حوار مع القاص والروائي السوداني مبارك الصادق

يعد مبارك الصادق أحد أميز كتاب القصة القصيرة والرواية في جيل السبعينيات ـ وللصادق خاصية تميز بها هي التنقيب في التراث سرديا واستصحاب الثقافة السودانية في بنية الكتابة مع الإنفتاح علي كل أنواع السرد الحديث وهو ناقد ومثقف مثل لأزمنة كبيرة الأقاليم السودانية في المركز كما نشأ في أمكنة السلطنة الزرقاء وعاش في أزمنة ثقافة الوسط حيث يقيم بصفة دائمة في مدينة ودمدني وسط السودان إلتقيناه في حوار حول تجربته والسرد العربي

حوار – محمد نجيب محمد علي – عامر محمد أحمد – تصوير: ابوحريرة

بداية اين تقع مقولة الرواية ديوان العرب ؟ أين موقعها من الإعراب ؟؟
ما أدري اصل هذه المقولة .. برغم تواتر القول بأن هذا هو زمن الرواية .. وقد كان هذا القول قد إنتشر قبل الدراسة التي تحمل ذات العنوان للدكتور جابر عصفور .. ومن المعلوم ان الشعر كان هو ديوان العرب الاثير عندما كانت القبيلة تحتفل بسطوع نجم شاعرها الجديد .
(( وكان نجيب محفوظ – الأب الروحي للرواية العربية قد نشر مقالة بمجلة الرسالة فى العام 1945م او 1946م قال فيها عن الشعر انه ساد قديماً وفرض نفسه لأن الإنسان العربي وقتها كان علي فطرته مشبعاً بالخرافات والأساطير وعندما تدرج فى سلم الرقي والحضارة وإنبثق فجر الطاقة والصناعة وتسارعت الخطي حثيثاً نحو الحداثة – كان لابد من أوعية جديدة , وأدوات جديدة لاستيعاب واردات الحداثة .. من هنا كانت الرواية هي الأقدر علي التعبير عن الانسان العربي الجديد .. وبذلك صارت الرواية هي ديوان العرب)) . وتبعاً لذلك تراجع الشعر القديم , وتراجعت جماعة ابولو وجماعة الديوان , ونشأت تجديدات شعرية اختطت نهجهها الجديد وجادتها . واصدرت الكجيتو الخاص بها رغم الصرعة والصراع نحو الرياده – الملائكية- او السيابية – ولكننا قد نجد هذه الريادة قبل ذلك عند بعض شعراءنا هنا فى السودان ولكن بحسب إرثنا الصوفي – ونكران الذات والتواضع لا نعلن عن أنفسنا – رغم ذلك اعترف الاخوه العرب بأن مصطلح شعر التفعيلة مصطلح صكه الأستاذ الدكتور / عزالدين الامين – متعه الله بالصحة- وهذا بشهادة صلاح عبدالصبور والدكتور عبدالله الخزامي .
واذ كنت قد استطعت ان انقل من الذاكرة ما قال به نجيب محفوظ صحيحاً وقد كان عمره وقتها لم يتجاوز الثلاثينات فان ذلك يعني إستشرافه المبكِّر لأفق التحولات الإبداعية , وطبيعة الانزياحات والتداخلات التي إكتنفت الأجناس الأدبية بحيث صارت الرواية هي الصوت الأعلي والحضور الأكثر فى ساحة الإبداع .
ولكن ألا تري أن السرديات العربية الكبري قد وقفت عند بوابة الف ليلة وليلة ؟؟
الرواية العربية قد إنطلقت لا تلوي نحو حياتنا العربية وصفاً وبحثاً, غوصاً وكشفاً , توصيفاً ومعالجة – بيد أن ثمة أقلام رجعت الي التراث لاعادة قراءاته من جديد , وتوظيف تجلياته وإسقاطه علي واقعنا الماثل , لدواع ذات علاقة بسقف الحرية المتاح. بالطبع ان ثمة كتب تراثية بالغة الأهمية لها أثرها الذي لم ينقطع ولم ينبت – مثل كتاب الاغاني لأبي الفرج الأصفهاني , وشخصياته الغرائبية – والأصفهاني نفسه شخصية غرائبية – فقد قيل عنه – إنه كان منعزلاً لا يزوره احد , وكان وسخاً لا يعرف النظافة والاستحمام – بل كان يفّصل الثوب ويلبسه فلا يخلعه عن جسده حتي يكون قد بلي وتقطع ! وكان عندما يخرج من بيته تتبعه مجموعة من القطط !! فضلاً عن كونه كان نهماً اكولاً. لكنه كان مخلصا لكتابه هذا الذي عكف عليه أكثر من خمسين سنة حتي أخرجه . ايضا كان هنالك كتاب تاريخ الطبري وهو من الكتب الأثيرة لدي طه حسين . بالاضافة لكتاب الحيوان للجاحظ ووفيات الاعيان للحموي وبدائع الدهور لابن اياس / راجع كتابات الغيطاني وراجع شخصيات الاغاني لمحمد المنسي قنديل وغير ذلك بل راجع اثر التراثيات العربية علي الثقافة الغربية استلافات اليوت واقتباساته التي أوردها العلامة عبدالله الطيب واستلافات الادب الروسي بخاصة – بوشكين والذي تأثر بالف ليلة وليلة , وليرمنتوف صاحب رواية بطل من هذا الزمان – تلك الرواية البديعة التي قال عنها النقاد ان ثمة وشائج تربطها برائعة والطيب صالح موسم الهجرة الي الشمال .
