اكتشاف عالم المرأة الخفي وفن اقتناص اللحظة في كتابة القصة القصيرة النسائية

عزالدين ميرغني
( أنا لست كاتبة نسائية , لأنني أكتب عن النساء أنا كاتب نسائية
لأنني امرأة تكتب الأدب )
تقول كاتبة أمريكية , بأن المرأة تجيد كتابة القصة القصيرة لأنها تناسب تركيبتها النفسية بحيث هي الأقدر على ملاحظة التفاصيل الدقيقة في الحياة من حولها . وهي تعيد اكتشاف ذاتها في النص القصصي الذي تكتبه . وتقول كاتبة قصة كندية : بأنها تميل لكتابة القصة القصيرة لأنها الجنس الأدبي الذي يتلاءم مع ظروفها الخاصة فهي زوجة , وأم , وموظفة , فالرواية لا تجد لها الوضع المناسب بين هذه الوظائف الثلاثة ,أما القصة القصيرة فهي كتابة اللحظة الانفعالية السريعة والتي تحفزك للكتابة في أي وقت . فالقصة القصيرة تتيح للمرأة أن تبدع في فن الكشف الذاتي وعالمها الخفي , لها شخصياً ولغيرها من تشاركها في جنسها . فخير من تعبر عن المرأة هي المرأة .
إن المرأة التي ورثت فن الحكي الشفهي القديم , منذ شهرزاد , قد أصبح لها دورها الخاص في داخل الوجود اللغوي والذي احتكره الرجل طويلاً . وكما يقول الناقد السعودي الدكتور عبد الله الغذامي , في كتابه ( المرأة واللغة ) : ( لم تعد المرأة كائناً شفاهياً لا تملك سوى الخطاب الشفوي البسيط الذي ظلت المرأة محبوسة فيه على مدى قرون من التاريخ والثقافة ولم تعد كائناً ليلياً لا تحكي إلا في الليل ولا تتمثل لها اللغة إلا تحت جنح الظلام , وإذا ما حل الصباح سكتت عن الكلام المباح . تدخل المرأة الآن إلي لغة النهار ) .
إن أكثر التعريفات للقصة الكثيرة والتي تعددت وتشعبت وتعقدت أيضاً , هو أنها كما يقول الناقد الإنجليزي ( جون بيركينز ) : ( نوع من النثر الفني القصصي والحكائي , والذي يمكن قراءته بشكل مناسب في جلسة واحدة , ومن حيث الطول , فإن هذا النوع الأدبي يجب أن لا تزيد عدد كلماته عن 2000كلمة . إن القصة القصيرة – مثل غيرها من أشكال القص أو الحكاية هي عملية بناء وتركيب تصوري وتخيلي وكذلك هي بمثابة التنظيم لعناصر الخبرة في تكوين فني ) . لقد استطاعت المرأة القاصة في العصور الحديثة , أن تكتب وتكشف ذاتها الأنثوية إلي موضوع , وتحول حلمها وتطلعاتها وآمالها إلي نص مكتوب , وتكون هي المؤلف وهي الموضوع , هي الذات وهي الآخر . وإذا ما كتبت المرأة عن المرأة , فإن صوت الجنس النسوي هو الذي يتكلم , من حيث إن الكتابة ليست ذاتاً تميل إلي فرديتها ولكنها ذات تميل إلي جنسها , وإلي نوعها البشري .
