وترجّل الفارس … ملف خاص عن الراحل سعد الدين ابراهيم

ورحل سعد
كتب : محمد نجيب محمد علي
* في الثالثة من صباح الخميس والناس نيام والكون يتدثر ثوب صمته العميق
* جاءه ملك الموت .. أيقظه من حلمه وقال له هيا …
* كان ميقات الرحيل الذي لا يقدم ولا يؤخر قد أزف …
*ولم تكن هناك سانحة ليصل به أبناؤه لمشفي البراحة ..والذي لا يبعد سوي بضع أمتار قليلة من بيته ..
*قال لي هلاوي .. كنا نحكي حتي منتصف الليل عن جلال البلال الذي شيع عصر الاربعاء وعن البرامج التي سنسجلها لقناة أمدرمان .. وكان ثالثنا علي الهاتف حسين خوجلي .. وجري الإعداد للحلقات والتي كان سيروي فيها سعد سيرة الراحل محجوب شريف .
* وقال هلاوي ..الآن ساتحدث أنا عن سيرة الراحل محجوب والراحل سعد الدين
*أذكر قبل أيام قليلة هاتفني سعد سائلا عن أحد يسلفه مبلغ من المال لدفع رسوم قطعة أرض تأويه وأولاده
* وسعد الذي ملأ الحياة إبداعا _ طولا وعرضا _ في الشعر والمسرح والقصة والرواية والصحافة وأسعد الناس وعلمهم بقدر ما تيسر له خرج من الدنيا من بوابة بيت كان يدفع إيجاره كل شهر ..
* والشعراء كما قال أحد شعراء المغرب ذات مربد يوما يملكون الآلاف من بيوت وقصور الشعر ولكنهم لا يملكون بيتا علي الأرض
* وهذا قدر الشعراء الناس كما قال الشاعر الراحل سيد أحمد الحردلو
* كان الزهد من صفات سعد والبساطة والتواضع والكرم ومحبة الناس والوطن
*وكانت الرفقة والمحبة تجمعنا منذ زمان بعيد والأحلام الكبيرة منذ أواخر ستينات القرن الماضي
* مصطبة بيتهم في الحارة السادسة كانت ملتقي لكل الأدباء والكتاب والشعراء وشهدت ميلاد الكثيرين
* جمعتنا أولي الخطوات بمجلة الإذاعة والتلفزيون والمسرح هو في نادي الكلام وأنا في المساحة الأدبية ثم إجتمعنا في مملكة الكلمة
* وأسسنا معا شركة التحقيقات الأهلية حيث كنا نحاول البحث في زوايا المدينة الأخري برعاية وتحفيز من أستاذنا سيد علي كرار
* وكان أول تحقيقاتنا في مقابر البكري حين حصلنا علي ديوان شعر مجهول بعضه للشاعر توفيق صالح جبريل علي شواهد قبور عائلته
* وتحقيقات أخري إخترقنا فيها كل حواجز المسكوت عنه في الأزقة والباصات و..و .. نشرت بمجلة الشباب والرياضة
* وسكن سعد زمنا إلي مهنة التدريس حتي أعاده حسين خوجلي بأضعاف مرتبه إلي مهنة الصحافة رئيسا للتحرير .. قال لي حسين ذات مرة كنت دائما أحس بقيمة سعد المبدع وهذا مادفعني لذلك
* ومضي سعد فجأة .. وتناثرت الأحلام ورودا وأحلاما للناس وبقيت الذكريات الحية تروي نفسها ..
* قال لي في مرة أنه خرج ذات صباح من منزله وهو لا يملك مليما في جيبه .. ولم يترك لأم عياله شيئا يقيم أودأطفاله .. وحين عاد في المساء فاجأته أم ابراهيم ومحمد بمائدة كاملة متعددة الأصناف .. فبحسن تصرفها قامت ببيع الروبابيكيا المنزلية لتصنع تلك المائدة دون أن تثور أو تشعره بتقصير من تجاهه .. وكثيرا ما غني لها .. وكانت رفيقته قبل أيام من الرحيل في برنامج بنات حواء الذي سيبث خلال رمضان ..
* والكثير من الحكايا والذكريات الحية تدق علي باب الروح ..
* والحزن يتدفق نهرا ..
* نم هانئا بما كسبت من محبة الناس يا أخي أجرا ورضا من الرحمن وذكري لا تنام
* ونبقي في إنتظار أن تصدر أعماله القصص والروايات .. والقصائد وحكاية من حلتنا وووووو قال لي أنه أكمل روايته الأخيرة في بلاط صاحبة الجلالة
* ويا اتري هل سيجود الوطن لأبنائه ببيت لا يدفعون إيجاره؟؟


الغائب الحاضر

نفيسة زين العابدين (أمريكا )

في العادة إن هؤلاء الذين يكتبون ويتركون انطباعا ايجابيا في نفوس قراءهم لا يموتون وان رحلوا .. وان غابوا .. وان غادروا العوالم التى عملوا على أن يزرعوا فيها احلامهم وعصارة افكارهم وأمانيهم واحباطاتهم وحتى احزانهم. يظل ما كتبوه على قيد الحياة زرعا اخضر .. ذابلا ام مزهرا لا يهم .. المهم أنه يعيش بعدهم لازمنة طويلة. من هؤلاء فقيد الساحة الثقافية السودانية الاستاذ المرحوم سعد الدين ابراهيم والذى رحل عن دنيانا في العاشر من مايو الجاري .
للراحل اعمال كثيرة رسخت في ذاكرة المتلقي السودانى وأنا منهم. خاصة تلك الشعرية منها والتى تحولت الى أغان خالدة مثل اغنية العزيزة والتى اعتبرها من اجمل ما قيل عن كبرياء الانثي عاشقة كانت ام معشوقة ، والتى تنساب واصفة بسلاسة اشواق رجل عاشق لا ينسي حبه المستعصي عليه ولا ينسي إمرأة ذات كبرياء عبرت حياته مرة بقوله : ( العزيزة الما بتسال عن ظروفنا .. الوحيدة الما بتحاول يوم تشوفنا .. الوحيدة الطال عشان جيتك وقوفنا) تظل هذه الاغنية من اجمل ما سمعت وهى تختصر اشكالية ومفهوم ثقافي وسايكولوجى عميق حول تعلق الرجل بالانثي الرزينة .
كان الراحل رحمه الله عميقا وشفافا في تناوله للكثير من قضايا المجتمع السودانى ومشاكله .. من منا لا يعرف عموده الادبي بصحيفة المجهر السياسي والذي بعنوان ( النشوف آخرتا) وايضا الدراما الاذاعية المشهورة (حكاية من حلتنا) .. والتى كانت تبث عبر الاذاعة السودانية جالبة الابتسامة والانس الى كل مستمعيها ومتابعيها داخل كل البيوت السودانية البسيطة منها والفخمة. وبعودة الى أعماله الشعرية نجد أن الراحل قد كتب ايضا برمزية تحتمل تعدد وجوهها عن قضية الاختلاف والاتفاق في رائعته نختلف أو نتفق ( المهم أنه الحوار يستمر ما ينقطع .. المهم أنه الجدار ما يعلو أكتر ويرتفع) معانيه الجميلة زاد من بهائها صوت الراحل العملاق محمد وردى والذي علق في تقديمه لهذه الأغنية بقوله : ( وافتكر الاختلاف والاتفاق في كل بيت.. في كل بلد.. في كل دولة. لذلك هذه الاغنية تعبر عن واقع الحال.. واقع حالنا جوه البيوت.. ولا جوه البلد.. ولا كده) وكأن وردى في طريقة نطقة للعبارة الاخيرة (ولا جوه البلد ولا كده) أراد ان يستعير كلمات الراحل سعد الدين ابراهيم ليضع شيئا من الحرية لمعانيها لتنطلق في افق رحيب لا يحده فهم معين أو افق محدود، بحيث يصبح المعنى حرا والمراد مرنا يتحمل مفاهيم عدة. ألا رحم الله الشاعر والمغنى .
من اشعار الراحل المغناة نجد ايضا (عن حبيبتى بقول لكم) والتى غناها الرائع ابو عركى البخيت وتعبر كلماتها عن الحبيبة الارض .. الوطن : ( عن حبيبتى بقول لكم .. عن حبيبتى أنا بحكي ليكم .. ضل ضفايرا ملتقانا ..شدوا أوتار الضلوع .. أنا بحكي ليكم عن حنانها .. مرة غنت عن هوانا .. فرّحت كل الحزاني .. ومرة لاقت في المدينة .. الحمامات الحزينة .. قامت ادتها من حنانها .. ولما طارت في الفضاء .. رددت انغام رضا .. وكانت أول مرة في عمر المدينة .. انه نامت وما حزينة ..تحيا محبوبتى الحنينة.) ما زالت اسراب الحمامات الحزينة تحلق فوق المدينة .. المدينة التى تفاقم حزنها برحيل احد عاشقي ترابها..والذى ستظل اشعاره تتغنى بها اجيال بعد اجيال ، وسيبقي قامة سامقة من قامات الثقافة السودانية واحد روادها الذين اثروها بأعمال مميزة سيظل اسمه عليها الى ما يشاء الله. رحم الله الراحل الاستاذ سعد الدين ابراهيم وجعل مثواه الجنة.


