حصاد الغربه

جمال الدين علي الحاج
أتى متعبا من جولة على اهل الحي يقوم بواجب العزاء في الذين رحلوا عن الدنيا بعد سفره وتهنئة أولئك الذين أكملوا نصف دينهم أو الذين رزقوا بالأطفال.
كانت هي تكنس في صحن الدار بعد ان اعادت ترتيب الاسرة في شكل قلعة مربعة. ارتمى علي اقرب سرير صادفه كان قد سبقه اليه شعاع شمس العصر الواهن وظل شجرة النيم فتقاسما السرير كل استلقى علي جانب .اختار جانب ظل شجرة النيم. نفض اوراق وثمار شجرة النيم الصفرا عن السرير قبل ان يجلس.
قال لها بصوت متردد. (ماذا لو بقيت معكم ولم ارجع الي تلك البلاد الحارقه البعيده?). ابتسم خرجت ابتسامته متكسرة سقطت على وجهها المتحجر. ( اربع سنوات قبل زواجنا ومثلها بعده كافيه. بلع ريقه وانتظر قليلا ليرى مفعول الابتسامة المتكسرة. ( ثم اني استطيع ان اعمل مشروع بجانب زراعتي للافدنه التي تركها والدي. توقفت عن تخطيط الرمال بالمكنسة المصنوعة من سعف شجرة الدوم .فرحت اوراق شجرة النيم التي جمعتها لتوها وفرت هاربه للورا ء مع حركة الرياح الخفيفه. حديثه وفرار ما كنسته وجمعته من اوراق اصابها بالحنق. رمقته بنظرة حادة ثقبت جلبابه نفذت الي جسده. (اعد علي ما قلت. كيف يعني لا ترجع الي عملك?. وماذا يعجبك في هذه البلد?.كل شيء في هذه البلد مقلوب لا يتعدل. الزراعة اذا نجحت فشل السوق . اذا فاض النيل او حنت السحب وبكت الارض تحيض كل البلاد وتغرق وتكاد تفقد روحها . تنبهت الي نبرة صوتها العاليه الحاده. خفت مسرعه الي الزير عبت منه الابريق وكوب الماء و حملتهما اليه .جلست بجواره تحاول ستر قدميها بعد ان خط رذاذ الماء دروبا عليها. فبدت كلوحة سريالية دلق راسمها الوانه عليها باهمال وتركها تسيل. همست وهي تناوله كوب الماء بصوت مايع يكاد يندلق علي قلبه. سلاحها الذي طالما فتك بقلبه العاشق. (حبيبي لا تنس باننا نسكن في بيت ابيك ثم انني لن اسكن العمر كله مع اختك العزبا). ارتفع صوتها مجددا حينما تذكرت مشاحناتهما التي لا تنتهى.استدركت بصوتها الانثوي مع حركة يدها الخفيفة على كتفه (يا حبيبي لابد ان يكون لنا دارنا الخاصه هناك في طرف الحي عند طريق البصات السفريه ونخرج من هذه الحلة وبيوتها الضيقه وازقتها المتعرجه الي دار واسعة هاويه من الطوب المطلي بالاسمنت المسقوف بالزنكي بدلا عن الحصير والجريد الذي تعشش فيه الارضا والذنابير.) حلقت به عاليا وكزته على خصرة وكزة لها معنى يفهمانه هما فقط.( حينها املأ لك الدار صبيان وبنات). شرب كلامها المعسول وامانيها اللامتناهية مع الماء . وضع الكوب على الطاولة. مسح توقيعات الماء من شفتيه. (خير إن شاء الله). تذكر عندما كان الحب بينهما لبنة وكانت قلوبهما خضراء يانعة. كانا يجلسان على قوز الرمال طرفي القرية .كان يمسك يدها ويضئ لها النجوم .كانت تقول له لا اريد شيئا سواك. كان يومها لا يملك غير قلبه المثقوب بسهمها وقد سال منه الحب . حمل حقائبه ورجع الي ظلمة الغربه هناك في اعمق نقطة من جب الحياة . عاد بعد اربع سنوات اخرى كانت قد مرت ثمان سنوات على زواجهما .طيلة هذه المدة جلس معها فقط ستة شهور . ابن عمه الذي تزوج معه رزق ولدين وبنت اكبرهم في المدرسه .اخته تزوجت بعده بعام ولدت بنتين .
كانت قد حلقت باحلامها بعيدا هذه المرة هناك الي الخرطوم . شحذت ذات السلاح واضافة اليه اسلحة اخرى سلاح الثرثرة كان افتكها. صديقك وابن عمك الذي يعمل معك في ذات الشركة اشترى أرض وبنى عليها دار واسعة ولها سور عالي. بنت خالتي ابتاعت منزل جاهز ورحلت هي ومعها خالتي. قالت ان التعليم والعلاج هناك افضل. ما الذي يجبرنا على العيش في هذة القلعة الحجريه تنهش السموم الحارقه عظامنا. الا تريد ان ياتي ابنائنا للحياة وينعموا بالصحه والتعليم معا. في كل مرة كانت تنتظره باحلام مؤجلة حتى امتدت غربته الي قرابة العشرين عاما . طافت به كل تلك الذكريات وهو يقف على بلكونة تطل على حديقة منمقة بشكل آخاذ. بها ارجوحة في المنتصف تماما كانت تحركها الرياح لكنها خالية من الاطفال.