وبالجملة الرجوع الي التراث كما اسلفت له دواعيه واسبابه ولا يعني الوقوع فى حبائله والوقوف عند محطاته – بحيث تصير الماضوية والاجترار هما السائدان اما الاستلاف والترهين والاسقاط فلا غبار عليه .
حسنا دعنا نتحرك نحو الرواية السودانية لنري المسكوت عنه وقد اختلف النقاد فى ماهية المسكوت عنه نفسه هل هو لاسباب اجتماعية ام سياسية ؟
من خلال مراكمة الخبرات الحياتية وماهو جار فى المحيط الوجودي للمبدع تبدت له صعوبة السير في حقول الالغام المبثوثة ولهذا صار كثير الحذر وهو يمضي نحو تحقيق المشروع الابداعي وسط ضراوة الضغوط المختلفة وهو مثقل الخطي بحمولات شديدة الوطأة . ولهذا فقد صار له من نفسه رقيب عتيد يكبح جماحه عن الانطلاق / ويمنعه عن الانزلاق / ويحذره من الاقتراب / بخاصة من الممنوعات الثلاث الدين والجنس وقبلهما السياسة – فماذا بقي للكاتب ان هو لم يغمس قلمه فى تلك العوالم – سوي ان يصير نديماً للسلطان فيسامره بالحكي -كان يا ما كان فى سالف العصر والاوان؟؟؟ ولعل ذلك احد اسباب الهروب الي ما قلنا به من الماضوية وكما تري بحسب ما سالت فان للسياسة وللعوامل المجتمعية حضورها الطاغي فى وعي الكاتب وهو يمسك بقلمه وقد أعشت بصره العلامات الحمراء الكثيفة .
اذن والامر كما ذكرت – كيف تنظر الي مستقبل الكتابة السردية السودانية من خلال قراءاتك للأدباء الشباب ؟
حقيقة ان تجليات الواقع المعيش صارت شديدة الوطأة علي المبدع السوداني . وانتما تريان كما اسلفنا الهروب الي الماضي والابتعاد عن الحاضر ومحاولة الانفلات من دوائر الحصار والاجواء القابضه , فالصويم – يكتب عن آخر السلاطين , وحمور زيادة يلجأ الي فترة المهدية , والحسن البكري يقوم مشروعه الابداعي علي سوبا وخرابها فى سمر الفتنة واحوال المحارب القديم , وامير تاج السر يتكئ علي يوسف ميخائيل ويكتب مهر الصياح وتوترات القبطي , الي غير ذلك من التجارب . ومن ثم ما لم يتم الانفلات من ذلك التوجه الي عنوان واضح هو الحاضر الماثل فى تشريح
الداء وكشف الادواء والتي ليست بحاجة الي سماعة او صور مقطعية وبخلاف ذلك فان التحليق الي آفاق بعيدة سيكون بعيد المنال.
هذا يعني انك تري ان الادب السوداني في خارج البلاد مزدهر اكثر من الداخل؟
كتابنا فى ييسابورا الشتات – يجدون اشياء وتغيب عنهم اشياء !! يجدون انهم غير مشتغلين بهموم العيش وشظفه وغير محترقين بنار الغاز والخبز وتعبه ويحلقون فى اجواء الحرية العريضة , ويستفيدون من براح الزمن المتاح .. وفي انطلاقهم نحو الغايات لا توقفهم الاشارات صفراء او حمراء .. لكنهم ايضا يجدون انفسهم بعيدين عن رائحة التراب والدعاش وخضرة الجروف الممرعة , فيسقطون فى احضان النوستالجيا والحنين نتيجة للفقدان .
علي ان المعادلة فى نهاية الامر تتجسد في التوفر علي معطيات العصر التي سهلت سبل الاطلاع علي مستجدات المعرفة , والاستفادة من الوسائط الناقلة – والوقوف علي احدث الاصدارات الطالعة مما يوفر جو المثاقفة , ويؤدي الي اختصار الزمن واهداره المجاني .