بقلم : عبد الوهاب هلاوي

من طرائفي معه .. رغم الاحزان …….. من الحكايات الطريفه التي كان يحب ان يرويها سعدالدين .. مرة قال لهم الصديق الشاعر ابو قرون ع ابو قرون ان كلكم اخوتي الشعراء ( تكسرون) .. انت يا سعد والتيجاني و … و … هلاوي الوحيد الما بكسر فرد عليه سعد يا ابو قرون هلاوي يكسر شنو ما بشيلها من جاي يختها بي جاي … ……… من طرائفي معه انني كنت زهجان ذات مره وقلت له يا سعد سمعني من شعرك فقرا لي .. الحمامات الحزينه .. قلت لي غيرها .. قال لي ياسلام لو جا السلام .. زي حمايم شنو كده .. المهم ثلاثه او اربعه قصايد فيها حمام فقلت له انت شاعر وللا برج يا اخي فضحك حتي تدفقت من عيونه الدموع ….. سعد قال في احدي السهرات التي جمعتني به .. قال لحسين خوجلي ان اي قصيده فيها حمام حقتي .. واي قصيده فيها منديل تعرفا يا حسين دي حقت هلاوي .. ومن الطرايف ايضا ان احد المعتوهين صادفنا في ندوه دعانا لها الصديق سوركتي وقال لنا انه شاعر كبير وان تلاتين اغنيه لوردي من كلماته وكلها اغنيات لاسماعيل حسن والدوش والحلنقي .. ضحكنا ليفاجا سعد بنفس الشاعر يطارده بالهاتف مدعيا كل اشعار سعد ليصل الامر كما هاتفتي سعد قبل اسابيع لان يصل المعني لمنزل سعد .. يطرق الباب ويسال عن مصير اشهر اغاني سعد ليثور سعد هذه المره بعد ان طفح به الكيل ويطرده شر طرده ………………. لست ادري لماذا وجدتني هذه المره حيال بعض بعض بعض مواقفنا الطريفه يا سعد برغم الدموع . علها محاولة للهرب من هذا الالم والحرمان .. اعدك ساواصل الابتسام ويقيني انك الان مبتسما فرحا بعالم ليس كعالمنا .. من قال لنا اننا لن نكون سعداء هناك في حضرة خالقنا وقد اغتسلنا من كل هذه المرارات .. اعدك ساواصل الابتسامه .. ولك حبي ودعواتي


بقلم : محي الدين محمد علي

فجر الخميس استرد الله وديعته الغاليه وكنزه الثمين الذي خص به اهل السودان قاطبه ورحل الاستاذ سعد الدين ابرهيم الموسوعة الثقافيةالنادرةالزاخرة بكل معاني الفكر والابداع تعرفت عليه قبل ان التقي به وشدني اليه برنامجه الراتب في الاذاعة حكايه من حلتنا والتي قدم منها مئات الحكاوي ورحل وهو لا يحتفظ بحلقة واحدة منها!!!ثم التقينا لاول مرة في منتدي الحلفايا الثقافي قبل عقدين من الزمان واكثر ولم نفترق نتلاقي في دور الصحف وفي الحيشان الثلاثة والمنتديات والمناسبات وكثيرا ما كنا نتيادل الونسات الطويلة ألزاخرة بالطرايف والملح ونلتقي علي جنبات كبري الحلفايا السياحي ونحن نمشي زحفا ونمارس الرياضة في وقار الكبار ونسعد باخبار الادباء والشعراء وابداعاتهم!!!لقد كان المقيم الخالد الذي رحل موسوعة ثقافية وقد كتب الشعر الغنائي وهو فتي غرير وغنت له المطربة مني الخير وهى في اوج شبابها ومجدها ثم زحم الافاق باشعاره العميقة وبلغ ذروتها في اغنية العزيزة الما بتسال يوم علينا ودرة ابو عركي وحبيبته الزي الشعاع تدخل رواكيبنا واوضنا!!..ثم الاغنية التي ختم بها وردي مسيرته الفنيه كمسك ختام والذي يستمع لكلمات هذه الاغنية تتجلي له شخصية سعد الفن كما درجت علي تسميته فهو الانسان الطيب الودود المسامح السهل في تعامله وحتي في اشعاره ذات المذاق الخاص واللغة الخاصة به .!!! اقول ان سعد الفن اشتهر كشاعر ولكن الايام ستثبت انه كان كاتب قصة وروائي نعم الراحل سعد الفن كاتب قصة وله المئات من الحكايات التي اثري بها مكتبة الاذاعة ولم يحرص علي جمعها وقد يسخر
الله لها من يقوم بجمعها كإرث ثقافي من الظلم ان يضيع هدرا في الارشيف ان لم يكن احد الفرسان قد تخلص منه!!!!ان سعد ايضا كاتب رواية لايقل عن اي كاتب في الساحة ومن اشهر رواياته التي نشرت علي الصحف رواية ملك الاولاد كذلك فان سعد كاتب مسرحي متميز ومن اعماله برلمان النساء واعمال اخري لاتقل روعة!!!!لقد كان سعد في الاصل مدرسا مرموقا ولكن روح المبدع فيه جرفته جرفا نحو مجالات الابداع االمنهكة المتعبة التي ظلت تقتات من عقله وتسرق صحته وعافيته ولم تعطه شيئا غير محبة القلوب الباكية التي ودعته وستظل تبكي عليه كل ما ذكر الابداع وكلما ذكروا مقاله الصحفي الرائع النشوف اخرتها وظل سنينا يلهث حاملا قلمه ليشوف اخرتها ولكنه لم يشف شيئا ولكننا نحن من فجعنا برحيله شفنا وادركنا ان اخرتها كوم تراب وانا لله وانا اليه راجعون


بقلم : نجيب نور الدين

سعدالدين ابراهيم جيل دخل الي الحياة اواخر اربعينات القرن الماضي واخذ برضع من ثدي الزمن الجميل الذي بدا خمسنيات القرن الماضي وجيل سعدالدين نشأ في احضان التجديد في كل شيئ بالسودان والمنطقة من حولنا والعالم الذي كان يركض في عصره الذهبي بعييد انتهاء الحرب العالمية التانية وانتشار حركات التحرر وانتعاش الاقتصاد والمجتمع فتشربو الدنيا الجديدة وفي شبابهم الباكر كانت امدرمان واحياء الثورات تجذب التجاني سعيد ومحجوب شريف وسعدالدين والدوش وغيرهم الي مصطبة بيت ناس سعدالدين في الثورة وكانت الكتب والمجلات وراديو امدرمان واغنيات التاج مصطفي واحمد المصطفي وابراهيم عوض والغناء والشعر فكانوا الاضافة والتجديد والتمرد الجميل ..رحيل سعدالدين علامة علي تراكم احزان هذا الجيل الذي احترق بالجمال والفن والحقيقة ..رحيل سعد الدين مفجع ومؤلم يشبه رحيل يترك علامات الاستفهام الكبري حول سعدالدين وجيله من المبدعين الكبار في زمن موت الاشجار الواقفة وسيادة القبح من كل لون ..رحمك الله الرحيم وستحكي الاجيال كيف كنتم تضخون الفرح في شرايين الشعب ..


