كذبة أبريل .. وثورة أبريل

عبد الله مكي
هناك بعض القضايا والمواضيع ارتبطت بأيام وشهور معينة، أو مواسم السنة المختلفة كالشتاء والصيف مثلاً. فشهر مارس مثلاً في السودان تحديداً وخاصة مع فئة الطلاب، تم تسميته بـ(مارس شهر الكوارث) نسبة لأنّ امتحانات الشهادة الفاصلة في مسيرة الطلاب تكون في هذا الشهر، ثم جاءنا عيد الحب (فلنتاين) في فبراير، وأيضاً عيد الأم ويوم المرأة في شهر مارس، ورأس السنة في شهر يناير، وغيرها من الأعياد والمناسبات المختلفة.
لكن شهر ابريل ارتبط بشيئ غريب على النفس الإنسانية السوية، وهوالكذب والخداع، فكانت بدعة ما يُسمى بـ(كذبة أبريل)، فما هي قصة هذه المناسبة؟ وأين كانت نشأتها؟ ومتى بدأت؟ وأين بدأت؟
يوم كذبة إبريل هو مناسبة تقليدية في عدد من الدول توافق الأول من شهر إبريل من كل عام. ويوم كذبة إبريل لا يُعد يوماً وطنياً، أو مُعترف به قانونياً كاحتفال رسمي. لكنه يوم اعتاد الناس فيه على الاحتفال وإطلاق النكات وخداع بعضهم البعض. وفي الأول من أبريل في كل عام تحصل مواقف كثيرة ‏معظمها طريفة وبعضها محزن بسبب كذب الناس في مثل هذا اليوم.
وأصل هذه الكذبة المُنتشرة في غالبية دول العالم باختلاف ألوانهم وثقافاتهم. حسب أغلبية آراء الباحثين على أن ” كذبة أبريل ” هي تقليد أوروبي، قائم على المزاح، والنكات، والضحك، والكذب، حيث ‏يقوم فيه بعض الناس في اليوم الأول من شهر أبريل بإطلاق الإشاعات أو الأكاذيب ويُطلق ‏على من يُصدِق هذه الإشاعات أو الأكاذيب اسم ” ضحية كذبة أبريل “.
وقد بدأت هذه العادة في فرنسا، وذلك بعد تبني التقويم المعدل الذي وضعه شارل التاسع في العام 1564م وكانت فرنسا أول دولة تعمل بهذا التقويم، وحتى ذلك التاريخ كان الاحتفال بعيد رأس السنة يبدأ في يوم 21 مارس وينتهي في الأول من أبريل بعد أن يتبادل الناس ‏هدايا عيد رأس السنة الجديدة.
ولكن عندما تحول عيد رأس السنة إلى الأول من يناير، ظل بعض الناس يحتفلون به في الأول من أبريل كالعادة، ومن ثم أطلق عليهم (ضحايا أبريل) وأصبحت عادة المزاح مع ‏الأصدقاء وذوي القربى في ذلك اليوم رائجة في فرنسا، ومنها انتشرت إلى البلدان ‏الأخرى، وانتشرت على نطاق واسع في إنجلترا بحلول القرن السابع عشر الميلادي، ويُطلق ‏على الضحية في فرنسا اسم (السمكة) وفي اسكتلندا (نكتة أبريل).
ويرى آخرون أنّ هناك علاقة قوية بين الكذب في أول أبريل وبين (عيد هولي) المعروف في الهند، والذي يحتفل به الهندوس في 31 مارس من كل عام، وفيه يقوم بعض ‏البسطاء بمهام كاذبة لمجرد اللهو والدعاية، ولا يكشف عن حقيقة أكاذيبهم هذه إلا مساء اليوم الأول من أبريل.
