السائحون والأسرى و(تايتنك).. « وعجلت إليك ربي لترضى»

عبد الله مكي
كل فترة يظهر في السودان جيل جديد وفريد من نوعه، يعطي الناس الأمل في مستقبل واعد لهذه البلاد. ما أن ظهرت مبادرة ( السائحون) لسطح السياسة السودانية، واسمها أصلا مبادرة ( الإصلاح والنهضة) حتى تناوشتها الأقاويل من كل صوب وحدب، فمعارضوا حكومة المؤتمر الوطني قالوا هذه مجموعة تحركها أصابع المؤتمر الوطني، وتحديدا أجهزته الأمنية، وهم – على حسب قولهم – بارعون جدا في إنشاء وخلق وتأسيس مثل هذه الكيانات، وفي المقابل اتهمت مجموعات من الذين ينتمون للوطني هذه المجموعة بأنها قد باعت قضية الدين والوطن وأصبحت في معسكر الخونة والمارقين، خاصة وإنهم ينادون بمبادئ وشعارات اعتبرها الجانب الحكومي فيها تماهي مع مطالب المعارضة ( الحريات، التداول السلمي للسلطة، المواطنة) وغيرها.
كذلك اتهموا من قبل الحكومة والمعارضة بأنهم ( أولاد الترابي) وغيرها من الاتهامات.
ردة فعل هؤلاء الشباب على كل هذه الاتهامات هو (البيان العملي) وليس إطلاق الاتهامات جزافا او الرد عليها وهي – كما يرون أس المرض في العمل السياسي في السودان – فكتبوا مبادرة متميزة جدا للإصلاح والنهضة والتغيير، وكل هذه المصطلحات لها معانيها ودلالاتها المقصودة.
تحدثت المبادرة عن التاريخ السياسي الحديث للسودان وتناولته بالنقد والتحليل والتمحيص، وقدموا رؤية متقدمة جدا في حلول هذه المشاكل أدهشت الجميع، إذ كيف تخرج هذه الرؤية المستقبلية المتماسكة من هؤلاء الفتية – والذين أرى أنهم آمنوا بربهم وزادهم هدى وبصيرة – باعتبارهم أنهم (بندقجية) إي لا يعرفون شيئا سوى البندقية. ولكن أثبت شباب ( سائحون) أنهم غير ذلك.
شباب سائحون رغم كل ذلك لم يتنكروا لقيمهم ومبادئهم ولا حتى التزامهم وانتماءهم للتيار الإسلامي، ولا لتجربتهم الجهادية، بل قالوا وبكل قوة ( هي تجربة بشرية اجتهادية قابلة للصواب والخطأ) لذلك فهم متصالحون مع أنفسهم تماما، يطرحون أفكارهم ورؤاهم بكل قوة ويضعون مبادرتهم على طاولة الجميع. وقابلوا كل القوى السياسية، بلا استثناء إلا من أبى حتى كتب فيهم الدكتور عبد الله علي إبراهيم مقالته المشهورة ( أنا ما قايل سايحين زى ديل بزور وني ) .
،ولأنهم يعرفون قساوة الحرب ومرارة الأسر، دخلوا في موضوع الأسرى هذا تحت شعار « وعجلت إليك ربي لترضى « ، جلسوا مع الجميع واستمعوا لهم بأذن صاغية وقلوب واعية وعقل مفتوح، لا يرجون منها كسبا سياسيا ولا غيره.
وأطلعوا كل الجهات بما يقومون به وأولهم الحكومة وحزبها المؤتمر الوطني، وكذلك الحركة الشعبية، والصليب الأحمر الدولي. وكذلك من تيسر من أسر الأسرى، وسارت العملية كما هو مخطط لها وتم تحديد وتنظيم كل شي مع تنسيق تام مع كل الجهات المعنية، الوفود الممثلة للأطراف المختلفة، الطائرات، مكان نزولها، طريقة النقل، عدد الرحلات، حتى الاستقبال بمطار الخرطوم تم تحديد زمنه، وتمت دعوة الصحفيين ووسائل الإعلام المختلف ، وكذلك أهل وأقارب الأسرى، وكل من له علاقة بالأمر.
وفجأة حدث ما لم يكن متوقعا، توقفت العملية بدون معرفة السبب، في الأول تحملت الطبيعة الوزراء، حيث قالوا الغيوم والأمطار أجلت إقلاع الطائرة، ثم قالوا مسائل إجرائية وتنسيقية، ثم… ثم… ثم…
ان السفينة العملاقة ( تايتنك) تم تجهيزها أشد أنواع التجهيز، ولكن جزء من جبل جليد تسبب في هذا الدمار الشامل لهذا المشروع الضخم، ولكن الذي يعلمه الجميع ان جبل الجليد ثلثاه لا يمكن رؤيته، فلذا ما زالت الحقيقة مخفية تماما. الحكومة والحركة – كالعادة – تبادلتا الاتهامات، ولكن السائحون والصليب الأحمر كانت بياناتهم دبلوماسية ( لأنهم لم يكذبوا. ولم يقولوا كل الحقيقة) – كما يقول تعريف الدبلوماسية لأنهما أصحاب المصلحة الحقيقية في انجاز هذا المشروع، الأمر الذي أغضب عددا من المجاهدين.