بقلم : فاطمة محجوب كرار

الموت هو الحقيقة الوحيدة فى الحياة التى لا يختلف عليها البشر باختلاف معتقداتهم ودياناتهم وثقافاتهم …..فى السودان يؤكد لك الناس، ان الموت لا يتوالف رغم حدوثه بصورة يومية ،ويحاولون التلطيف من حتميته باقوال صارت مأثورة -ان شاء الله يوم شكرك ما يجى -فال الخلا والريح تشيل لا ورا -بعدعمر طويل…..الخ .
وجهه المستدير اكسبه سمة البشاشة والطيبة وبياض القلب والشباب الدائم ، ككل من تتميز وجوههم بالامتلاء ….ولكنه حقيقة كان كذلك…..سترته ( السفارى) وصوته المميز والتؤدة التى تميز القاءه لشعره العذب …تجعله متفردا .
رغم الزمالة التى جمعتنا لسنوات فى صحيفة( حكايات) الا اننى لم التقيه الا مرات قليلة …ولكنه دائما موجود وحاضر بمقالاته وشعره وكتاباته فى مختلف المجالات…..وحينما تتصل به،لا يتجاهلك ابدا بل يزيل حرجك بكلمة (حبابك).
انسان خلوق طيب ومتواضع وهذه من صفات المؤمن …تجده وسط الناس دائما ، لذلك فقد احبه الناس ،ظل يشجع وينصح المواهب وكل من يقصده طالبا رائه دون كلل ، وخصص لقراء عموده اليومى،(النشوف اخرتا) ، يوم الجمعة من كل اسبوع ، للرد على استفساراتهم وكان يعلق ويهنئ ويعزى حسب مناسباتهم…. واليوم لابد ان غيابه افجعهم، ولكنه سيظل دائما وابدا ذكرى حية باقية فى قلوب محبيه ..اننى اعزى نفسى واعزيهم .
..استاذنا …سيظل مكانك شاغرا وسيظل غيابك غصة فى حلق محبيك ولكننا ندعو لك بالرحمة والمغفرة وان يكون مثواك اعلى الجنان مع الصديقين والشهداء ويلهمنا وعائلتك وكل من عرفك الصبر الجميل..


بقلم : عامر محمد أحمد حسين

ونحن نتلمس طريقنا في بلاط صاحبة الجلالة رمانا حظنا وصديقي الصادق «التقي محمد عثمان» في صحيفة كانت حسنتها الوحيدة أن عرفتنا بالجميل الرائع سعدالدين ابراهيم الذي خصه المولى عز وجل بالإلفة والجاذبية الشخصية وبالمعرفة بالناس والتواضع, والصدق مع النفس.. فالبسمة داخلية غير مصطنعة والنكتة حاضرة, يطلقها في لحظتها فتختصر لك الموقف. طلب منا معاونته في ملف ثقافي يشرف عليه اسبوعياً, لبينا الطلب فكانت سجالات وحوارات, بدأ السجال, مع الكاتب «أحمد ضحية» وكان حوار «التقي» مع الجميل محمد خلف الله سليمان, وإعادته الى المشهد بعد طول غياب فرضته ظروف تلك الفترة, وكانت قصة محمد خير عبدالله الأولى في النشر ولم نستمر طويلاً في تعاوننا مع سعدالدين, إلا ان الصلة رغم التحاقنا بصحف أخرى ظلت مستمرة تحرسها تلقائيته وتواضعه وأريحيته وأبوة من نوع خاص كنت شاهداً عليها مع كثير من أجيال الصحافة السودانية هذه الصحافة التي تفقد كل يوم أراضيها ولا بواكي لها..
دنيا
ظل سعدالدين وفياً لمدرسته في الصحافة لم يمنعه ترأسه تحرير صحيفة «الحرية» السياسية قبل «الشراكة الذكية – دمج الصحافي الدولي والحرية في صحيفة الصحافة» وكانت فرصة اصدار صحيفة اجتماعية هادفة تخاطب الشباب بماضيه وحاضره وتستشرف مستقبله, حاضرة في ذهن سعدالدين ابراهيم, فكانت «دنيا» ولدت الصحيفة بأسنانها واجتذبت القاريء المحتمل والمقصود بالخطاب, تحرك حزب أعداء النجاح, تحرك في كل الاتجاهات, خاف وارتعب من سحب البساط ومسيرة «دنيا» استمرت في صحيفة أخرى كانت تشبهها.. وكانت دنيا «دنيا» فيها الراحل محمد ابراهيم حتيكابي يرسم لك جغرافية الخرطوم في الاربعينيات مدينة كما وصفها الصحفي الكبير يوسف الشنبلي تغسل «بالديتول» يحكي حتيكابي عن اندية الليل ونادي التزلج على الجليد, يحدد لك مكانه وعنوانه وكيفية تصميمه, نقل الاستعمار بيئته الى الخرطوم المرتفعة الحرارة صيفاً وشتاء كان هناك الراحل «صلاح حمادة» يختصر لك المجتمع بريشته ويختصر العالم بحكاية يضحك لها كل من سمعها. حكايات «حمادة» مع الكارو والحمار في «الحي» الذي يسكنه, حكاياته مع صاحب الحمار في هذا الموقع الرائع وبوجود «ربيع حامد» مديراً للتحرير وأسماء شابة أخرى, تعاونت مع «دنيا» وأنا في صحيفة أخرى وقال «سعدالدين» اكتب في الفن ودع لهم الكتابة في السياسة, والثقافة وفجأة ماتت دنيا.. بلا مقدمات مرض ومنها التراجع في التوزيع..
الحوار الأخير
لسعدالدين طرائقه في الكتابة والحكي وقد ساعده عمله بالتعليم بمعرفة كبيرة بقدرات القاريء العادي وكيفية الوصول اليه, هذه قوة ذاتية لا يعرفها كثير كتاب. طلبت منه حواراً لصحيفة الوطن القطرية, حدد لي موعداً ولظروفه الخاصة اعتذر وفي مكتب الصديق «موسى حامد» بصحيفة «حكايات» في مقرها الأول كان اللقاء بالصدفة, يعترف «موسى» كثيراً بضيق المكتب, وكانت فرصة لا تعوض فقد «يوعد» سعد وتحول ظروفه دون اللقاء. قلت له هذا الجزء الأول من الحوار وكان جوابه «يعني مصر على الحفر» ومالم اكتبه في الحوار الأول ولا الثاني الذي جاء بعد اكثر من «عام» من الأول قصة منع اغنيته «العزيزة» في بدايات الانقاذ, وكيف ان المسئول الأول في التلفزيون «نفى بشدة» انه قد أمر بوقفها. وقال لي: ابتعدت عن الاذاعة والتلفزيون, حتى أعادني الصديق الشاعر عبدالوهاب هلاوي, «وهلاوي الزول ما يقدر يرفض ليهو طلب»..
رحم الله الأستاذ سعدالدين ابراهيم فقد كان ريحانة مجالس, عفيف النفس, صادق مع غيره وكان جزءاً من حياته الوقوف في الصحافة مع من يراه صاحب استعداد للعمل بها..