وهناك جانب آخر من الباحثين والمدققين في أصل الكذب يرون أن نشأته تعود إلى القرون ‏الوسطى، إذ أن شهر أبريل في هذه الفترة كان وقت الشفاعة للمجانين وضعاف العقول، ‏فيُطلق سراحهم في أول الشهر، ويُصلي العقلاء من أجلهم، وفي ذلك الحين نشأ العيد ‏المعروف باسم (عيد جميع المجانين) أسوة بالعيد المشهور باسم (عيد جميع القديسين).
ولكن هناك باحثون آخرون يؤكدون أنّ كذبة أول أبريل لم تنتشر بشكل واسع بين غالبية ‏شعوب العالم إلا في القرن التاسع عشر.
والواقع أنّ كل هذه الأقوال لم تكتسب الدليل الأكيد لإثبات صحتها، وسواء كانت ‏صحيحة أم غير صحيحة، فانّ المؤكد أنّ قاعدة الكذب كانت ولا تزال في أبريل، ويعلق ‏البعض علي هذا بالقول أنّ شهر أبريل يقع في فصل الربيع ومع الربيع يحلو للناس ‏المداعبة والمرح.
وقد أصبح أول أبريل هو اليوم المباح فيه الكذب لدى جميع شعوب العالم، ‏فيما عدا الشعبين الإسباني والألماني، والسبب أنّ هذا اليوم مقدس في إسبانيا دينياً أما في ألمانيا فهو يوافق يوم ميلاد ” بسمارك ” الزعيم الألماني المعروف.
والطريف أيضاً في كذبة أول أبريل أنها تساوي بين العظماء والصعاليك، وبين الأغنياء ‏والفقراء، فقد حدث أن كان كارول ملك رومانيا يزور أحد متاحف عاصمة بلاده في أول ‏أبريل، فسبقه رسام مشهور، ورسم على أرضية إحدى قاعات المتحف ورقة مالية أثرية من ‏فئة كبيرة، فلما رآها أمر أحد حراسة بإلتقاطها، فأومأ الحارس على الأرض يحاول ‏التقاط الورقة المالية الأثرية ولكن عبثا.
وفي سنة أخرى، رسم الفنان نفسه على أرض ذلك المتحف صوراً لسجائر مشتعلة، وجلس عن ‏كثب يراقب الزائرين وهم يهرعون لإلتقاط السجائر قبل أن تشعل نارها في الأرض ‏الخشبية.
ومثل هذه الأخبار تشبه حركات (البرلمة) التي يقوم (السناير) – أي الطلاب الأقدم – ضد الطلاب (البرالمة) وهم الطلاب الجدد، حيث يتم عمل عدد من المقالب وبعض أعمال السنة. وتشبه أيضاً برامج (الكاميرا الخفية) في عدد من القنوات الفضائية.
وفي دولة رومانيا أيضاً والتي يُقال إنّ شعبها شغوف جداً بأكاذيب أول أبريل، حدث أن نشرت إحدى الصحف ‏خبراً جاء فيه: (أن سقف إحدى محطات السكة الحديدية في العاصمة قد هوى على مئات من ‏‏المسافرين، و قتل عشرات منهم وأصاب المئات بإصابات خطرة).
وقد سبب هذا الخبر المفزع والذي لم تتحر الصحيفة قبل نشره، سبب هرجاً وذعراً شديداً، ‏وطالب المسؤولون بمحاكمة رئيس تحرير هذه الصحيفة، والذي تدارك الموقف بسرعة وبذكاء، ‏فأصدر ملحقاً كذّبَ فيه الخبر، وقال في تكذيبه: كان يجب على المسئولين قبل أن يطالبوا ‏‏بمحاكمتي، أن يدققوا في قراءة تاريخ صدور العدد الذي نشر فيه هذا الخبر، فقد كان في الأول ‏من أبريل، ومن يومها دأبت الجريدة على نشر خبر مماثل في أول أبريل من كل عام. وهناك أكاذيب انتشرت في كل بلد من بلدان العالم ولا زالت شعوبها تتذكرها ‏وتكررها حتى الآن مع حلول شهر أبريل.