قصة قصيرة .. ولا في الأحلام

جمال الدين علي

رفع عينيه عن الكتاب. حدق في الساعة الحائطية. كانت تشير الى الحادية عشر والنصف ليلا. جال ببصره في القاعة الخالية الا من بعض القصاصات الورقية المتناثرة هنا وهنا. بعض العبارات والرسومات على الجدران لا تعني شيء سوى انها ثرثرة لبعض الاقلام المشاغبة. ميز منها كلمة حلم. هي ما تبقى على السبورة من عنوان درس اليوم. اغلق الكتاب وخلع نظارته وضعها على الطاولة باهمال. فرك عينيه ليوقظ الدم ليطرد اسراب النعاس التي تسللت خلسة. اختفى صوت المغني الحزين الذي كان يصدر من جهاز تسجيل كافتريا الاساتذة القريبة من القاعة. وحلت مكانه جوقة حركة الكراسي والمناضد والاواني وضحكات العمال وثرثرتهم باصوات عالية وهم يرتبون المكان. سار في ممر ضيق تناثرت على جانبيه مقاعد اسمنتية شاغرة من شاغليها برغم اثارهم التي تركوها من ورائهم بعضها كاسات عصير فارغة ومحارم ورقية وصدى همسات العشاق. قطع المسافة من القاعة الى سكن الطلاب وهو يعزف بشفتيه لحن اغنية شجن لعثمان حسين. عند المدخل توقف عن العزف. سلم على عم بخيت المكوجي وصعد الدرج للطابق الثالث وبرغم ان صوته خرج مشروخا بفعل تسارع انفاسه الا انه ظل يعزف ذات اللحن الشجي. اخذ نفسا عميقا ودلف الى الغرفة. لم يوقد السراج. كان حريصا على عدم احداث جلبة توقظ زميله في السكن. بدل ثيابه وادى طقوس ما قبل النوم. سحب لحافه ومسنده وصعد الى سطح البناية. فرشه لحافه وجعل جسده يتاوى عليه بلا اكتراث لزملائه الذين كانوا يغطون في نوم عميف. استلقى على ظهره متأملا السماء. كانت السماء كما عهدها صفحة سوداء رسمت النجوم عليها نقاط من الضوء اللامع. كان القمر بدرا. تحفه هالة من الضياء وكأنه من رسم لوحة النجوم ظل يسلط عليها نوره فيضي بقعة من السماء ويترك أخرى معتمة في تداخل للالون لا يجيده الا رسام مجيد. أمسك قرص القمر بعينيه وأخذ يدخله في سحابه ويخرجه من الأخرى كأنه يطرز وشاح بخيط من حرير. لطالما احب تلك الحركة. كانت تشعره بالهدوء وتجلب النعاس الى عيونه من مسافة بعيده هي الحد الفاصل بينه وبين القمر. أغمض عينيه وضع ساعد يده اليمنى على رأسه. غطى جزء من وجهه وعينه اليمنى وملأ رئتيه هواء وزفره في شكل صوت مسموع( هااااااااح).
أحضر مهيرة بجواره وسافر بها الى قريته جاعلا من لحافه بساط ريح. فتحا عينيهما في الجروف. قال لها:
هذه نخلات أبوي حسين. وتلك دومات أمي العازة. هنا تعلمت رعي الأغنام و صيد للقماري. كنت اسوقها وانا أضرب على صدري أعزف لها لحن الموت لتقع في شراكي المنصوبة في طرف (التقا).
ضحك وهو يقول:
كم مرة ادمت قدمي أشواق (الضريسا) وأنا اجري خلف الجحش الهارب أو لأمنع غنمي من الوقوع في حقل البرسيم اليانع. هناك حصاد الفول والفاصوليا. هما شراكة بين أبي عبد الله وأخي أحمد. أبي يقول هذه السنة الحصاد وفير. لذا سوف نزف اخي احمد عريسا. أبي يريده للسارث ابنة أخيه الفضل. أمي ترفض ذلك جملة وتفصيلا. تقول ان امها عينها فارغة ومقدودة. أمي تريده لاخلاص ابنة اخيها التوم. تقول بنت رزينة و يا حلاة الدنيا عليها. اخي احمد قلبه مرهون عند سمية ابنة عثمان في فريق السوق). ضحك وقال:
يحلها الحلال.
خلف شجرة السدر زراعة عباس ابن عمي الطاهر.
نفث هواء حارا من وجوفه وهو:
ذلك الشقي متزوج من اختي أسماء. تزوجها وهي في الرابعة عشر وهو في الثلاثين. لم اوافق على تلك الزيحة. كنت اريهدها ان تكمل تعليمها. انتهرني جدي لا بل كاد ان يضربني بعصاه. قال بسخط( البنت مدرستها بيتها ونجاحها في رعاية زوجها وابنائها). كظمت غيظي ورحلت لم احضر فرحها. كاد ان يبكي وهو يقول:
