الشيخ التٌرابِّى والصُـوفية

إبـراهيم محمد الشيخ مصطفـى الفادنى
قال تعالـى :(وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) صدق الله العظيـم
لاشك إنّ الموت محتـوم كتبه الله عزّ وجل على جميع خلقه وتفرّد بالبقاء والخلـود،فليس ذلك لأحدٍ سـواه،آخذاً من قـوله تعــــالى :
(( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ُ * لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)) ومع ظهـور هذه الحقيقة فإنّ العلماء الصالحين تأسى لموتهم القلوب المؤمنة، وتحزن لفقدهم النفوس الحريصة لبقـاء الخير فى دنيا الناس ، فبفقدهم ينقطع مـورد’’ من موارد الخير ،ويغلق أمام الناس باب من أبواب العلم والمعرفة ،لأنّ العلم لايقبض إنتزاعاً ولكن يقبض بموت العلماء وأهل العلم وإن غادروا الحياة الفانية بأجسـادهم إلآّ أنهم يعيشون فى قلوب الناس بأخلاقهم وعلمهم وفضْلهم ،
كم مات قوم’’وما ماتت مآثرهم * وعاش قوم’’ وهم فى الناس أموات
وفقيدنا العالم المجدِّد الشيخ الدكتور حسن عبدالله الترابى الذى فارق دنيانا الفانية عصْر يوم السبت 25 جمادى الأولى 1437هـ الموافق 5 فبراير2016م،والبلاد أكثر ماتكون حاجة إليه.
وماكان قيس’’ هُـــــلْــــكُه هُلك واحدٍِ * ولكنـه بنيان قـوم تهدّمـــــــا
رحمك الله يا أبا الصديق فقد كنت عالم العلمـاء ، وتقىُّ الأتــقـيـاء وصـالح الصلحاء،وبليغ البــلغاء ،رحمك الله و برّد مضْجعـك وأسكنك أعـلى علـِّيــين مع الذّين أنعم الله عليهم من النبـيين والصدِّقـيين والشهداء والصـالحين وحسُن أولئـك رفيقــــــا..
مـضى تقيـــــــاً عفـيف النفس محتسبـا * فهـُدَّ من دولـة الإسـلام أركـــــــانا
وللـه درُّ من قـال :-
يا منايا حوّمي حول الحمى واستعرضينا واصطفي كل سمح النفس بسام العشيات الوفي الحليم العف كالأنسام روحا وسجايا أريحي الوجه والكف إفتراراً وعطايا فإذا لاقاك بالباب بشوشا وحفي بضمير ككتاب الله طاهر انشبي الاظفار في أكتافه واختطفي وأمان الله منا يا منايا كلما اشتقت لميمون المحيا ذي البشائر .. شرّفي تجدينا مثلا في الناس سائر نقهر الموت حياة ومصائر
وما إن تنـــاقلت أجـهزة إلاعلام نبأ رحيل الشيخ حتى تقـاطرت الجُموع الهادرة صوْب منزل الفقيـد بضاحية المنشية وارتفعت الأصـوات بالتهـليل والتكبيـر والصـراخ والعـويل ..وأُعلن أنّ الدفن والتشيـيع صبيحـة يوم الاحـد،وهـكذا تدفقت الجمـوع من مدن العـاصمة ومـاجاورهـا من أريـافها ممـا أضطر منـه إلى قفل الكبـارى وبعض الطرق المـؤدية لمقـابر برى الشـريف، والنــعش يشق طريقه بصـعوبة بـالغه وهـو محـاطُ بالمشيـــِّعين الذين بلغ عددهـم الآلاف وهـذا يـؤكد حب النـاس للشـيخ التـرابى وكمـا قال الإمــام احمد بن حنبل لمخــــــــالفيـه ((بيــــنـنــــا وبينكم الجنـــــائز)).
