جـــاديـــن ..آخر الرجال المحترمين

أكرم الفرجابي
وما أن قارب الشهر الكريم على الإنتصاف، حتى نعى الناعي رجلاً كلفته الأرض أن يرحل فأستاذن راحلاً، لنعي حقيقة الموت، ويستفيق القلم بلغة الصدق وسيف الحق، لكي نعرف أن للحكاية بداية ولا نهاية، وأن الذاهبين بعيداً، الذاهبين عميقاً يضعون الهالة ثم يرحلون، وحين تنتشي الذاكرة بشيء اسمه الموت تنتفش الحواشي بالتفاصيل والفواصل، ويرحل جادين في ذات العام الذي رحل فيه شيخنا، وكأنما يضرب الموت موعداً مع كل الذين عشقناهم في ملاعب البولوتيكا، رحل أمين سر حزب البعث العربي الإشتراكي السوداني تاركاً خلفه فضيلة الانتماء لطيور وأجنحة، وهو الذي قال ذات يوم: أعتقد أننا قد ذهبنا إلى النهايات المنطقية في تقييم التجربة البعثية من حيث النظر إلى ايجابياتها وسلبياتها.

ليمضى المفكر الذي قاد ثورة التصحيح البعثية في حديثه قائلاً: ما قمنا به ليس إسقاطاً لمجمل التجربة، إنما للسلبيات المحددة فيها بالذات سلبيات النظام الحاكم، ولكننا تمسكنا بالايجابيات مثل حركة التحرر القومي العربية، وايجابيات حزب البعث في المنطقة، وهذه لن نتخلى عنها، وعملنا على تأصيل للافكار التجديدية فهي كانت موجودة في تاريخ البعث وتاريخ حركة التحرر القومي العربية، خصوصاً في مجال الحريات والديمقراطية، ومجال التعددية السياسية، والتحالف بين الفصائل المختلفة، في حركة التحرر العربية، فهذه ثبتناها والصراع الفكري والسياسي داخل البعث لا يزال مُستمراً ولم يصل الى نهاياته، فمنذ الإفاقة المفاجئة للبعث في العام 1997م، أينعت القطوف وترعرعت وتفرعت، من فضل عطائه الذي لا ينضب، فلم يزل للبوح مناخ وشراع ويراع وللنقد جدوى.
لذلك كل أذن جاءها النبأ الأليم من أقاصي الدنى استأذنت تصغي ولا تستسيغ، لعلها مجرد كذبة عابرة، أو مزحة مجلجلة، ولكن يا سيدي ليس للموت من لسان يمزح، ولا شفة تقدح، إنه الحقيقة التي تمضي وتمضي، ثم تفضي إلى نهايات أفظع وأشنع من الجزع، من عراء النهايات المفزعة، أشيعك يا سيدي بكلمة لا حول ولا قوة إلا بالله.. أشيعك يا سيدي وأنت الشائع في أفئدة من عرفوك صديقاً صادقاً وأحبوك رفيقاً مترفقاً، ورقيقاً برقة الماء وعذوبة الحُلم، وصفاء العفوية، من فضائك أنت يا سيدي، ستكتب للزمن الجميل والوطن النبيل، ومن ساواك في التفاصيل والتفصيل، يا سيدي المفكر الأصيل، ولن تجدي بالطبع أي كتابات طَـلَـلِيِّة مهما علا شأنها في تخفيف فاجعتنا أو تجميلها، لقد مات الأستاذ المفكر محمد علي جادين، لكن عزاؤنا أنه بقي لنا منه ما سطرته أنامله ومواقفه التي لا تنسى.
فهو الذي ظل يؤكد بإستمرار أن ن هنالك مراجعات تجري في العديد من التنظيمات البعثية في البلدان العربية المختلفة، وتيارنا يعتبر نفسه جزء من هذه العملية، لذلك ركزنا  في الفترة الفاتت على ايجابيات وسلبيات التجربة، ومع ذلك هنالك قضايا لم تحسم بعد اهمها اولاً رفض الارتباط بأي مركز قومي لأنه أثبت عدم جدواه، وعدم ملاءمته للمتغيرات الجارية في المنطقة العربية والعالم، وتوجهنا بالعمل على استبداله بصيغة عامة تحافظ على خصوصيات التنظيمات البعثية في الاقطار المختلفة، وثانياً رفض الانقلابات العسكرية كاسلوب للوصول الى الحكم، والاعتماد على العمل الديمقراطي والتعددية السياسية..الخ، لهذه الأسباب يقول الراحل جادين أعلنوا إستقلاليتهم عن أي مركز قومي في الخارج، لذلك أضافوا كلمة الـ(سوداني) على إسم الحزب، وذلك لأن هذا هو الواقع العملي كتنظيم بعثي سوداني، كما أنهم عملوا على تمييز التنظيم السوداني عن التنظيمات البعثية الاخرى مثل العراقي، السوري، الموريتاني، ولذلك يعتبروا أنفسهم بعثيين حتى الآن، وفي هذه النقطة يقول الراحل محمد علي جادين أما الذين يريدوننا ان نترك الاسم فهؤلاء يريدون أن يريحوا أنفسهم من «وجع الصراع».