السياسة الخارجية ..معطيات..قراءات..

بدرالدين عبدالرحمن
تحتاج العلاقات السودانية الخارجيه بشقيها الاقليمى والدولى لاعادة تدوير حتى توافى مطلوبات السياق السياسى والاستراتيجى على مختلف الصعد خاصة المتعلقه ببوصلة الاتجاهات الاسلامية والعربية..
ثمة تقاطعات فى المصالح الامنية والاقتصادية وحتى الايدلوجية ومساع تغيير الخارطه السكانية والمذهبية والطائفية من خلال زرع بذور الفتنه والشقاق واختلاق ماوهن من الحجج وضعف بغية نهب ثروات النفط والغذا والمياه التى ستكون مكمن نزاع المستقبل القريب بين مختلف القوى..
تلك التقاطعات وغيرها ينبغى على ولاة امر الشأن الخارجى للبلاد وضعها تحت مجهر نظر ثاقب كى لا تجر سفينة السودان على اليابس وتصبح كذاك الذى اراد الاعتصام بجبل حين كان امر الله نافذا اذ لا مفر..
فك الارتباط مع المد الشيعى الايرانى يبقى قرارا صائبا وان تأخر لوجود الكثير من التباينات فى التوجه بين سلوك منتسبى البلدين حكومة وشعبا وان ارجعت قيادة السودان تمسكها باقامة علاقات ثنائية مع ايران حالذاك لاسباب سياسيه او استراتيجيه..
الا ان المتتبع للترقيع الذى اصاب جدر السياج الخارجى منذ العام 89 يعرف من الحق اكمله ان ايران لم ولن تكون الحليف الذى يحمى ظهر السودان حين تاتى اليه الضربات موجعه على حين غره وغفله ..وجل المعطيات التى حطت رحالها امام مهبط اعين الجميع اوضحت بجلاء ان ايران ليست سيف الله المسلول الذى يمكن ان يخرج من غمده وقت شده للذود عن حياض السودان امتثالا لالتقاء مصالح مشتركه..فضلا عن ان امتداد العلائق السياسيه والدبلوماسيه مع ايران لم يجلب للبلاد غير كبير ضرر وعظيم ضنك واجترار سيل المقاطعات الخارجيه حين اغلقت دول الخليج ابوابها اعتراضا بائنا لكل ذى بصيرة بان توجه السودان لايران عمل خبز انتهت صلاحيته قبل الطحن..
وهى مقاطعة لها من الصحه مايجلب لها المساندة والتأييد لان السودان السنى لايمكن ان يكون معبرا لاحلام شيعيه تصبو للسيطره على الشرق الاوسط واجزاء مؤثره فى افريقيا والخليج بتدخل اقل مايوصف به انه مريب فى شان الدول وسيادتها والعمل على زعزعة تركيبتها الدينيه بطريقة حتى الفتنه تكون منها براء..
تبقى الحقيقه الماثله ان اناخة ابل الاتجاه الخارجى للسودان عند سوح الهيمنه الايرانيه ترانيم من غير لحن وسيمفونيه لا لون ولا طعم ولارائحة لها.
على النقيض من ذلك يظهر السير فى طرائق العلاقات السودانيه السعودية وكأنه فجر بعد غفوة ليال عشر ..وسراج اضاء نور عتمة البناء الخارجى بعد سير فى دهليز لاشئ فيه غير ظلام دامس انعكس سلبا حتى على واقع الحياة المعيشيه فى البلاد..
تطور العلاقات بين السودان والمملكه العربية السعودية على كافة الصعد ينبغى ان يكون هدفا ومنالا لاحياد عنه لعدة اسباب ابرزها ان التقارب بين البلدين يخلق قوه سياسيه وامنيه واستراتيجية قصيرة وبعيدة المدى كما هو الحال ابان مشاركة السودان فى عاصفة الحزم والتحالف الاسلامى الذى ارسل للقوى الدوليه والاقليميه الاخرى رساله مفادها ان التماسك الاسلامى العربى به من الخير والقوة مايرعب ان كان ذلك على نسق التحاور السياسى او اتباع وسائل الضغط الاقتصادى او انتهاج مبدأ التوازن العسكرى والامنى وان كان ذلك على سبيل اعداد الخيل مااستطاع التحالف كما حدث وقت قيام مناورات رعد الشمال بحفر الباطن..
