النصيب والقسمة – فأثوب وأتوب – بانتظار ما هو مقدر ومكتوب ..
• نهضت ، نظرت نحو الحاجّة .. فوجدتها في قمة نشاطها والحيوية .. ثم ما لبثت شقيقاتي وقد جئن ثلاثتهن بأطفالهن وقد ملأن البيت صخباً وضجيجاً هن وأطفالهن … فاليوم سيأتي أهل «سعيد» آه نسيت أن أحدثكم عن سعيد ، وان كنت قد أشرت لكم عن أخته.
سعيد هذا شقيق زميلتي – جاء لأخته بالمدرسة – ظننته ، وان بعض الظن «حسم» إنما جاء لأخته في شأن لها – ولم ادر إن الشأن شأني ! !
هيأت أخته جلسة عابرة بالنسبة لي كانت جلسة طارئة … سلّم في تؤدة وأدب ، ونظر إلي مليّاً ونقّب – ارتسم الارتياح على تقاطيع وجهه المريح … حتى تلك اللحظة لم يكن ثمة ما يلفت النظر ، أو يشرح جلية الأمر ..
دخلت الناظرة وهي أيضاً من قبيلة البايركس – سألت ميمونة :
• أخوك ما لو ؟؟ إن شاء الله ما في عوجه.
تلعثمت ميمونة وهي ترد في لهوجة :
• لا .. أبداً ما في حاجة زيارة ساكت ! !
وانتهى اليوم الدراسي … وانصرفنا .. وراحت ميمونة برفقة سعيد .. لتأتي في اليوم التالي ، وتنفرد بي بعيداً ثم تفاجئني بقولها :
« آمال – والله أنا حبيتك من جوه قلبي .. وتمنيتك زوجة لشقيقي .. ورشحتك ليه منذ شهر .. وكل مرة يسألني عنك – وهو طبعاً يعمل بالعاصمة ، وبالأمس فقط جاء وطلب أن يراك .. كما طلب أن لا تكوني على الزيارة وأسبابها … أنا نفسي لم أكن لأخبرك قبل أن يراك صاحب الشأن – ومنذ الأمس لا حديث له إلا عنك … لقد تركت لديه انطباعاً طيباً . والآن يا صديقتي أنا وهو نتمنى أن نجد عندك القبول والموافقة …
يا الله … كدت أطير من الفرح .. الآن تبدو الدنيا خضراء ممرعة ، وأيام السعد أجدها قادمة ومهرولة . وهاهي البشريات تأتيني عبر رسائل بائنة .. تصادقني هذه المعلمة ويكون اسمها ميمونة .. وتأتيني بشقيقها خطيباً ويكون اسمه «سعيداً «! !
هل ثمة ما هو أوضح ؟؟ هل أجمل وأفصح ؟؟ لا ليست هي المصادفة ..
قلت لها وأنا لا أخفي دهشتي واضطرابي :
• لكني يا ميمونة .. لماذا أنا ؟؟ لماذا أنا بالذات ؟؟
أسكتتني وهي تقول :-
• أمي كانت تريد له قريبة لنا / هو لا يريدها / أنا أيضاً كذلك لا أطيقها / وعنك قال انه وجد فيك كل المواصفات والصفات التي ينشدها … وأنتِ يا آمال تستاهلي كلك أدب وذوق وجمال . عموماً سيأتيكم الرجال فقط للخطبة .. أنا لن آتي وعندما نتلقى الضوء الأخضر سنأتي .. ومعنا قولة خير …
• كانت الأيام التي تلت ذلك أجمل الأيام – ملأى بالأماني .. حبلى بالأحلام ..
أقول لنفسي – أخيراً ..أخيراً .. ستغادرين محطة الانتظار واللاجدوى ! !
كان خروفنا مربوطاً .. ودقيقنا مطحوناً .. وخضارنا حاضراً .. انتقلنا تمديناً من البطاطا إلى البطاطس .. ومن الباذنجان مصقعاً .. إلى الأسود سلطة صاعقة .. الخبز والثلج والكاسترد .. تعدد إحدى شقيقاتي مطلوباتنا (!!)