وموكب الدَّفـن خلف نعْـــــشِك يمشـى * فى احتـسابٍ وحســرةٍ وانتـــــحابِ
مــوكب’’ مـــــــــــاج جــــانبـاه بـــــحـــفــــلٍ * من وفـودِ الأخـلاق وألاحـْسـابِ
شـــــــاع فيه الـوقـــــارُ والحـزْنِ حتــــــى * ضـاق عن حشـْدِه فسيـح’ الرِّحــاب
وكــأنّ الــــسمـــــاء وألارض تــــــمشـى * مـن هـــــيـْبـةٍ و عــــزِّ جــــــــنـــــــــــاب
جُـزتَ (الثــــــــمـانين) حِـــــجـة لا تبـالى *بشــــهادٍ تعــــــــاقبت أم بـصـــــــــاب
ولئن ذهـــــــب الترابــــى ورحــــــل عن دنيــــــانا الفـانية ،فـإنّ وصيــــــته علـى المضـىِّ فـى الحـــوار الوطنــــى الذى هـو آخـر بنــات أفـكاره ،وإبداعــــــــاته الدّاعية إلـى لمِّ الشَّمل وتوحيــد أهل الســــــــودان وهــــو يقـول قبيـل رحيلــه :
(( أريد أن أطمـئن علـى وحـدة الســــــودان قبل وفـاتى))
كـانت هذه أمنيــَّــــته التـى ظلّ مهــــمومـا بهـا ويعمـل بكل جدٍ وصـدقٍ فـى أُخـريات أيـامه لتحقيـقها، ولتـكون تَتْويـجاً لمـجـاهداته فـى بنـاء دولـــة إلاسـلام.
يهيب بنا : هذا بناء أقمته * فلا تهدموا بالله ما كنت بانيا
يُناشدنا بالله ألاّ تفرّقوا * وكـونو رجــالاً لاتسـرُّوا الأعـــاديــــا
أجل ، أيها الداعي إلى الخير إننا * على العهدِ ما دمنا فنَمْ أنت هانِيا
فرخَّـص لنـا اليوم البكـاءَ وفـى غـدٍ * ترانــــــــا كما تهــوى جبـالا رواسيــــــا
لقـد عرفـــتُ المرحـوم شيخ حسن عبدالله الترابـى الشــــــاب الثـائر الذى سطع نجمـه وذاع صِيتـه عقب ثـورة اكتوبر 1964م فقـد كان من أبرز قـاداتهـا وألمـع خطبــائها ..عــــــَرِفْتـــــهُ وأنـا طـالب’’ بـالجـامعة الإسـلامية أمدرمــــان، وصــلـتى بجمـاعة الاخـــــوان المسلميـن ترجـع إلـى العـام 1959م وأنـا بالمعهـد العلمـى المتوسط وتعـمـــــــقتْ هـذه الصـله خـلا ل المرحـله الثـانوية من بعـــــــد، وكانت قــاعدتها العريـــــضة من طـلاب الجامعات والثــــــانويـــــات وأعـــداد ليســــــــتْ بالكثيـرة من المثقفـين فـى قيـادة الحــركة ، وبعد تســـــنــــــُّم التـرابى لقيادة الحركة وتكوين جبهــــة الميثـاق الإســلامى ورفــــــع شعـار الدستـــــور الإســلامى وتحكيم الشريعه إلإسـلامية وكانت الطـرقُ الصـوفية بمختلف مدارسـها مستهدفـــــة بالدرجــــةِ الأولـــى بالدعـــــــــوة للانضمـــام لهــــذا التنظيـــــم الحديــــث ، فـى الوقـــــــت الذى كــــانت فيــــه كل هــذه الطــــرق ومشــــــايخها يدينــــون بالــــــولاء التــــــام إمـــــا لطــائفة الختميـة وحزبـها الوطنـــــى الإتـحادى ، أو لطـائفة الأنـصار وحزبـــها الأُمـة..