معاناة مواطني كسلا في مقابلة واليهم آدم جماع

بقلم : حامد إبراهيم
لست من هواة التردد على منازل الدستوريين , كما أنني من الزاهدين على الجلوس بالساعات أو حتى بالدقائق في إستقبال مكاتب الولاة ووزارئهم ومعتمديهم والحق لله فإنني أحرص على تسجيل وحفظ أرقام هواتف الدستوريين والسياسيين عموما لخلق شعرة معاوية بيني وبينهم تعينني في التواصل معهم متى ما كان ذلك ضروريا وأخذ وجهة نظرهم في مظالم الناس وشكاويهم قبل نشر المادة كما تتطلب مبادئ مهنة الصحافة التي تحتم علينا أن نروي القصة بمختلف رويات أطرافها حتى لا نتسبب في ظلم أحد أو الإنحياز لجهة ولكن في أحايين كثيرة يتحاشى بعض الدستوريين الرد على مكالماتنا الهاتفية إما خشية أو ترفعا أو لمشاغلهم الكثيرة وهذا أمر لا يقلقنا كثيرا حيث أن عدم تعليق الدستوري أو إمتناعه عن الخوض في أي مادة من المواد لا يمنعنا من نشرها لأننا حينها نكون قد أتحنا له الفرصة ومن حقه الأخذ بها ومن حقه الرفض شأنه في ذلك شأن الأطراف الأخرى في القضية
ما جعلني أسوق المقدمة الطويلة أعلاه هو ما حدث في الأسبوع الماضي عندما أصر علي أحد الزملاء وهو صديق عزيز بالنسبة لي أن أصطحبه في زيارة الوالي آدم جماع في منزله بكسلا لأمر هام يخص صديقي وكان الوقت قبيل صلاة المغرب وإعتزرت له في بادئ الأمر موضحا أنني لا أحبز الذهاب إلى الدستوريين في منازلهم بل حتى في المكاتب الرسمية إلا (للشديد القوى ) وأوضحت له أن الناس في ولاية كسلا يحكون دائما عن صعوبات تواجههم في لقاء الوالي آدم جماع تحديدا سواء كان في مكتبه أو منزله ولكن تحت إصرار الصديق وافقت على إصطحابه إلى منزل الوالي
بئر معطلة وقصر مشيد
إستقلينا عربتي في الذهاب إلى منزل الوالي الواقع في وسط المدينة وتحديدا في المكان الذي أزيلت منه المقار الحكومية القديمة في عهد الوالي السابق ويتكون من طابقين ويحتل مساحة ألفي متر مربع وكانت أولى المفاجأءات غير السارة بالنسبة لنا أنا وصديقي عندما طلب منا أحد أفراد حراسة المنزل أيقاف العربة في مكان بعيد جدا من منزل الوالي رغم أن بعض العربات الفارهة كانت رابضة أمام المنزل وجال بخاطري أن أقول للعسكري الذي أمرنا بذلك ما قال فناننا الراحل عبد العزيز محمد داؤد عندما طلب منه أحدهم عدم إيقاف عربته المتهالكة أمام القصر الجمهوري فسأله أبو داؤد ( مالا ؟ بتبعر ؟ ) ولكن صرفت النظر عن ذلك حتى لا أسبب مشاكل لصديقي وأتسبب في إنهاء المسلسل قبل أن يبدأ والطبع إمتثلنا للأمر الجائر وأوقفنا العربة بعيدا وعند دخولنا للمنزل دهشنا أنا وصديقي أيما دهشة من الفخامة غير العادية للمنزل أو إن شئت قل القصر ( ما شاء الله تبارك الله ) إبتداءا من مدخل المنزل و ساحته الأمامية التي زودت بحديقة جميلة كسيت بنجيل متناهي الخضرة علمت أنه مستورد تراصت فوقه مقاعد ثابتة بصورة دائرية .. تجاوزنا مفاجأة المدخل ودلفنا إلى الصالون الفسيح لاحظت أنه ملئ بصور الوالي مع الشخصيات المهمة داخل وخارج السودان بالإضافة لصورة أكبر حجما للرئيس البشير مما يضفي على المكان رغم سعته الطابع الرسمي أكثر من الإجتماعي المهم حضر إلينا أحد الشباب يبدو أن عمله ينحصر في الترحيب بضيوف الوالي وتقديم واجب الضيافة لهم حيث أحضر لنا كوبين من الماء وإستفسر كل منا عن ما يود أن يشرب شاي ولا قهوة وهو أمر شكرناه عليه وسألناه إن كان الوالي موجودا فاعتزر لنا بلطف أنه غير مخول بتمليك مثل هكذا معلومات