الحوار الأخير : سعد الدين ابراهيم من حروف للعزيزة الى نهر العسل

حوار عامرمحمد أحمد حسين
سعد الدين ابراهيم, شاعر واذاعي وكاتب صحفي, غنى للعزيزة والأب والأم والأبناء.. رأس تحرير عدة صحف.. انه صاحب بصمة في المسرح والدراما الاذاعية
ساخر وحاذق, يقرأ كف الحبيبة وطالعها, زاهي باهي مع الأصدقاء, ومتجاوب جداً مع القراء, يحبونه ويراسلونه..
(×) العزيزة؟
(=) أوائل قصائدي العاطفية, وجدت تجاوباً وقبولاً..
(×) عنوان ديوانك؟
(=) حروف للعزيزة..
(×) وردي أحبها؟
(=) نعم, وقال بأنها من أجمل الأغنيات في الثلاثة عقود وتغنى بها أكثر من «عشرون» فناناً وآخرهم الراحل محمود عبدالعزيز..
(×) فتحي حسين؟
(=) أول من تغنى بأغنية العزيزة.
(×) أين هو الأن؟
(=) مقيم بالمملكة العربية السعودية..
(×) ابتعد عن الغناء؟
(=) لم يبتعد, ولدى معه قصائد جديدة..
(×) الأب؟
(=) وجدت الكل يغني للأم, فكتبت شعراً في «أبي»..
(×) والأم؟
(=) بكيت عليها, فقد كانت مهد «الحنان» رثيتها بالدمع الثخين, وافتقدتها..
(×) الاعداد الاذاعي؟
(=) برامج عديدة, منها «الصباح والندى» مع الراحلة «ليلى المغربي» وصباح الخير يا وطني مع كوكبة من المذيعين..
(×) حكاية من حلتنا؟
(=) برنامج درامي, أخرجه معتصم فضل..
(×) فكرته؟
(=) قصة قصيرة, اسمها «باب السنط» تم تحويلها لمسلسل درامي, وكانت الاذاعة تفتقد للبرامج الاجتماعية..
(×) وقفت في محطة «باب السنط» في القصة القصيرة؟
(=) أول قصة قصيرة, نشرت خارج السودان في مجلة «الدوحة» القطرية..
(×) بقية القصة؟
(=) نشرت «الكفاح الفردي المسلح» في مجلة الثقافة السودانية ومجلة الدستور و»أسود من قش» ومجلة العربي «عملية استثمار ألف شين» وقصص أخرى في ملاحق ثقافية سودانية وأشهرها «الولد الذي حنن البلدة»..
(×) اتحاد شعراء الأغنية السودانية؟
(=) منتمي اليه من سنوات عديدة ولكني لست عضواً فعالاً مثل انتمائي لاتحاد الكتاب السودانيين ورابطة الكتاب السودانيين..
(×) لا دار للشعراء؟
(=) لنا «قطعة أرض» شرع في بنائها ولكن توقف المشروع, والشعراء فقراء.. والدولة تريدهم فقراء حتى يتهافتون على صناعة الاناشيد والأهازيج التي تمجد انقلاباتهم..
(×) رئيس تحرير لعدد من الصحف؟
(=) بدأت بالصدفة حينما اختارني حسين خوجلي مستشاراً بصحيفة «الحياة والناس» وكان ان غادر رئيس تحريرها سريعاً فأصبحت رئيساً للتحرير لإلمامي بالعمل في الصحيفة..
(×) الحرية؟
(=) من قبلها كنت رئيساً لتحرير صحيفة الدار الاجتماعية والحرية صحيفة سياسية وحققت نجاحاً باهراً فتم وأدها في مشروع الشراكة الذكية بدمجها مع صحيفة الصحافة..
(×) صحيفة دنيا؟
(=) هذه صحيفة «حسدها» أهلها, أو ناشريها, كانت أكبر من طموحهم فقد كانت فنية شابة وكانوا كلاسيكون لا يرجى منهم..
(×) استقلت من رئاسة تحرير صحيفة «الجريدة»؟
(=) لمدة عام ونيف رأست تحريرها ففتحت علي «عشرات البلاغات» وأوقفت وصودرت مرات عديدة, وانشغلت بالدفاع عن المشروع اكثر من تطوير المشروع..
(×) واستقلت؟
(=) كان لابد من ان اترجل حتى تقف هذه «المشاغلات» وبعد ترجلي خففت عليها «الغضبة»..
(×) وردي؟
(=) صادقته بعد عودته الأخيرة ونمت بيننا علاقة انسانية من الطراز الأول وكنت أحبه ويحبني..
(×) المشاريع التي بينكم؟
(=) نفذنا بعضها وتغنى لي باغنية «نهر العسل» و»حوار» و»نختلف او نتفق»..
(×) ابوعركي البخيت؟
(=) فنان وصديق قديم وصادق في فنه..
(×) الفنان الراحل محمود عبدالعزيز؟
(=) اسطورة حقيقية, وخلف مدرسة فنية وفراغاً كبيراً في الساحة..

× باب السنط؟
= قصة قصيرة احتفت بها مجلة الدوحة في عامها الأول ونشرتها ووجدت القبول..
× من احتفى بها؟
= الأستاذ الراحل علي المك, وجمهرة من اهل الثقافة وقراء..
× باب السنط كان بوابة الاذاعة؟
= طلب مني الأخ المخرج صلاح الدين الفاضل النص وبعدها قام بتحويلها الى مسلسل اذاعي..
× ماذا قال عنها علي المك؟
= انها رواية..
× مسلسل اذاعي بالذاكرة؟
= مسلسل له طابع سياسي عن الجنوب السوداني المخرج طارق البحر وكان حلقاته 30 حلقة وهو آخر مسلسل اذاعي تمت اذاعته من تأليفي..
× خرجت من بوابة الدراما الى الصحافة؟
= كما تعلم للصحافة ضريبتها وان كنت أعمل على دراما اذاعية لم تكتمل بعد..
× اخذتك الصحافة؟
= الآن كاتب صحفي واملك بعض الوقت لمراجعة ما اكتب وكذلك اضافة لما كتبت ولم ينشر او يذاع من اعمال درامية وقصصية ورواية..
المسرح
× برلمان النساء؟
= هذه مسرحية “سودنتها”..
× مسرحية عالمية؟
= أمريكية وعنوانها “برلمان” ومن ترجمتها العربية حولتها الى مسرحية سودانية مئة بالمئة..
× أصابت النجاح؟
= الحكم متروك للنقاد والمشاهد..
× وجدت القبول عند الشارع العام؟
= اعتقد ذلك..
× لماذا؟
= ناقشت قضية المرأة وعلاقتها بالرجل والمحيط الاجتماعي وقيوده وكانت سابقة للاهتمام العالمي والاقليمي بقضايا المرأة..
× مخرجها؟
= عماد الدين ابراهيم..
× الممثلون؟
= نادية بابكر وسمية عبداللطيف وجمال حسن سعيد والرشيد احمد عيسى واسماء اخرى..
× هل سعد الدين مسرحي؟
= درامي وتحتها تجد مسرحي وكاتب سيناريو ومؤلف قصصي..
× سيناريو في الخاطر؟
= قصة قصيرة “عملية استثمار الف شين” وقام بعمل السيناريو احمد طه امفريب..
× سناريو لم يكتب؟
= سيناريو لعمل بعنوان “الفكرة المتسلطة” لا زلت اعمل عليه منذ 18 عاماً..
× هل تتسلط الفكرة على الكاتب؟
= بالتأكيد..
× كيف؟
= أعمال كثيرة تم البناء على الفكرة واصطياد الفكرة معناها انجاز 50% من العمل..
× فكرة تسلطت عليك؟
= كنت اعمل في سلسلة اذاعية بعنوان “حكاية من حلتنا” والحكاية التي تسلطت علي اكثر من “عقد ونصف” من السنين عن تلميذة تتزوج استاذها..
× وهل تم الطلاق؟
= يضحك, اخوة اعزاء قالوا بصريح العبارة هذا لا يحدث في السودان..
× لم تطلقها للنشر؟
= كل هذه السنوات جعلت المتغيرات اكثر من قول الاصدقاء لا يحدث في السودان..
× القول الفصل؟
= سأحولها الى “رواية” وستدخل كل التفاصيل الاجتماعية الجديدة والمتغيرات مع بقاء الفكرة “الأولى”..
× هل انت عضو في اتحاد الدراميين؟
= لا لست عضواً في الاتحاد..
× لماذا؟
= هذا السؤال لم اسأله لنفسي.. ولكن لم يطلب مني درامي ان انضم الى اتحادهم..
× يصنفونك شاعر وصحفي؟
= احتمال..
× والاحتمال الثاني؟
= لست متفرغاً لعمل الدراما..
× والاحتمال الأخير؟
= مشاهدة كل انواع الدراما السودانية و”سماع” الاذاعي منها, والحضور الى المسارح لمعرفة اين وصل المسرح السوداني.
× كيف تنظر الى المسرح السوداني اليوم؟
= بحذر شديد..
× لماذا؟
= مسرحية من تأليفي, لا استطيع تقديمها الآن خوفاً من عدم تنفيذها بالكفاءة التي كانت من قبل سمة المسرح السوداني..
× المسرح العربي الآن؟
= اجترار لمسرحيات عربية قديمة لم يستطيع احد تجاوزها وكمثال مسرح سعدالله ونوس ونعمان عاشور ولينين الرملي..
× المسرح السياسي العربي في ظل الربيع العربي؟
= قبل فجر الربيع كان هناك مسرح سياسي تنويري يحلم بالربيع..
× هل مثلت على المسرح؟
= في مرحلة الدراسة “المتوسطة”..
× دورك؟
= كوميدي..
× لم تستمر على الخشبة؟
= لم أجد نفسي في التمثيل..
× مع الدراما والمسرح, ترأست تحرير صحف سياسية؟
= لنفي فكرة ان الفنان المسرحي او الشاعر الغنائي او الكاتب الدرامي لا يستطيع قيادة صحيفة سياسية..
× التجربة؟
= ناجحة جداً بشهادة أهل الصحافة في صحيفتي “الحرية” و”الجريدة”..
× الآن؟
= مسرح سياسي لا علاقة له بالمسرح “اجترار” و”اسكتشات”..
× المسرحية السودانية “النظام يريد”؟
= لم أشاهدها..
× لماذا؟
= رغبتي اشاهدها لما قيل عنها ولم اجد الوقت لذلك..
× نجحت؟
= جماهيرياً ولكن هل مثلت اضافة, لم اشاهدها ولكن لا اعتقد انها قد تجاوزت “المهرج” لمحمد الماغوط وتمثيل فرقة الاصدقاء المسرحية..
× الراحل الفاضل سعيد؟
= نجم “مهول” ومؤلف تقليدي من طراز لا يشق له غبار وممثل عالمي ومخرج جيد لن يتكرر ابداً, وهو قامة في تاريخ الفن المسرحي السوداني..
× خالد ابوالروس؟
= فنان عظيم يستحق التقدير..
× حمدنا الله عبدالقادر؟
= أستاذ..


