اللغة الناعمة تكتب وجع الأنثى في مجموعة القاصة السعودية زكية نجم

عزالدين ميرغني
( علي الأنثى المسكونة بالإبداع أن تستخدم المداهنة والحيل النسائية لتخلق زمن الكتابة ومكانها مخترقة العوائق الاجتماعية والاقتصادية التي تحول دون طموحها الأدبي ) فرجينيا وولف .
ظلال بيضاء , هي المجموعة الثانية للقاصة السعودية الدكتورة زكية نجم فالمجموعة الأولي , كانت بعنوان ( الآخرون ما زالوا يمرون ) . والتي صدرت عن نادي ( جازان الأدبي عام 1994م) . والمجموعة تحتوي علي أربعة عشر قصة قصيرة . وهي ذات نفس سردي قصير , ولكنه قصر التكثيف , والاقتصاد اللغوي , وليس قصر الاختزال , والابتسار . فمقصها السردي هو مقص الأنى التي تحيك ثوبها الخاص بعناية أكثر من ثياب الآخرين , فهي تعرف المناسب والغير مناسب . والعنوان ( ظلال بيضاء ) , وهو عنوان احدي قصص المجموعة , يمثل لون البراءة والوداعة التي تحس به في كل القصص . فالبطلة المنهزمة تمثل الجانب البريء المغلوب علي أمره دائماً . وهو يمثل الأمل والشعاع وسط الظلمة الحالكة ( أحتسي وحدي ساعات طويلة من الوحدة المسائية . . . وقبل أن ينشق جسد الليل عن ميلاد الفجر . . . كنت أتأمل عبر زجاج النافذة المؤصدة , وميض نجمة شجاعة يتجلّى ضوؤها في أقصى الأفق . . ) من قصة ( فرار صفحة 75) . فرغم أن النافذة مقفلة , ولكن لون الفجر ….. ( الأبيض ) , لا يحجبه حجاب . فهو ينتصر دائما . فالظلال البيضاء هي المعادل الموضوعي لهذا الأمل وهذا الفجر الذي حتماً سيأتي بعد الظلام .
إن أغلب قصص الدكتورة القاصة زكية نجم , تحاول أن تعارض بنية الواقع الاجتماعي , وتحاول أن تحول الأفكار والمواضيع ذات الجانب السلبي فيه الي الجانب الايجابي حسب نواميس العصر الحداثوية والحضارية . وذلك بكشف السالب وتعريته ولفت الأنظار إليه . ومن ثم معارضتها بلغة الكاتبة الناعمة والجميلة , فهي كتبت بلغتها الخاصة لتكشف عنف الرجل وخشونته . وهذه اللغة جاءت بصيغ سردية حكائية تنتمي للواقع الاجتماعي العربي في امتداده الجغرافي العريض . ان كل حكاية او قصة في هذه المجموعة عن المرأة هي حكاية واقع اجتماعي مؤلم . فهو ليس وجع انثوي خاص , وانما هو حقيقي وعام . فهي تدافع عن المرأة وحقها في الحب والزواج . لقد كانت أكثر تحفظا في كتابة أشواق الجسد , ولكنه هنا أي الجسد في أغلب هذه الحكايات , يتضاءل مع أشواق الروح وتأكيد إنسانية المرأة قبل كل شيء . فللإرضاء الجسدي لا يأتي إلا بعد الشبع العاطفي . فالمرأة لا تفكر في الاشباع الجسدي إن كانت محرومة من حنان الآخر وعاطفته . بل البطلة لا تشعر بالراحة والحرية إلا عندما تهرب من الزوج السكير القاسي ( حينما أنطلق . . أغمضت عيني طويلاً وأنا أحتضن حقيبتي . . تأملت الوجوه من حولي . . غمرني إحساس بالثقة . . شعرت أن كل الركاب من حولي بشر يذهبون حيثما يريدون وأنا كذلك أيضا ً ) قصة فرار ص 78 . فهي كزوجة مسجونة لم تكن تعتبر نفسها إنسانة مثل الآخرين . لقد أثبتت قصص هذه المجموعة أن المرأة يرضيها الحب الصادق , والحرية في اختياره . لقد كانت القاصة زكية نجم , تملك ذكاء الكتابة القصصية , فهي قد نوعت الأمكنة التي تعيش فيها شخصياتها , بحيث شملت المدينة والقرية دون أن تسميها , فيكفي وصفها المكاني الرائع , لتكتشف هل هي مدينة أم قرية ؟ . وفي هذا دلالة عميقة وذكية , لكي تؤكد بأن الوجع الأنثوي والظلم في مجتمعاتنا لا يفرق بين المدينة أو القرية . وبهذا التنوع المكاني تؤكد القاصة زكية نجم مقولة الكاتب الإيطالي الكبير ( أمبرتو إيكو ) , ( إن أي عالم حكائي لا يسعه أن يكون مستقلاً استقلالاً ناجزاً عن العالم الواقعي ) , فقد دخلت القرية والمدينة وكتبتهما بمدرسة الواقعية الاجتماعية النقدية . ومن هذه المدرسة لا نحاسبها بصدق الحكاية , وإنما نحاسبها بمقدرتها علي الانفصام أو الانسجام حول ما كتبت . وبمقدرة المعني ليكون ممكن الحدوث إن لم يكن كثير الحدوث كما في أغلب قصص المجموعة . والكاتبة كانت منسجمة , ومتصلة وليست منفصمة عن أحداث بطلاتها , فهي تحمل بداخلها انفعال الأنثى , فلا تكتب المرأة إلا المرأة . وهي التي في مجموعتها هذه قد كتبت بخطاب أدبي أنثوي كما ينادي بذلك الناقد السعودي الكبير ( عبد الله الغذامى ) في كتابه ( المرأة واللغة ) ص 181 ( إن الخطاب الأنثوي الأدبي لن يتحقق حدوثه إلا بتخليص اللغة من فحولتها التاريخية ) , ولغة الكاتبة في هذه المجموعة قد صفت من خشونة وفحولة اللغة الذكورية . فلغتها تجعل ( الأمنيات تنعس ) , ( والفرح فتات يقتسمه الأحبة ) , وتجعل ( النهار يصحو من سبات الليل ) , ( وبطلتها تحتسي ساعات طويلة من الوحدة المسائية ) , ( وضفة النهر توقع مراسيم الحب ) وتقول بلغة تيارية في قمة الشعرية في قصة ثقب في القلب ( لم أكن أدرك أن في مخزوني بركة دمع كالتي ذرفتها تلك الليلة . . تعمدت فيما مضي أن تستجوب صمتي حين يصبح الكلام ذنباً يخدش قداسة الصدق في نظرك . . مارست الاعتراف أمامك بذل الأيتام حينما تسلبهم ألواح القدر صدور أمهاتهم ) . ولغتها الناعمة , تجعل للأناقة طقوسها , ولغتها تستحضر الوجه , ولهيب النظرات , وهشيم المشاعر . وتجعل اللغة تغلب الدمعة الحارة , حادة السقوط , وتجعلها تصفع الوجنة الباردة , وعندما تنحدر الدمعة تكون ( كشوكة صغيرة موجعة الوخز ) . وهكذا . . فهي لغة طوعت الفعل المضارع , فحولته الي فعل سردي يصلح للوصف الرومانسي الرائع . والقاص والروائي الجيد هو الذي يطوع هذا الفعل ليخدم الوصف الزماني والمكاني كما فعل الروائي الفرنسي الكبير البير كامو في روايته الخالدة الغريب l>étranger . ( تنهض . . تقترب من أختها . . تهمس في أذنها . . تدفع شقيقتها نحو الطريق المؤدية إلي القرية بكلتا يديها . . تتأمل شبحها , وهي تركض عائدة نحو بيوت الطين ) . فالفعل المضارع في أغلب نصوصها القصصية , يحرك الحدث بموسيقية عالية وفيه تحفيز للمتلقي لمتابعة النص حتي النهاية ودون توقف .