إن المرأة في كتابتها للقصة القصيرة تختلف وتتميز عن كتابة الرجل لها فهي لا تهدف من كتابتها إلي تصوير الحياة كشيء كلي وموضوع فكري فلسفي , وإنما هي الصلات الحياتية الخاصة , أكثر من العامة .وفي هذا تقول الكاتبة الأمريكية ( جريس كيلي ) : ( إن محتوى قصصها القصيرة دائماً , هي إضاءة للحياة النسائية المظلمة . وهي تقول بأن الصوت النسائي غائب عن الأدب , ونحن نحتاج إلي الصوت النسائي لكي نسمعه فالرجل إذا كتب عن المرأة فإنه يكتبها كتابة عامة , ولكن المرأة هي الأقدر على كتابة ذاتها الخاصة . ولقد بدأت الكاتبة الجديدة في مجال القصة القصيرة وخاصة جيل الشباب , أن تكون فكرة القصة مبنية على نظام كبت قوى وواضح , وثمة متعة قوية للعناد والتمرد والصلابة وسط متعة ثقافية كبيرة كما عند القاصة الخليجية . وفي مثل هذه النصوص يمكننا أن نرى فيها مرايا سردية تكشف لنا الدواخل وتفاصيل الأنا عند القاصة . خاصة طبيعة طقوسها الحياتية الخاصة . إبان اغترابها عن الآخر , أو لحظة نشوتها بحضوره , لقد أصبحت أغلب هذه النصوص القصصية مرايا نرسيسية خاصة كما تقول الكاتبة وجدان الصائغ في كتابها ( شهرزاد وغواية السرد) . ومن هنا يرى المتلقي ذاته قبل أن يرى ذات الكاتبة . وقد أفلحت الكثير من الكاتبات ونفذن وصية ( الكاتبة فرجينيا وولف ) , حتى دون قراءتها , والتي تقول فيها : ( إن على المرأة المسكونة بالإبداع أن تستخدم المداهنة والحيل النسائية لتخلق زمن الكتابة ومكانها مخترقة العوائق الاجتماعية والاقتصادية التي تحول دون تحقيق طموحها الأدبي ) . وتقول أيضاً : ( أن المرأة تجد نفسها في الكتابة السردية القصيرة , ويمكن أن تطور نفسها فيها , لأن المرأة لا تميل إلي التركيز المطول والتأمل , إنما هي تفكر في اللحظة الآني . ) .
لقد امتلكت القاصة العربية الحديثة حق البوح والكشف , وان تكتب وجعها الخاص , وهي تستخدم ضمير المتكلم القادر على الشكوى أصالة وليس وكالة . وهي تحكي دورة حياة الأنثى العربية الكئيبة ( ميلاد + زواج + ولادة ) . وأغلب القصص في الإمارات تكتب النص برؤية نقدية واعية هدفها تسليط الضوء على الوجع الأنثوي الخاص الذي يرافق كل الدورة الحياتية . وفي هذا تقول القاصة الخليجية ( هيام المفلح ) , في قصتها والتي جاءت في مجموعتها القصصية ( الكتابة بحروف مسروقة ) , والتي جاءت بعنوان ( ألف ياء امرأة ) . فتقول : ( حين ولدتني أمي .. أخبرتها الوجوه المقطبة حولها أنها ولدت ( شيئاً ) , غير مرغوب فيه .. وحين وعيت ما حولي .. اكتشفت أنني مجرد ( شيء ) مختلف . فهي شيء في حين مولدها , واستمر التشيؤء حتى بعد وصولها لمرحلة الوعي. والقاصة العربية دائماً تكتب في القصة الوجع والظلم الموروث أماً عن أم كما جاء في القصة القصيرة جداً للقاصة العُمانية عزيزة الطائي (صمت ) فتقول : ( نظرت في عين ابنتها غرقت في سوادها . لم تستطع أن تقول لا , أو ليس بعد .. سحبت سلسلة الذاكرة يوم كانت في عمرها .. غرست ثمرتها المحمومة , وداوتها بماء قلبها ) . إن الكاتبة هنا تمعن في التأكيد بأن الظلم متوارث , بحيث أن ذنب المرأة هو أنها أنثي . لقد استطاعت المرأة القاصة أن تكشف عالمها الخفي والموجود تحت السطح الساكن ظاهرياً . إن كتابة المرأة للقصة القصيرة , جعلها تفضح وتكشف تراجيديا الذات المرهفة , ونجحت هذه المرأة القاصة من أن تتخلى على الانكفاء داخل ذاتها , ( تشرنق الذات ) , بعيداً عن الفردانية , وأن تجعل همها هو هم جميع بنات جنسها . وذلك لكي تتشارك هذه الذوات في إيصال الصوت المعذب لمن يهمهم الأمر . ( الصرخة في وجه القمع الفحولي ) .
