الإبداع بين البث المباشر والسيلفي

آن الصافي
بتاريخ 2 يونيو 2016 تمكن رواد الفيسبوك من متابعة بث حي من على حساب المؤسس والمدير التنفيذى للموقع «مارك زوكربيرج» مع 3 من رواد الفضاء على متن محطة الفضاء الدولية، وللتاريخ هذا هو البث الأول للبشرية وإستخدام تقنية الاتصالات يُجرى بهذه الآلية من الأرض مع الفضاء الخارجي. تم الاتصال مع محطة الفضاء الدولية من خلال الأقمار الصناعية ومركز المراقبة فى هيوستن وبجودة طيبة للصوت والصورة، حيث حمل اللقاء أحاديث وأسئلة جمعت طرفي الاتصال. من الحوار نلاحظ أن اجادة عدة لغات مهارة تضيف الى رصيد رائد الفضاء للقيام بعمله.
ماذا يعنينا من هذا الحدث؟
عدة أمور منها: العلم بالشيء ولا الجهل به، أين وصل الإنسان في هذا العصر وإستخدام التقنية، إلى أي مدى يؤثر ذلك على حياة البشرية الآن ولاحقاً، وأشياء أخرى يصعب حصرها.
هذه المعلومة الطازجة، لو عرضت على شخص قبل عقدين من الزمان من الآن، لتساءل ما هو الفيسبوك هذا، سيكون الأمر برمته خيالياً بشكل قد يواجه بالرفض أو القبول أو عدم الإكتراث.
صورة بثتها القنوات الإعلامية والصحفية في مارس 2014، إلتقطتها الكوميدية والإعلامية ألين دي جينيريس، كانت حينها مقدمة برامج حفل توزيع جوائز الأوسكار السادس والثمانين، بمسرح دولبي في هوليوود، لوس أنجلوس. ظهرت في الصورة ومعها عدد من السينمائيين المشاركين، وكانت الصورة قد ألتقطتها ألين بعدسة هاتفها الذكي، ونشرتها بحساباتها في شبكات التواصل الإجتماعي تحت مسمى (سيلفي) وهي تعني (التصوير الذاتي).
تعود تسمية سيلفي إلى سنة 2002 حيث ذكرت على المُنتدى الإلكتروني الأسترالي ABC Online، قبل أن يتم اعتمادها على نطاق أوسع سنة 2012. إلا أن صورة ألين قامت بنشر هذا المصطلح بشكل غير مسبوق. مع العلم صور السيلفي عُرفت منذ نهاية القرن ال19 وبداية القرن ال20 حيث أرخّت أول صوة مطلع القرن الماضي_1926، وتم إلتقاطها بواسطة عصى موصلة بكاميرا تصوير في ذاك الحين.
نرى السيلفي في الوقت الراهن وقد غزا شبكات التواصل الإجتماعي لنقل أحداث وفعاليات ومواضيع هادفة وغير هادفة، فنجد أن بعضها ترويجياً وآخر تعليمياً وآخر فقط توثيق للحظة ما، مع تعبيرات وجوه متباينة، هذه الصور الملتقطة ذاتيا قد تظهر فقط من يقوم بإلتقاطها ومن الممكن بعضها تظهره مع من يرافقوه لحظتها. مصير هذه الصور النشر في شبكات التواصل الإجتماعي بتطبيقاتها المتاحة. ونلاحظ هناك تطبيقات تقبل وضع تسجيل مرئي وصوتي لثوان قلة يقوم بعمل السيلفي ويزيد عليه تقنية الحركة والصوت.
عزيزي القارئ، بالطبع في حالة الصورة والفيديو تكون هناك تحسينات تقنية وكأن هذا الـ (سيلفي) اسلوب إبداعي يؤسس له بوعي أو عفوي من قبل مستخدميه ،لنجدنا أمام منتجات جمالية ما توفرت للإنسان سابقاً ، ويمكن استغلالها فنياً وإقتصادياً.
مع ملاحظة أن حمى التقاط الصور الذاتية هذه عرّض بعض ملتقطيها للخطر إلى حد فقد حياة بعضهم من على حافة صخرة عالية، أو مبنى شاهق أو قرب حيوان مفترس ومع ذلك نجد هناك جهد من شريحة عمرية بعينها لاهثة للتنافس في تقديم المبتكر من الزوايا والمواضيع عبر هذا النوع من التصوير.