ومـا إن بدأ الإتصـال المبـاشر بقـادة هـذه الطـرق وشيــــوخ الخـلاوى من زعمـــــاء جبهـــــة الميـثاق حتـى رحب بهم عدد غير كبيـر …وكان أول مسجدٍ انطلقت منــــه هـذه الدعــــــوة كـان مـسيد الشيـــخ مصـــطـفى الفـــــادنــــى بمنطقـــة شرق النيل كان ذلك فـى عام 1965م حيث جـاء أول وفــدٍ من الأمـانة العـامة للجبهـــــة وكــــان يضم كُلاً من الشيخ يوسف إسحاق الشيخ حمدالنيل (رحمه الله) والمرحوم د.محمد صـالح عمر والمرحوم شيخ حسن الترابى ،والشيخ أحمد عبدالرحمن محمد مدّ الله فـى عمره وآخـرين،ولعلَّ سبب البـداية بهـذا المسجد يرجـع إلى الشيخ يوسف إسحاق الشيخ حمدالنيل الذى كانت تربطـه صداقـات حميمة بالخليفة حـامد الشيخ مصطفى الفـادنى (رحمه الله) فقـد كـان الخليـفه حـامد عـالماً وفقيهـا وحـافظاً لكتـاب الله وهـو من خريجـى المعهد العلمـى بأمدرمان فلا غـرابة فـى أن يعلن ولاءه وتـــأ يـيـــــده للمشـــروع الإســـــلامـى.بل إنضم إلـى الوفد ومعــــه المرحوم شيخ الطيب الخليفـة محمد وشخـــصى والمرحوم عبدالقــادر الحـاج نجــــــم الدين وتـــــوجّهنا مع الوفـــد إلــى أم ضــــوابان وقابل الوفـــــد المرحـوم الخليفـــة يوسف الفـكى عمر بدر عليــه الرحمة والرضـــوان خليـقة الشيـخ العبيـــد ودبدر.ورحـَّب بالـوفد وأعلن تــــأييده لمشـروع تحكيم شـرع الله..ومن ثـــَمَّ ذهب الوفد إلـى العسيـلات الدومه حيث قابل الخليفه محمد ابوشمال ورحب هـو الآخـر ..وتوجّه الوفـد بعد ذلك إلـى شرق الجزيرة أبــــــوحـراز..ورجعنـــا نحن منهم وكان الوقت ليلاً، ومـمـــا هــــو جدير بالذكر أنّ الشيـــخ الترابى عليه رحمــــة الله كـان دائماً يذكـر هذه الزيــارة ولايمِلُّ تكرارهــــــا فـى كل منـــــاسبة زارنـا فيها وما أكثر زياراته لنـا فـى الأفـراح والأتراح.هذا وقـد كانت زيـارته هذه تمثل بداية إنفتـاح الحركـة إلاسـلامية علـى الطرق الصـوفية ..وفـى آخر زيارة لـه لقريــــــة الشيخ مصـطفـى الفـــادنـــى وبالتحديد
فـى يوم الجمعـة 13 /9/2015 أى قبل أربعة أشـهر من رحيـله زارنـــــا تلبية لدعـوة عقـد قِران نجل ابننــــــا الطيب مبارك خطيب وكان فـى صحبتـه الأخ محمد الأمين خليفه و آخـرين ..وقـال يومـها وفـى مقدّمة خطبة النكـاح ،قـد لايعرف الكثيرون إنّ صـلتى بهذه القـرية وبأهلهــــــا وشيـــــوخـها ترجــع لاكثر من خمسين عاماً مع بداية إتصالنا بالطرق الصوفية وكـان شيـوخ الفـادنية أصدق وأخـلص و أول من إمقستجـاب للانضمـام للمسيـرة القـاصده…
وأخيراً لابدّ أن نذكر و للتـاريخ أنّ هذه المنطقـة من شرق النيل كانت ومازالت من أهمّ مراكز الاشعاع الدينى لأنّ بها مسايد وخـلاوى ألاقطـاب ..الشيخ العبيد ودبدر والشيخ إدريس ودالأرباب،والشيخ الامين ودبله والشيخ مصطفى الفادنى والشيخ محمد أبوقرون والعسيلات الشيخ أبوشمال،وكان لها شرف أن دفعت بأولِ عضوٍ فـى البرلمان يفوز فـى دائرة جغرافية هـى الوحيده للجبهـة فـى دوائر الخرطوم،العالم الجليل الشيخ الطاهر الشيخ الطيب محمدبدر (رحمه الله)..ولله الامر من قبل ومن بعد وسـلام عليك فـى الخـالدين أيّها الراحل المقيم .