لقد أثبتت القصة النسائية الحديثة , بأنها لم تعد فقط مجرد بنية سردية تتكيء إلي بداية وعقدة وخاتمة , ذلك الثالوث المقدس , وإنما هي لغة حية تتفاعل في داخل سياقات القصة , ومن خلال ما تفرزه من علاقات مترابطة مع المفردات , تلك التي تحرك فعل الحدث , وكما يقول الناقد محمد غازي التدمري في كتابه ( لغة القصة ) , إن لغة القصة يجب أن تجعل الداخل الفني يتفاعل بشكل مباشر مع الخارج النفسي . كما أنها لم تعد مجرد سرد يقوم على أركان الجملة الأساسية من فعل وفاعل ومفعول به , وإنما هي لغة متعددة المحاور والمفاصل تشير وتدل على انساق فاعلية لغوية متطورة , تحرك القص وتقوده في مدارات متنوعة من الإيحاء والتخيل . فالمرأة أساساً هي ( كائن حكواتي ) , تعرف لغة الحكي وتحتمي بها وتعرف أسرارها ومسالكها . والتحدي الذي يواجهها دائماً ولا يزال هو أن يتحول الحكي من الشفهية إلي عالم الكتابة . ودخول المرأة إلي عالم الكتابة , هو خروج علني من عالم ربات الخدور , إلي الفضاء الذي تتعرى فيه النفوس وتنكشف فيه للآخرين . وفي هذا يقول الدكتور والناقد السعودي عبد الله محمد الغذامي في كتابه ( المرأة واللغة ) , ( إن الكتابة أخرجت المرأة من المألوف إلي المجهول , ويحولها من حياة القناعة والتسليم والغفلة , إلي قلق السؤال وقلق الوعي بما يحيط بها وما يجري وراءها ولها ) .
لقد لاحظ النقد الحديث بأن المخيال السردي الأنثوي في القصة القصيرة أو الرواية , يلوذ ويحتمي بالحلم , وهو نوع من التعويض عن ما فات المرأة في اليقظة . ولأن الحلم بلا منطقه وترميزاته المشفرة يتيح للحالم أن ينعتق من الزمان والمكان , يعطي الذات الساردة الفرصة للانفلات من كل قيود المجتمع وتابوهاته المحرمة . وعن الحلم يقول الفيلسوف أفلاطون ( إن الأحلام تمثل صوت الضمير , وإنه لذو أهمية كبرى أن نقيم وزناً لهذا الصوت وأن نستجيب له ) , والسؤال الذي أصبح يتردد في عالم النقد هو لماذا يلوذ المخيال السردي الأنثوي بالحلم ؟ ولماذا يتم إخضاع الحلم لآليات النص المؤنث ؟ أهي رغبة المؤنث في امتلاك ناصية المتن الثقافي والاجتماعي والقيمي بعد أن تسربت منه في اليقظة وتسربل بالهامش ؟ أم لأن الحلم بآلياته اللا منطقية وترميزاته المشفرة التي تطيح بقوانين الزمكان يعطي الذات الساردة المتمترسة بالتابو سانحة الانفلات من قبضة الشعور والوعي بالطبقية والتمايز الجنسي حد الدونية إلي فضاءات اللاشعور المتمردة على التدجين و الإرهاب النفسي والجسدي , كما تقول الدكتورةوجدان الصائغ في كتابها ( شهر زاد وغواية السرد ) . وقد كان عالم الزار الخفي هو واحد من جلسات البوح والاعتراف والتنفيس الداخلي في العديد من القصص النسائية وخاصة في قصص القاصة السودانية ( سارة الجاك ) . في مجموعتها ( صلوات خلاسية ) , تذكر في قصة ( اهتزاز في شبكة البصيرة ) , حيث يكون الحلم هنا مباح أمام الكل وفي وضح النهار , والرجل الوحيد هنا هو مخنث , ولذلك رمزيته العالية , فالاعتراف لا يتم أمام رجل كامل , فكل الحضور من الرجال ينتظرون حلم النهار والاعتراف الجماعي : ( اليوم يومي , أفعل ما أشاء فأُطاع , أطلب فيجاب تخلعين ثوبك ذا الأكمام الطويلة , وترفعين راسك في حضرة من يكون من الرجال , تتبخترين كمهرة بقدك الممتلئ تستعرضين نعم الله عليك , دقٌّوا لك يا بشير , دقٌّوا لك هوي ) . وهنا لا يستطع الآخر محاسبة أحداً فالكل هنا حر في حلمه النهاري .