إلي سعد الدين ابراهيم

بقلم : إيماض مهدي

غربة وطيف يدور
بين عجلات رحيلك
والغنوات تساسق
بين ضحكة مقيلك
وينك يالتعتر
للروح ياحليلك
*******
حزين والنبض باكي
وقلب الكون يحاكي
وجعا إصطفانا
في دغش المدينة
والنسمة الحنينة
طار عصفور بيسأل
وينك ياعزيزة
عزال اليفرق
من لحن الغناوي
كلماتا اللذيذة
*******
غربة وطيف وشارع
ونيل موجو بيسارع
تلويح المراكب
والضفة البتعز
زول في ريدو فارع


سعد الدين ابراهيم .. الراحل المقيم

كثيراً ما حركت أداة البحث في الشبكة العنكبوتية عن إسم بعينه ومقال مزيل بإسمه يخبرني فيه ماذا هناك عبر كلمات بسيطة، في رشاقة عرض تذكرني بونسات الأهل في أمدرمان وقت العصاري وبيننا كأس شاي أحمر وحلو حديث.
ما التقيته ولم أتواصل معه مباشرة اللهم فقط ما وصلني من حرف نشر عبر الصفحات المتخصصة في الشبكة العنكبوتية وما تغنت به أصوات أشجتنا مدندنين في شوق وحنين لكل ما هو أصيل ونبيل يعكس جمال بلادي.
لقد رحل عن دنيانا…سنفتقد روحه الفكهة في تناول أمور حياتية يومية عاكساً فلسفته في الحياة عبر سرد رسائل القراء ومواضيعها وتناول أخبار الكورة، آراء في الإدارات واللاعبين. لفت الإنتباه لمجريات حياة المشردين وأبناء الشوارع وحياة ست الشاي الكادحة وإستخدام الواتس أب وأثره في علاقات الناس ببعضها البعض، رأيه في فرقة الكورال وبرامج التلفاز والمذياع. قصصه مع المبدعين… الكثير كان يأتي عبر نافذة لطالما إنتظرت أن تحمل تفاصيل صغيرة، فيها السلوى والأمل تقشع تعب الغربة بإبتسامة، نجح في صناعتها كتابة الراحل المقيم الأستاذ سعد الدين إبراهيم رحمة الله عليه. ليته يعلم أهمية ماقدمه لي وللكثيرين من متعة وأنس داخل وخارج حدود الوطن. لكم ولأسرته وكل من عرفه عن قرب أو بعد، الصبر والسلوان.
آن الصافي
15 مايو 2016
أبوظبي


موسيقى  الحمامات  الحزينة  

الي  سعدالدين  إبراهيم  في  علياء  مملكته

يوسف الحبوب

1/ دو
دوت قنابل هذا الصيف
ضجت البلاد
وناحت تلك الحمامات التي
اشرعت مناديلها البيضاء
في سماء الحبيبة. ..
التي نحب
2/ري
رأيت في مايري النائم
أن الرواكيب التي تهتف لها الحناجر
ويرفع الشباب لها علامة النصر
احترقت جراء قنابل هذا الصيف
وناحت تلك الحمامات التي
اشرعت مناديلها البيضاء
في سماء الحبيبة
التي نحب
3/ مي
ماتت الأغنيات وذبلت الروح
لا برتقالة نهدي ولا يحزنون
فالبيوت كالحات
لابسات لسواد وعتمة
احترقت جراء قنابل هذا الصيف
وناحت الحمامات التي
اشرعت مناديلها البيضاء
في سماء الحبيبة
التي نحب
4/فا
فماذا تبقي لنا
يذهبون هكذا…
كل الخيول تذهب
كل المغنين
كل الأناشيد
كل الأمنيات
كلها احترقت جراء قنابل هذا الصيف
وناحت الحمامات التي
اشرعت مناديلها البيضاء
في سماء الحبيبة
التي نحب
5/صول
صوتك زاه
صوتك صيت
صوتك ترنيمة الغياب
لكنها المدينة احترقت جراء قنابل هذا الصيف
وناحت الحمامات التي
اشرعت مناديلها البيضاء
في سماء الحبيبة
التي نحب
6/لا
لاتكتب الاغاني الآن
تكتب غدا
علي صدي نهنهة الحبيبات
علي أشجار العاشقين
وخمائل زهو الروح
الروح التي احترقت جراء قنابل هذا الصيف
وناحت الحمامات التي
اشرعت مناديلها البيضاء
في سماء الحبيبة التي نحب
7/سي
سنعاتب هذا الموت
سنجرده من سلاح الفتك
بالانقياء
الانقياء الذين اخفتهم عنا
قنابل هذا الصيف
فناحت الحمامات التي
اشرعت مناديلها البيضاء
في سماء الحبيبة
التي نحب