ظاهرة تفشي إلتقاط السيلفي ومواضيعها أجبرت علماء النفس والإجتماع على إخضاعها للدراسة لما تتركه من آثار غير مسبوقة على الفرد والمجتمع، بعض العلماء يقيسون بها درجة النرجسية لدى الفرد حيث كما يشيرون، بأنها تتوافق مع الكم الذي يلتقطه الشخص وينشره على شبكة التواصل الإجتماعي.
خلال قرابة ال20 دقيقة كان البث الحي لمارك مع رواد الفضاء قد أتى بتصور جديد لإستخدام التقنيات الحديثة ومترادفاً مع معلومات عن سير حياة رواد الفضاء في مكان ما من هذا الكون الفسيح، يجرون تجارب ويدونون ملاحظات لفائدة البشرية على الأرض. إلتقاط الصور الذاتية ونشرها عبر فضاء الشبكة العنكبوتية أتى بطرق جديدة للتعبير والتوثيق. العقل البشري في الوقت الراهن إستوعب وأدرك ما يحدث، ولا يستلزم ادراك عمل هذه التقنيات سوى التواصل بالطرق المتاحة.
الآن عقولنا تدرك أن ما تستقبله من أمور جديدة على الحضارة البشرية، ونجد في ذلك أموراً منطقية وممكنة. ليس هذا فحسب، بل نحن قد هيأنا تماماً لمستجدات تقنية وآلية كهذه ، تأتي بتسارع وتتابع غير مسبوق وتحمل كل حديث يندرج في مسيرة العلم والعصر.
في التعبير الإبداعي من الممكن أن نتناول المجتمع، أو ما حول المبدع في بيئته أو بيئة غيره، ومن الممكن أن يعبر عن ذاته وذوات من معه، أياً كان إسلوب التعبير ولكليهما جماليات تخصه.
آلية البث المباشر التي إستعرضناها في نموذج حوار مارك مع رواد الفضاء حملنا من خلال تواصله معهم إلى عوالم لا يعرفها سوى الرواد، ولم يكتف مارك بنقلها بل أشرك المتابعين لصفحته بمتابعة المشهد عبر البث المباشر. كما أن الحدث ترك مسجلاً بصفحته ليطلع عليه من يشاء فيما بعد. اليوم السبت، 4 يونيو 2016 أصبح الحدث في الماضي وترك بصمته في المشاهدين، ولم يتركنا مارك لإستفهامات مثل كيف تم التواصل بين صفحته بالفيسبوك والرواد في محطتهم الفضائية، فبعد الإنتهاء من الاتصال مباشرة كتب للمتابعين الكيفية حيث تسجيل الفيديو.
ظاهرة السيلفي، نشّطت الإقبال على العمليات الجراحية التجميلية ،كما فتحت قنوات تسويقية كما محطات التلفاز عبر تطبيقات التواصل الإجتماعي لنجد أسماء تحقق متابعين بالآلاف والملايين لمتابعة انشطتها وفعالياتها.
النموذجان المذكوران هنا يفتحان آفاقاً لأفكار إبداعية، فهذه بيئة خصبة لابتكار أساليب جديدة في التعبير والتناول والعرض.
لا يكفي أن نكون متلقين لكل ما يأتي دون التحليل وربط المعطيات وأثرها على الفرد والمجتمع. العقل الإبداعي لا يكفيه الموهبة، بل البحث وجمع أكبر ذخيرة من الأفكار والمعلومات، لوضع نسيج مبتكر يقدّم بصمته الإبداعية، بشكل يحقق بايجابية الإضافة النوعية لمسيرة المبدع والحقل الإبداعي.
يستوقفنا العقل الإبداعي بعوالمه التي أتت بإختراعات وتطبيقات كهذه، ونحن نمضي للمستقبل من إقليمنا العربي. هنا حيث كنوز من التراث والتنوع ثقافي وجماليات لغة تعتبر واحدة من اللغات العالمية الخمس، بالإضافة لطبيعة الهمت الإنسان في حضارات سابقة ابتكاراً وتميزاً وأصالة في المنتجات الإبداعية بأنواعها.
في إقليمنا العربي عقول إبداعية إن تركت لبراحات التعبير عن ذواتها عبر أعمالها لنهلنا من عطائها الكثير، ليس فقط في حقل الفن والأدب بل في مجالات المهن الدارجة من تعليم وإدارة وطب وخلافه. وإن أحجمت هذه الطاقات الإبداعية عن التعبير فقدناها، وفقدنا فرص التطور في شتى مناحي الحياة، وأهدرنا ثروة إقتصادية ممكنة قد يجني غيرنا خيرها، أو تأفل في صمت موجع وقتامة مصير لما حولها.

آن الصافي
ابوظبي
4 يونيو 2016