تحسست هاتفي الجوال وإتصلت بسكرتير الوالي الخاص الذي رد على مكالمتي بلطف وأخبرني بأن السيد الوالي دخل إلى المنزل قبل قليل وكان في عمل ميداني وسيأخذ قسط من الراحة وطلب مني إن كان الأمر غير مستعجل أن آتي إليه في يوم آخر .. إستشرت صاحبي فأصر على مقابلة الوالي اليوم لأن مسألته غير قابلة للتأجيل وفي هذا الوقت أذن لصلاة المغرب فقمنا وتوضأنا من الحمام الملحق بالصالون وكلنا عشم أن ينزل الوالي من الطابق العلوي ويصلي معنا في فرشات الصلاة التي كانت قد أعدت في الساحة الأمامية للمنزل ولكن يبدو أن جماع كان مرهقا أكثر من اللازم في ذلك اليوم فلم يحضر بينما حضر إلينا السكرتير الخاص فأدينا سويا صلاة المغرب وبعد الصلاة بدأ الناس يتوافدون على منزل الوالي وجميعهم لهم مسائل ملحة تتطلب مقابلة الوالي حتى بلغ عدد الحضور أكثر من خمسة عشرة شخصا تم إجلاس الجميع في المقاعد الثابتة في ساحة المنزل الأمامية بعد أن تم إحضار مفارش لها من داخل المنزل وبدا الأمر وكأن السيد الوالي على وشك الحضور للمكان الذي نحن جالسون فيه وأصبح الجميع في حالة ترقب خاصة بعد وصول مدير مكتب الوالي وزيادة حركة السكرتير الخاص وشروع الإثنان السكرتير والمدير على تفحص أوراق المواطنين وإستفسار البعض منهم عن غرضه من مقابلة الوالي وقام مدير مكتب الوالي بتحويل بعض المواطنين إلى الوزارات المختصة فامتثلوا لأمره على مضض ودون قناعة وقد ظهر ذلك من خلال حديثهم معه وبعد قليل علمنا أن الوالي سيكون في الصالون وسيسمح للناس بالدخول عليه واحدا بعد الآخر مع التشديد على الداخل على سرعة المغادرة وتحديد أزمان محددة ( عندك ثلاثة دقائق يازول رجاء أطلع بسرعة ) بالفعل تم إنتقاء أحد المواطنين الذي كان يناديه السكرتير بلقب الدكتور وذلك عندما همس له في أذنه طالبا منه التفضل بالدخول وبعض هنيهة وقبل أن يخرج الدكتور حضر رتل من ضباط شرطة مكافحة التهريب وهولاء طبعا لم يمروا بالمكان الذي كنا نجلس عليه ودلفوا مباشرة للصالون الفسيح مما يعني أنهم سيجتمعون مباشرة مع الوالي ومرت ساعات مملة وحضر أيضا بعض الوزراء والمعتمدون فدلفوا هم الأخر إلى الصالون ..
من جانبها فإن كادر الضيافة لم يقصر شئ فأحضرلجميع الحضور شاي بالحليب ومعه زلابية فقال رجل من المنتظرين بصوت مسموع يا إبني نحن ما دايرين زلابية نحن دايرين نقابل الوالي عندنا مسائل مستعجلة .. بدأ صديقي في التضجر وطلب مني أن نغادر ولكني طلبت منه الإنتظار وبعد ساعة أخرى أخبرني صاحبي بأنه ليس باستطاته أن يصبر أكثر من ذلك فودعته وقلت له أنني أريد أن أتأخر شوية لأنني شرعت بالفعل في عمل قصة عنوانها (معاناة مواطني ولاية كسلا في مقابلة واليهم ) .. غادر صديقي الذي كان صاحب المبادرة بالحضور إلى منزل الوالي حيران أسفا وبقيت أنا الذي كنت زاهدا في المجئ لأعرف نهاية القصة .. رفع النداء لصلاة العشاء صلينا في ذات المكان لم نرى الوالي أيضا .. ما زال الدكتور وضباط الشرطة والوزراء والمعتمدون في الداخل والمواطنين البسطاء في الخارج وقد قضوا على أكواب الشاي بالحليب وأفرغوا صحون الزلابية ولكن في المقابل صارت آمالهم في مقابلة الوالي تتضاءل سألت رجل كان يجلس بجانبي لماذا لا تذهب للوالي في مكتبه ؟ قال أنه قادم من محلية ود الحليو وظل يتكرر على مكتب الوالي وبيته لأكثر من خمسة أيام ولم يحظى بلقائه حتى الآن وقال أنه إذا لم يتمكن الليلة من لقاء الوالي فسينصرف ويرفع أمره لله رب العالمين .. مضى زمن كثير صار بعض المواطنين ينصرفون بقى أناس قليلون جالسين على الكراسي الوثيرة خارج المنزل .. حانت الساعة العاشرة ولم يدخل أحد .. إنصرف معظم الحاضرون وإنصرفت معهم لأنني بصراحة لم أستطع تحمل المزيد من الإنتظار غير المفضي إلى شئ