مسقط15 مايو


محاولة لفهم قصة «باب السُّنُط» لسعد الدين إبراهيم

إبراهيم جعفر
1 نوفمبر، 1980م

نط– المُنقَدَّ من تلك الشجرة العريقة التاريخ، الأصيلة المنشأ، في بلاد السودان– هنا، أي في قصة «باب السُّنط»، رمزٌ لرسوخ القديم من الأشياء والقيم ومظاهر السلوك وتشبُّثنا به، كما في القصة، دفقةٌ من ذلكَ الحنين العميق للشيء القديم الذي اكتسب قدسيّةً باعتباره أصيلاً ..
المنزلُ كلُّه يعتزُّ بالقديم «وصيّةُ الجَّدِّ» إلاّ الطفل «بذرة الجديد» والدكتور «رمز العلم والحداثة». ورغم سطوة الجديد واستخدامه لشتّى أسلحة الدّمار لإزاحة القديم وتمكين سطوته، كما في محاولة قتل القطة- ذلكَ الحيوان الأليف الوديع الذي انقلبَ شرساً عندما اقتضى الأمر دفاعاً عن أصالة الأُلفة القديمة مع الأشياء– وتجنيد العمال مفتولي العضلات لإزالة الباب لم يستطع الجديد الانتصار– مؤقّتاً– إلاّ في غفلةٍ عن عيون حراس القديم وسدنته إذ كانت الأسرة في رحلةٍ. حزنت الأسرة وأحسّت أنّ الباب لن يعود أبداً وبدا وكأنَّهُ قد قُضِيَ للحداثة والقيم الجديدة بالانتصارِ على الأصالةِ والقيم القديمة. لذا رثا سدنة القديم البابَ وبكته الأسرةُ بكاءاً مراً بعد أن صار المنزل فارغاً موحشاً، إلاّ الطفل هشام «رمز الحداثة والقيم الجديدة» لم يُبكِ. كان يقول «بابنا أسمح باب في الحلّة ولا نعيره التفاتاً».
هرب الخادم الذي لم يؤمن، كما آمن الآخرون في حزنٍ واستسلامٍ، باندثار القديم من القيم التراثية الأصيلة إلى الأبد بل مثّلَ روح المقاومة وعناد القديم في تشبّثه بالبقاء رغم أنّ هزيمته واندحاره قد صارا يبدوان له حتميين «كما تبيّن في موقف الأسرة». ثمَّ أوهمنا الكاتب بانتصار القديم الذي كأنه قطّ ذو سبعة أرواح حينما تمكّن الخادم، روح المقاومة والثبات على القديم وتوقّد جذوة الإيمان الدّائم به، من الإتيان بباب السُّنط رغمَ أنّه كان «في آخر السّما»، كما كان يصرّ على الإجابة كلّما سُئل «لقيتو وين؟» وقد انهار حتى الدكتور زيادة، رمز العلم والثقافة العصرية، أمام هذا الانتصار. ولكن رغم هذا لم تنهار بذرة الجديد الوليدة «الطفل» بل قاومت القيم القديمة التّراثية بجنونها المتهوِّر المندفع بلا تروٍّ كأنه «حتمية تاريخية» وقانون تطوّر لا بد من نفاذه.
«إذا الزّول ده كسر الباب- الباب الجديد- أنا حا أرمي نفسي من هنا». قال الطّفلْ. اقتنعت الأسرةُ ذاتُ الحنينِ الأصيلِ للقيمِ القديمةِ، من بعدِ ذلكَ وأمام إصرارِ الطّفل «روح القيم الجديدة والتّطوّر»، بإمكانِ تعايُشِ القديمِ والجّديدِ معاً دونَ حاجةٍ لإحلالِ القديمِ محلّ الجّديدْ.
«إقتنعنا أخيراً بأنّه يُكفينا تأمّل هذا الباب [رمز القديم]»- تُقِرُّ الأسرةْ. لكنَّ الجّديدَ، في اندفاعِهِ المُتمرّدِ المحتُومِ، لا يرضى بأنصافِ الحِلُولِ فيُحطّم بتهوّرِهِ رمز القيم التّراثيّة الأصيلة (يُحطّمُ الطِّفلُ البابَ بإحراقِهِ، بتهوّرٍ، مُشعِلاً سيجارةً في يدهِ… إلخ).
في النّهايةِ يتركنا القاصُّ نتساءلَ عن من المُنتصر:- التّراث أم المعاصرة؟ فهو لا يُجيبُ على ذلكَ، بل يؤُولُ، في قَصِّهِ، الطّفلُ (رمزُ القيمِ الجديدة) إلى الموتِ بيدِ الخادم، كما ويحترقُ باب السّنط (رمز القديم الأصيل) فيما يهربُ الخادمُ (روحُ المقاومةِ للجّديد). ماذا يبقى إذاً- وحالُ القَصِّ هكذا- من القيم الجديدةِ والقديمةِ «التّراثيّةِ» معاً؟ أليس من بعدٍ سوى عصرِ فراغٍ وانهيارٍ لأيِّ نظامٍ ممكنٍ من القِيمِ، حديثاً وجديداً كان أم قديماً وأصيلا؟ أليس من مُضَمّناتِ ذلكَ التأريخُ لنهايةِ الإيمانِ بأيِّ قيمٍ كانتْ والغرقُ في اللامبالاة بأيِّ قيمٍ ما، سواءاً كانت تلكَ هِيَ القيمَ القديمةَ الأصيلةَ أو قيم التّطوّر المتجددة المواكبة لروح العصر أو حتّى صيغةً قيَمِيّةً ما مُمازَجةً بين ذينكما؟
ذلك، فيما أشعرُ، ما تُوحي به نهايةُ هذه القصّةِ الرّائعةْ [باب السّنط].. وكفى.. أمّا عن لغة القصّة إيّاها فهي أليفةٌ وحميمةٌ وجميلةٌ في بساطتِها، بعيدةٌ عن التّحذلُقِ والخَطابيّةِ ومطاردةِ البلاغاتِ الشّكليّةِ التي صارتْ سمةَ العديدِ من كتاباتِ الشّبابِ في هذه الايّامِ والتي كثيراً ما نلقَى فيها تحذلُقَاً وتَعَالُمَاً كتحذلقِ عثمان أحمدون في قطار الثّامنة- الذي أشارَ إليهِ مختار عجوبة (1) ومن بعدِهِ أسامة الخوّاضْ (2)- في قولهِ على لسانِ بطلِ القصّة:- «قال لي أنتَ مّثاليٌّ جدّاً.. قُلتُ لهُ غير معقول لأنّ المثاليّةَ عاشتْ في القرن الماضي وحلّتْ محلّها الواقعيّة. إن كنتَ تقصد اللامعقول فهو تطوير للواقعيّة الموجودة». نجدُ مثل ذلك في قصة التّجاني محمد خير- من رابطة دارفور الأدبيّة- المسمّاة الحسناء والأربعة- التي نُشِرَتْ في المساحة الأدبيّة، مجلّة الإذاعة والتلفزيون والمسرح (26 يوليو 1980)- حيثُ يتدخّل القاصُّ في الحَكْيِ ليحدّد رأياً أستاذيّاً في الغناء:- «يلتقون في نفس الوقتِ الذي حدّدوهُ. يجلسونَ وسطَ صحنِ الدّارِ يستمعونَ إلى لحنٍ من ألحانِ وردي التي تحملُ الحنانَ التَّعبيرَىَّ الذي تتميّز بهِ أغنياتُهُ». كما ونجدُ، على سبيلِ ذلكَ، عبد الرّحمن بابكر عبد الرّحمن يحشدُ، في قصّته المسمّاة التّوبة (المساحة الأدبيّة- 27 مارس 1980)، عباراتٍ وعظيّةً وخَطَابيَّةً كثيرةً:- «كانتْ تُمارسُ كلَّ معاني الغيِّ والغِوايةِ. كانتْ تُفْنِي زهراتِ عمرِها في عملٍ لا يرضاهُ الله ولا يقبلهُ المجتمع. كانتْ عربيدة. كانت قوّادة… إلخ».
على كلٍّ، هذه القصّةُ (باب السّنط) قد أبهجتْنِي. وخلاصةُ الأمرِ هنا، أو «خَرْجَتُهُ»، إذا استعملنا لغة الموشّحات، هو أنّ سعد الدّين إبراهيم قد حقّق في قصّتِهِ هذه ما كان يحلُمُ به عبد الرّحيم أبو ذكرى كلغة للشّعر وهي لغة البساطة التي تأسرُ التجربة الشّعريّة كاملةً، كما وهو قد حقّق ذاتَ الحُلِمِ- بمُوازاةٍ- في قصائدهِ الغنائيّةٍ إذ تتميّز تلكَ بأنّها أليفة وحميمة وبسيطة في لغتها وعميقة في مضامينها في نفسِ الوقتْ (أضربُ مثلاً لذلكَ قصيدةْ قَول في حبيبتِي التي يُغنّيها أبوعركي البخيتْ).