وبذلك يمكن ان تتطور مشاريع الكتابة لديهم بخطي متسارعة .. انظر الي مشروع بركة ساكن ,.. والي مشروع عماد البليك بل انظر الي اطراد كتابات د.امير تاج السر .. الادباء الشباب يرفدون الادب السوداني دون شك , ذلك ان الاندياح الافقي لابد ان يؤدي الاخير الي التصاعد الراسي .
حسناً دعنا نتساءل عن التجارب الروائية الحديثة والتي اطلق عليها البعض رواية تكسير الحواجز ماهي هذه الحواتجز التي كسرها السرد الروائي ؟؟
ما ادري ما المقصود ولكني اعتقد ان تمرد الكاتب الجديد علي الشكول التقليدية والتجديدات البنائية المستمرة فى معمار الرواية وبناء الشخوص والاقلاع من التراتبية وعملية التشظي والانحراف وتبئير السارد للحكي المتواتر وتعدد الاصوات , والضمائر المستخدمة والاقتصاد اللغوي بل واللغة الشعرية وغموض المحمولات
الدلالية والفنتازيا الغرائبية كل ذلك يمكن ان يعد خروجها عن القولبة واستحداث تجديدي للبنية السردية واستيعاب اجناس اخري ومزجها فى جسد الرواية الفيسفسائي المرصع بالوان التشكيلي والموسيقي وسرعة ايقاع النص اللاهث والساعي للقبض علي مفاصل الآني والمتخيل , وحركة الاتصال السجالية بين الذات والموضوع ان أنوية هذا التحويل موجودة فى العديد من النصوص الباحثة عن الصيغ الجمالية للاشتغال عليها بالاضافة الي الزمن الاسترجاعي وعملية الفلاش باك تاسيساً علي كل ذلك وغيره فانه لم يتبق ثمة حواجز بين النصوص وتجنيسها الابداعي والرواية منحت من فيوضات الشعر والقصة القصيرة وحوارات المسرح والوان التشكيل والملصقات والكولاج .
الآن نتحدث عن تجربتك الروائية وقد وجدت حظها من القراءة . لماذا توقفت . هل للنشر دور فى ذلك ؟
الواقع كما تفضلتما ان تجربتي وجدت حظها من القراءة وانا راض بالمردود الذي احدثته , رغم اني ما زلت اسعي للوصول بالتجربة الي مداها الاعلي بحسب المشروع الكتابي الذي اجترحه – لكن لنظر الي الكوابح والاشكالات الوجودية التي تحيط بالمبدع وهو يحاول ان يعاظل بالكاد ليبقي صوته مسموعاً . ومع ذلك فاني لم اتوقف فهناك عدة نصوص جاهزة للنشر منضدة فى اقراصها بانتظار فرصتها التي قد تاتي ولا تاتي .
لنغادر محطة الرواية وناتي للقصة القصيرة وانت احد كتابها الكبار لماذا توقفت الان في محطة لم تتجاوزها .. هل هو موت القصة القصيرة علي حد تعبير القاص عيسي الحلو؟
صديقنا الروائي القاص عيسي الحلو من المغرمين باطلاق المقولات اليقيينة فقد نصَّب الطيب صالح سقفا للرواية السودانية وسط احتجاجات الكتاب, بركة ساكن , احمد محمد البدوي وغيرهم وهاهو الآن ينعي موت القصة القصيرة ايضا؟
ما ادري ولكن ثمة ضمور وخفوت لاصوات الشعر وكتَّابه الكبار الذين غابوا سند / صلاح / فارس تاج السر .الان يبدو فى الساحة محمد المكي ابراهيم برغم كل شئ الي جانب عالم عباس والكتيابي ومحمد نجيب وشعراء الشتات . وكذلك القصة القصيرة لم تمت ولكن ما قلنا به من الخفوت والضمور بعوامل جاء ذكرها في السياق. ابراهيم اسحق لقصته نكهة كنا ننتظر قراءاتها ولكن اخذته الكتابات العامة وحين سألناه قال انه يجد نفسه فيها .. احمد الفضل هو الاخر اخذه العمل فى محيطه المحلي بين المدارس الخاصة والاذاعة والتاريخ الاجتماعي لمدني وصارت قصصه متباعدة , محمد خلف الله سليمان ذلك الحمال النوبي لم نعد نسمع له ركزاً ومحمد عبدالله عجيمي استعدنا صوته ولكن فى مجال اخر ويمكن ان اعدد العديد من الاصوات احمد مصطفي الحاج وظرفه الصحي , و ابوحازم راح فى اجازة منذ الجائزة , تبقي بعد ذلك الاصوات الشبابية التي تقدم تجربتها بجرأة مقدرة نجد فيها كمية مهولة من الدهشة وهذه الدهشة بتقديري من مطلوبات الفن القصصي الجيد

نقلاً عن الوطن القطرية