تمتاز قصص هذه المجموعة ( ظلال بيضاء ) , بالصدق الواقعي , بحيث أن الفضاء الريفي لا يضاد الفضاء المدني , تضادا حضارياً , وانما هما متشابهان في سلوكهما ووعيهما الجمعي المتفق علي الهيمنة الذكورية , وظلم المرأة وهضم حقوقها . فهي لم تنحاز مع فضاء ضد فضاء آخر . والميزة الثانية في هذه المجموعة , هي ميزة الصدق الانفعالي والذي جعلها علي أن تحول العلاقة بالرجل إلي علاقة ثقافية تمس ثقافة المجتمع كله برجاله ونسائه . هذه العلاقة الثقافية هي التي جسّرت جيدا العلاقة بين أدبية الكتابة عندها , ( جماليات اللغة عندها ونعومتها ) , وبين الواقع الذي تعيش فيه شخصياتها . وهذا التجسير , هو الذي حفظ للنص أدبيته , وللواقع صدقه . والذي كانت اللغة الشعرية عماده , ورومانسيتها , جسدت انفعال الكاتبة بالواقع الذي روته سردا حيا وشخصيات حقيقية , وليست كائنات ورقية . فقد تخطت بنجاح مطب اللغة الواقعية المدرسية التي أعاقت لغة وبصمة الكاتب اللغوية الخاصة عند الكثير من أهل القصة والرواية . هذه اللغة الواقعية المدرسية هي التي تجعل القصة أقرب إلي الحكاية الشفاهية . ولكن فإن بنية اللغة الجميلة في هذه المجموعة القصصية , هي التي أنتجت هذا الواقع المنسي عند الكثيرين , فجعلته مجسدا ومكشوفا , دون مواراة , أو مداراة . وخلقت منه بنية سردية مقروءة , وليست سماعية شفاهية .
إن القاصة زكية نجم , لم ترد أن تتشعرن علي المتلقي , فلم تأت لغتها مصنوعة , وإنما جاءت تلقائية عفوية , لذلك كتبت الحب الطفولي البريء بلغة البراءة والعفوية التي تتطلب ذلك في قصة ( ضفة أخرى ) , فقد كانت اللغة في قمة طزاجتها وبراءتها وصدقها وهي تحكي قصة حب بين طفلين , ( توالت الأيام . . تقاسمنا أحاجي الجدات ليلاً , وأهازيج الرعاة ليلاً نهاراً , امتزجت كركراتنا بصخب الطيور التي تطلق حناجرها بالصياح بحثاً عن أجنة السنابل , بذرت أرجلنا الوادي بمنحدراته ومرتفعاته . . حتي إذا ما استوى عمرانا علي سفح الثانية عشرة . . أدركت أمهاتنا أن الخير في أن نفترق ) . فهذا المقطع وحده يمثل قصة قائمة بذاتها .
إن القاصة في مجموعتها لا تريد أن تقول بأن الرجل هو الشرير كما في الحكايات الشعبية , وإنما أرادت أن تدين الوعي الجمعي كله حتي بنسائه فالمرأة أيضاً في مجتمعاتنا العربية , تظلم أختها . ففي هذه النصوص توجد الأم القاسية , والأم المهملة , والمتباعدة , وفي قصة ( لا أحد ) , تجسيدا لظلم الأنثى للأنثى , حتي لو كانت الأولي أماً والثانية بنتاً . ( كنا نعيش حياة مترفة وسعيدة , بعدها بعام واحد انفصل أبي عن أمي , لم أعرف حتي الآن السبب في ذلك , أتذكر عبارة قالتها لي أمي قبل زواجها الثاني , اعتمدي علي نفسك , يا بندري , اعتني ببندر ولكن اعتادي أل يعتني بك أحد ) . فحتي الأم تنحاز إلي الذكر وتجعله مخدوماً والابنة خادمة . والأم يمكن أن تكون قاسية ولا ترضع طفلتها دون سبب . كما في قصة جذور اليباس . لم تكن الكاتبة هنا تمثل شهر زاد تحكي حكايات مجبرة عليها لتطيل بقائها , وانما كانت تكتب بلغتها الناعمة , مرافعات ادانة لمن تسببوا في حدوث كل عذابات الواقع لشخوصها . فهي ضد القبلية التي فرقت بطلتها سمراء عن حبيبها عذّال , وتدين الالد الذي قتلها وتدين الأب الذي يحدد لبنته الزوج الذي يريده هو . وتترافع حتي ضد المكان الذي شوه باسم الحضارة والمدنية وفي قصتها الرمزية الرائعة ( سقوط ) , فالسقوط هنا هو سقوط الروح وهزيمتها في وجه الزيف الحضاري وسط ( المباني الصماء الشاهقة ) .