الحس الجمالي والذوق الوجداني في ديوان سعد الدين أبراهيم

عز الدين ميرغني

صدر ديوان ( حروف للعزيزة ) , للشاعر الجميل سعد الدين أبراهيم , بغلاف رائع وجميل من مطابع ( صك العملة ) , وتحت رعاية شركة زين للاتصالات . في طبعته الأولي , وهو أول دواوينه . ومن قبل قد تغني له العديد من الفنانين السودانيين . والديوان مكتوب بالعامية الأقرب إلي الفصحي , أو ما يمكن أن نطلق عليها لغة ( الميديا ) , أو لغة الوسط المديني السوداني . وقصائد الديوان تقل فيها عامية الريف المنسية أو الموغلة في القدم , بحكم نشأة الشاعر في المدينة ( أم درمان ) . وبحكم المهنية الثقافية التي عمل بها وتأثر بها ولا يزال ( مهنة الكتابة الصحفية ) وهذا التأثير يبدو واضحا وجليا من المفردة الخبرية الواضحة في أكثر قصائده .
لقد ساعد الشاعر سعد الدين أبراهيم , في أن يكون شعره مألوفاً , ومستساغاً , وجلياً , واضحاً , هو تعود الأذن السودانية عليه من خلال الأشعار التي تغني بها له كبار الفنانين . ولعل اسم الديوان نفسه هو عنوان لقصيدة مشهورة مغناة . وهي كلمات رصينة , أعطت للأغنية السودانية هيبتها واحترامها . وشعره في مجمله يمثل العفوية الصادقة , والوجدانيات العميقة . بعيداً عن الغموض المتكلف . وشاعرنا هو من جيل السبعينات , والذي تأثر كثيرا بمدرسة الشاعر الانجليزي ( ت . أس , إليوت ) , والتي كانت تنادي بإعادة الشعر إلي الحياة . أي استلهام لغة الحديث اليومية أو ما يسمى ( لغة الواقع اليومي ) , وقد تأثر بها الشاعر المصري الدكتور لويس عوض وكتب بعض أشعاره بالعامية في ديوانه ( بلوتولاند ) . وقد أثرت كثيرا في شعراء جيل السبعينات في السودان . أمثال الشعراء محمد المكي أبراهيم , وابراهيم عبد القيوم , والجيلي عبد الرحمن , وعبد الله شابو وغيرهم . وهو ما يميز ديوان ( حروف للعزيزة ) , والذي كتب بلغة عامية أقرب للغة الحياة الواقعية اليومية , وهو من الذين من تعبير لغوي فني , الي بوح وجداني وتجربة حياتية معيشة وصادقة . خالية من التقريرية واللغة المبتذلة الفجة .
وما يميز القصيدة عند شاعرنا , أن التركيب اللفظي , ليس وحده هو أساس البنيان اللغوي , ولكن الصورة الشعرية , ذات الطابع الحياتي والواقعي اليومي , ( التشبيهات الرومانسية من الطبيعة والاستعارات اللغوية اليومية ) . يقول في قصيدة ( حروف العزيزة ) , ( المواعيد لسة حزنانة بتنادي , والأماسي بتبكي في أسي ما اعتيادي , والصور مطلية باللون الرمادي ) , فهو يصور الحياة اليومية في المدينة , حيث المواعيد , والأماسي , والصور الملونة , ومشية المرأة العاملة ) , فحبيبته هي نفسها صورة حية مجسدة للمكان الذي تتحرك وتعيش فيه . فهي بنت مدينة , خدودها تفاحتين , وضفائرها راقصات , وخدودها مشرقات , وفي مخدعها , ( فتايل الريحة , والدواليب , والرفوف الفاضية من كل الزوايا فهي بنت مدينة : ( مرّة لاقت في المدينة , الحمامات الحزينة , وكانت أول مرّة في عمر المدينة : إنو المدينة نامت ما حزينة , ويهتف الشاعر لها ( تحيا محبوبتي الحنينة ) . والشاعر يحكي للناس عن محبوبته , والحكي تنبيه قوي , لأنها موجودة في المكان الواسع الذي يبتلع الناس ولا يلتفت اليهم ( المكان المدينة ) , في عنده ( الحبيبة المميزة ) , والتي لا تشبه الأخريات , فهو يجسدها صورة حية , تأخذ من الطبيعة الحية , ويحكي للناس قائلا انها ليست غريبة ( فهي ماخدة حاجات منكم ) , أصيلة ووليفة , وبعيدة وليست قريبة , أي لا تظنوا بأنها سهلة , لأنها بنت مدينة فهي صعبة المنال . ويختم القصيدة بحسه وعفويته الصادقة والبريئة , وبروح المدينة المتسامحة قائلا : – ( يلا صفقوا كلكم ) فقد تمشهدت أمامكم . فالرؤية عند الشاعر جد قوية , وهي رؤية بصرية مجسدة , بتقنية الجرافيك , وذلك لأن الحبيبة قد احتلت مكاناً ومساحة في داخله . فهي تملأ كل إطار الصورة , فيقول :
أسألي الشوق في عيوني , قدر إيه جواي مساحتك
قايدةفي صدري المشاعل من وهج نيران سماحتك
من متين يا حلوة وانت ماخدة في وجداني راحتك
ويقول فيها أيضاً , ( يا الكبرتيمعاي , وصرتي مالية كل الصورة انتي ) فهي محفورة ومرسومة في عميق وجدانه , فهي ليست خيالاً , وانما ( هي مرتاحة بداخله , وهو مرتاح بوجودها ) .
والحبيبة في هذا الديوان , قد ترمز في دلالة مفتوحة لأكثر من تاء مربوطة , فقد ترمز للحرية , أو الإنسانية , أو القيمة الأخلاقية , أو نفسه الداخلية . وقد تتخلص من تائها المربوطة , لتنفتح علي الوطن , أو الكون الانساني في اطلاقته ورحابته . لقد أكد الناقد والشاعر المصري الدكتور لويس عوض , في ديوانه المذكور بأن اللغة العامية لها المقدرة علي استيعاب شعر الخاصة , ورؤيتهم العميقة لكل جوانب الحياة , فديوان ( حروف للعزيزة ) يؤكد تلك المقولة . فشعر المجموعة فيه هموم الذات ورؤيتها , وأشجانها العامة والخاصة , فقد غنّي الشاعر سعد الدين للحبيبة الوطن , وللوطن الحبيبة , فالمكان أيضا صار محبوبه , لأن الحبيبة منه وفيه , ويشبهها وتشبهه . وهي التي تفرّح كل الحزانى , وتعطي الحمامات الحزينة برتكانة, وهي التي تجعل المدينة تنوم ( ما حزينة ) , ولونها هو لونهم , ( ندي الشروق الغنّي لي زراع أرضنا ) , وهي : ( زي الشعاع يدخل رواكيبناوأوضنا ) , وتحمل الخير لأنها : – ( مخبيا في جيوبا النيل) , وهي ثالث ثلاثة الشاعر , مع الأم والوطن .
وعندما تتحد الأنا عند الشاعر مع الأنوات الأخرى , تصبح ال – نحن , أكثر سماحة , وأمناً وسلاماً , يقول :-
يفرحوا الجيران عشانا ويصدحوا الأطفال نشيد
وعن محبتنا وهوانا وكل يوم الحب يزيد
يحفظوا العشاق غنانا معاني للفهم الجديد
يفرحوا الناس الحزانى والمواسم تستعيد