والنتيجة. هي الآن مطلقة وتجر خلفها ثلاث من الاطفال وحبلى بالرابع. وعباس يزرع ظلام الليل غانيا بين القرى والفرقان من حفل الى رقص دون ان يحصد نور الصباح. والآن عليهم حصاد ما زرعوا. لطالما كانت المرأة في هذه البلاد مداس للعادات والتقاليد.
قاطعة صوت المبارك:
مرحبا حباب الزين.
برقت عيونه وافتر ثغره بابتسامة واسعة لها معاني كثيرة. وقال:
وضيوف الزين.
ناولها ثمرتي طماطم من طرف الحوص. مسحهما عبادي بكم جلبابه وقضم نصفها وترك لمهيرة النصف. كان طعمها هو الحد الفاصل بين حلاوة العنب وحموضة الكرز.
سارا على طرف الجدول وفجأة توقف وصرخ وهو يحاول اخفائها وراء ظهره:
استعيذي من الشيطان. تحصني. اقرأي يسن والاخلاص والمعوزتين.
سمعت صوت ينادي:
( الزين. يا ولد. تعال يا عشاي).
( كبب) رفع حزمة البرسيم على ظهر الحمارة.
( انت يا يابا تتبارك وما تتشارك).
بدد دهشتها حينما قال:
تلك التاية من عرب الوادي تقول القرية ان عينها حارة.
كان يخاف عليها من العين الحاسدة والراصدة.
أمسك بيدها قال لها سوف نلعب لعبة. نجري على حافة الجدول حتى النيل دون ان تسقط قدم احدنا على الارض او تبتل بالماء. وذلك هو التحدي. لم ينتظر اجابتها سحبها من يدها وجرى.
توقف .. توقف.. انت مجنون.
كادت ان تسقط لو لا قبضته القوية. ضمها الى صدره زلت اقدامهما في الماء. وهما يضحكان كطفلين. وصلا الى النيل. أشارة الى شجرة حراز تقف على حد الجرف. تلك حرازة أبوي اللبيب. تقول القرية ان نار القرأن التي كان يوقدها الشيخ الضرير هي التي حصنتها من الهدام.
صعد بها الى فرع ينحني امام النيل انحناءة غلام امام سيده لدى الباب. كان الفرع ينحني تجاه النيل مشكلا قوسا اوله عند الجذع وآخره مغمورا في الماء. محدثا تموجات وأصوات الخرير كلما حركة الريح فروعه المغمورة في المياه. ها هنا مقعدي. جلسا على الفرع وسيقانهما كانت متدلية لو حركاها لابتلت بالماء.
هنا تعلمت صيد الاسماك ومراقبة طيور البقر البيضاء وحركة المراكب وهي تسبح. تمد مجاديفها وجسدها عاري بلا اشرعة. سرحت بخيالها وهي تنصت الى صوت الحياة من حولها. أشعة شمس العصاري تسللت من بين فروع شجرة الحراز ورسمت فروعها على صفحة مياه شهر مارس الصافية بلون ذهبي لماع. صوت أحدهم بالبر الشرقي. كان ينادي المركب التي انهرت من دونه. معزة تثقي خلف الرجل الذي يحمل جناها سادرا الى القرية وهو لا يلقى لها بالا يدندن باغنية شعبية من الزمن الجميل. اسندت رأسها على كتفه. خيل اليها انها في الخلد غير انها كانت تجلس على فرع شجرة حراز ينحني اجلالا امام النيل. قال وهو يشير بيده لجزيرة صغيرة تتوسط النيل تشكلت من حجارة نبتت في وسطها اشجار الصفصاف متحدية قوانين الطبيعة وممجدة فالق الحب والنوى. تلك جزيرة التمساح. هناك سوف يكون بيتنا. قال وهو يحدق في عينيها أريد دستة من الابناء والبنات. أشار باصابع يديه الاثنين ورفع علامة النصر. تلك اثنا عشر. غاصت في دوامة من الخفر. ولكنها ابتسمت ابتسامة مفعمة بالحياة. طلب منها ان تغمض عينيها وتتمنى أمنية تتحق في الحال. قال لها انها تجلس على فرع يعود في الاصل الى رجل صالح. من اصحاب الحظوة. ولما اغمضت عينيها دفعها في النيل وقفذ من ورائها. شهقت وتعلقت بعنقه. ضربته على صدره ونفثت الماء في وجهه. حلمها الى الشط كمن يحمل طفلة نائمة الى السرير. كان شعرها فاحما منسدلا بعضه يصل الى الماء وبعضه تناثر على وجهها وعلى الاكتاف يقطر منه الماء كشلال يخرج من تمثال روماني من الرخام.
لماذا فعلت ذلك يا مجنون. قالت وهي تغالب ضحكتها وانفاسها المتسارعة.
تمنيت في سري حورية تخرج من النيل وقد تحقفت امنيتي.
انت مخادع و مكار.. …..
حينها افاق على صوت المنادي.
الصلاة خير من النوم… الصلاة خير من النوم

جمال الدين علي