أبي غادر على عجل – قال أنت تريد وهو يريد .. كنت أود أن أكون حاضراً لاستقبال الأضياف – لكني إن لم أسافر لأحضر الجلسة – ستشطب القضية ويضيع الطين .. عموماً موسى موجود كذلك الشيخ وعثمان .. سيستقبلوا الضيوف .. ويقومون بالواجب .. وعلى خيرة الله .
وأبي في الطريق عرّج على عمي موسى وأخبره بضرورة استقبال الأضياف ، وإكرامهم ..
• حيث أن هنالك كبشاً ومستلزماته .. حددوا موعد الفرح وليكون قريباً .. قال . وإن أرادوا أن يعقدوا أعقدوا لهم ! ! وخير البر عاجله ! !
• عند منتصف النهار جاء الركب الرباعي يركبون حمرهم العالية ذات الفراء المتدلية .. اختلست النظر إليهم من بعيد كانت وجوههم – مليحه / ملابسهم نظيفة ، وكانوا يسألون :
« ده بيت احمد الطيب السركتي ؟؟»
مرحب حبابكم وصلتوا .. قالت الحاجّه .. فيما تولى جارنا عبد الرحمن أبو خديجة إنزالهم وربط حمرهم .. وأرسلت أمي إلى العم موسى تبلغه أن الضيوف قد وصلوا .. فجاء على عجل .. مسلماً .. محيياً ، مرّحباً ومن ثم دلف إلى الداخل ، وحمل إليهم الشربات .
وما لبث أن شحذ مديته ، وهنالك في الجانب الآخر من المنزل ، وبمساعدة ابن الجيران ذبح ذلك الكبش الذي ظل الليل كله وطرفاً من النهار يرسل صوته العالي والآن قد صمت .. في نفسي قلت يا بنت يا آمال – الآن تتحقق الآمال .. نعم إن الزمن قد طال .. ولكن كل شيء له وقت وكل شيء له أوان – ذلك تقدير الواحد الديان الذي يقدر الأشياء كيف يشاء .
• تهامس عمي موسى مع الوالدة – اشتركت معهم احدى شقيقاتي .. أقروا أن لا يدعون أحدا … – فالمسألة خطبة فقط .. واستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان ..
وبين الأنس الشجي ، والحديث الطلي ، عن الخريف والزراعة ، وغلاء الأسعار ، وجشع التجار ، والشد والجذب بين حكومة الولاية ، وحكومة الخرطوم وكثرة الرسوم .. امتدت المائدة حافلة كما ينبغي لأناس جاءوا يخطبون ! !
يقول عمي موسى عندما جاء يحدثنا أنا و أمي وشقيقاتي :
حقيقة كان طعاماً طيباً .. ولقد دهشت لذلك النهم ، فقلت في نفسي أي نسابة هؤلاء ؟؟
لكني قلت أن حسن الطهي ، وجودة الأصناف قمين بأن يجعل المرء لا يستطيع أن يكبح جماح نفسه! ! بعد إن رفعت المائدة .. وشربوا الشاي .. وتجشؤا .. يواصل العم موسى ونحن كأن على رؤوسنا الطير … تنحنح أكبرهم – فقلت لابد أن يكون ذلك هو الحاج الطاهر والد « سعيد»
قال وهو يثني على الطعام .. ويشكر لنا حسن الإكرام – جزاكم الله خير يا شيخ موسى .. والله ما قصرتوا والله قمتم بالواجب وزيادة … وكأن شيخ احمد ليس بغايب .. دحين بعد ده نادوا لينا ناس الحلة . نسوي المديح .. باقي نحن مداح الرسول ! ! وفي تلك اللحظة نفسها كانت ثمة عربة وقفت بالباب وأطلقت بوقها إعلانا بالقدوم والقيدومة! !