إن زمن الكتابة في هذا الديوان , هو زمن القراءة , وهو الشعر الذي يواكب معناه كل الأزمان . فلم يؤرخ للقصيدة تاريخاً , فالحب عنده لا يؤرخ , فالقلب مفتوح الذراعين لاستقباله في أي وقت . وقلب الشعراء لا يشيخ . والشعر الجميل لا يحده عمر ولا تقيده سن . وقلبه يغني للجمال دون قيد . وتجربته الجمالية الثرة , تجعله يتوقف عند كل مشهد أو لحظة جميلة تستوقفه , لذلك فالمعني لا يستريح ويتوقف ليدخن كما قال الشاعر اللبناني ( سيركيس بولس ) , وانما يقف دائما مستعداً , لكي يساعد الشاعر في التقاط لحظاته الجمالية ليقدمها سائغة الشراب للمتلقي . والشاعر سعد الدين بموهبته السردية القصصية , فهو كاتب قصة رائع , فالشعر عنده هو حكي وجداني , يسرده للآخرين . تجربة عاطفية حية ومجسدة , تصلح لكل متلقي في كل الأزمنة والأمكنة . وقلبه ليس منغلقا علي تجربته الذاتية فقط , وانما يحب كل من هو عاشق محب مثله . فهي قمة الجمالية المفتوحة . يقول في قصيدة ( ولد وبت ) , مُعجباً , وناصحاً موجهاً , : – ( ولد وبت ماسكين بعض , يختالوا في عز الصبا , طايرين علي صدر الأرض , والأرض بيهم معجبة , كدة بسحروكم يا شباب , حلوين كدة , ورايعين كدة , الريدة وصلت للسحاب , بيكم تقول الحب بدأ, قدلة ثقة , وملمح تقى . فهو يريد أن يجمل الحياة بالمزيد من الحب لأنه شاعر وجداني يعرف قيمته أي قيمة الحب وفائدته للإنسانية . فهو لا يطلب منهم أن يكتبوا الشعر مثله فهو مثل مجنون ليلي ( لا ينشد الشعر إلا تداوياً ) . فقدره أن يكتب الدهشة للآخرين , ويداوي أرواحهم . يقول في قصيدته الرائعة ( علي باب القلب ) : –
الحزن سحابة تعدي اصطاد يا صاحبي الفكرة .
استني لغاية بكرة دي الشمس بتشرق بكرة .
والليل يرحل بنجومووهمومو , بتصبح ذكرى .
الناس بالناس والإلفة والود والحب والعُشرة .
إن خاصية هذا الديوان , هي الغنائية , والذاتية المترفة بالجمال واحساسه الرائع , وهي ليست ذاتاً منغلقة علي عاطفتها , وانما منفتحة عليه أنّي توجهت ركائبه . ولو تصفحت الديوان تجده خاليا تماماً من الأنا المباشرة . فهو صوت وصدي للحب , في اطلاقه وليس في خصوصيته المنغلقة . فقمة سعادته هو ان يفرح ويسعد بحبه الآخرون . يقول : –
يفرحوا الجيران عشانا ويصدحوا الأطفال نشيد .
عن محبتنا وهوانا , كل يوم الحب يزيد .
يحفظوا العشاق غنانا , معاني للفهم الجديد .
إن ما يميز شعر سعد الدين أبراهيم , من غيره من شعراء العامية في بلادنا , هو أنه لا يكتب بالعامية لسهولتها , والتي امتطي علي ظهرها الكثيرون من ركاب الشعر , فهي دابة حنينة , ولكنها في أحيان كثيرة قد تحرن ولا تتحرك , إلا لمن يعرف يقودها ويمسك رسنها , ويعرف الدروب التي تجيد السير فيها . فقد أبطأت السير بالكثيرين فأصبحوا في أشعارهم محلك سر . فالشاعر سعد الدين ابراهيم , من بين قليل من شعراء العامية , الذين جعلوها وسيط جمالي , ووسيلة لتوصيل المعني , وليس غاية كتابية وشعرية متكلفة ومصنوعة . فهو قد فصحنها ودجّنها , وحضرنها , وجعلها طيعة ومستساغة , برغم أن هنالك بعض الأبيات قد تاهت بين الفصحي والعامية فاختل وزنها التفعيلي , رغم أن المعني قد وصل سريعاً , وما يحمد علي شعر العامية انه يرحب بالفصحي دون أن تطغي عليه , فان فعلت فهي تهبل بها وتجعلها نشازا وسذاجة , كالذي يتكلم بالفصحي وهو بين العامة . فقصيدة ( موشح ) , يمكن أن تقرأها بموسيقية ونفس اللغة الفصحي , ويمكن كذلك أن تقرأها ايضاً , بموسيقية اللغة العامية المُسكنة , وهي مقدرة أسلوبية متمكنة , ومن ميزاته الأسلوبية هو المقدرة علي بدء الجملة الشعرية بالمبتدأ والخبر , وهو يدل علي تطويعه العامية لكي تتماهى مع الفصحي , دون ان تتعالي او تتكبر عليها . يقول في هذه القصيدة : –
يا حبيبي حيثما . . . سرت صورتك في المكان
قلبي يفرح بينما . . . أنت سادر في الخصام
برضي طامع ربما . . . يرجع الحب والسلام
يا حبيبي حيثما . . . سرت صورتك في المكان
وحبيبة الشاعر نفسها , تمثل المرأة المثالية , وتمثل البراءة الأولي والطفولة الخالدة , فالشاعر يحن لهذا الزمن الجميل , وسط اللا براءة واللا طفولة . يطلق عليها ( فاطمة السمحة ) , وهي رمز الجمال عند الطفل السوداني في الزمن الماضي قبل طغيان ثقافة الصورة . والشاعر هو فارسها الذي يحميها ويدافع عنها , فهو يستحقها بجدارة . يقول عنها : ( فاطمة السمحة طلت من عمق الحجا , ازدهت المواسم وشال غيم الرجا) وفي قصيدته ( فاطنة وحسن ) , يكشف حنينه للطفل الجميل الذي بداخله , والذي يحب بعفوية وبراءة , فيقول مخاطباً لها : ( فاطمة يا فاطمة , حبك نما , بي عيونك مغرمين , وانتي بيهم مغرمة ) . ففاطمة حبيبة الجميع وليست له وحده . ولأنه هو فارسها حسن الشاطر , فهو واثق من حبها له, ( فاطمة الشاطر حسن , يا فاطمة مسافر من زمن ) , فالحبيبة موجودة ( حجوة خالدة بداخله ) , فزمنيا موجودة بداخل وجدانه , ( يا الكبرتيمعاي وصرتي , مالية كل الصورة عندي ,وبكل البراءة يعترف لحبيبته بأنها ليست وحدها التي في داخل قلبه , فهي ثالثة ثلاثة مع أمه والوطن . ( تلاتة حبايب متحدين , مطبوعين علي شاشة العين , زينة الدنيا وسحر الكون ) .
والشاعر حتي في بكائه وانكساره , فهذه البراءة هي ملازمه الاول , يقول في قصيدة ( الشارع الخالي ) , : –
في الشارع الخالي ووحداني .
مستني مهيئ وجداني
أسمع خطواتك بتقرب
أفتح للآخر أحضاني
تاري الخطوات أصداء ماضي
بتخيل ترجع من ثاني
خلوني حبايبي وخلاني
لكن الشوق ما خلاني
فروح الشاعر بريئة وقلبه قلب طفل لا يكبر , ما يزال محتاجاً للأحضان الدافئة , ( داير أحضان اهرع ليها , وأنا حب الناس احتلاني ) . فالحبيبة هي الوطن , وهي البلد , وليس هنالك حضن أكبر من حضن البلد والوطن. ( وين حضنك أبكي فيهو أنتي والايام علي ) . فالطفولة بداخله خالدة لأنها تمثل الزمن الجميل الذي لن يعود .
من كنت صغير بلعب في التراب
الدنيا علمتني . . استحمل العذاب
أحلم وامني نفسي بالجاني في الشباب
أحلم وأمني نفسي لكنو أملي خاب
بقت الطفولة أجمل والغد صبح مهاب
هذا هو ديوان الشاعر وأحد ظرفاء المدينة , سعد الدين أبراهيم , أهداني له , وقد كتب فيه بظرف : ( أتمني أن تقرأ حروفه حسبما تشاء من اليمين أو من اليسار , حسبما شئت , والحق أنني قرأته من كل الاتجاهات , وأنا منطرب مغني , لأنه قد علمنا منذ القديم كيف نطرب للشعر الجميل .