فى خضم ذلك يطفو على السطح اهمية ان يكون التقارب السودانى السعودى على سبيل الازل عن طريق توطيد العلاقات باقامة مشروعات اقتصادية استثمارية بما يدعم اقتصاد البلدين ويقوى من ساعدهما لمجابهة كل الاخطار التى تحدق بالعالم ازاء استخدام النفط والغاز والغذاء والمياه ادوات للتركيع والاذلال لنيل ماتشتهيه الدول الساعيه للسيطره على مفاصل الاقتصاد العالمى حتى يسهل توجيه البوصله السياسيه الدولية وفقا لرغبات دول القرار ..
ليس بعيد عن ذلك ان تسعى الخارجيه السودانية لاخراج كل سهام كنانتها لترتيب بيت العلاقات المشتركه مع المملكه العربية السعودية لان ذلك هو المنحى الصائب والموفق والذى سيجد دعما ومسانده من اغلب الدول ذات الاتجاه الاسلامى والعربى لما للمملكه من قوة اجتذاب دينى وروحى بوصفها قبلة الحرمين الشريفين وغير ذلك من مجاذيب اخرى لها من القوة بمكان ليست بغائبة عن اولى الابصار حتى لايخرج نمل سليمان قائلا ان النظر لمتكئ الارتباط مع السعودية هو وجد دينى ومذهبى فقط..
وفوق هذا وذاك ليس مطلوبا من الحكومه السودانيه ان تستمع للتحليلات والقراءات التى صاحبت قرار المقاطعه الايرانيه حين جاء ملخصها ان السودان يبيع ايران لصالح السعوديه ..وهو تحليل وقول مردود على اهله لاسباب ذكرناها سالفا ولاخرى تتضح فى ان الشروخات التى احدثتها ايران فى السودان كثيره ويصعب علاجها مستقبلا ان تم السماح للمد الشيعى بالتجذر والتغلغل..وعلى النقيض يبقى التوادد السودانى السعودى ممتلئ بالمنافع والمصالح غير المتضاربه الا فى اليسير الذى يمكن تجاوزه لاجل رفعة شأن البلدين ..
حقيقه اخرى لايمكن تجاوزها ان مساندة السودان حكومة وشعبا للسعودية سيجلب الكثير من الاختراقات المهمه على النطاقين الاقليمى والدولى نسبة للثقل الكبير الذى تتمتع به المملكه فى كل الاتجاهات ..وهو مالم ولن يتوفر لايران مهما فعلت ..
مابين هذه وتلك يمتد الحديث لعدم استقرار التقاسيم السودانية المصرية التى تعامل معها الجانب السودانى بعاطفة امتداد النيل وانصهار وتماذج الشعبين ماجعل المحافظه على الحقوق الرسميه مهيضة الجناح ان لم تكن مكسوره كما الحال فى قضيتى حلايب وشلاتين واساءة معاملة السودانيين المقيمين بمصر فى وقت سابق واجترار الاعلام المصرى لوتيرة لم تكن مستحبه لسبل تدعيم العلائق الازليه والتاريخيه بين البلدين..فضلا عن الموقف غير المتجانس حسب ظنى فيما يخص قضية سد النهضة الاثيوبى الذى يحتاج لارتقاء فوق ثنا خلافات ربما تجبر البلدين على عض بنان الندم سوية بعد وقوع امر جلل لايمكن تداركه حالئذ..
الرسم البيانى للعلاقات الثنائية السودانية المصرية شهد صعودا وهبوطا بفضل توترات لعمرى حدثت بفعل الذين لايرون فى تقدم العلاقات المشتركه الا الشر والاذى المبطن الامر الذى جاء تأثيره كبيرا الى الحد البعيد على الطريق الذى اضحى غير معبدا وملئ بالاشواك فى السير من والى البلدين فيما يلى جانب السياسات الرسمية وكيفية التوفيق والتقريب فى وجهات النظر الخاصه بالمواقف والمصالح المشتركه والمتبادلة..
اضافة الى ذلك تبقى محاولة اغتيال مبارك وكيفية توزيع مياه النيل احد ابرز المحطات والكوابح التى عطلت مسيرة تقدم العلاقات بين السودان مصر بجانب الاتفاق المصرى السعودى على ملكية جزيرتى ثيران وصنافر اذا ما ربطنا اسباب تاخر العلاقات بالماضى والحاضر القريب..وهو ماحرض الخارجيه السودانيه لدفع مصر لحسم الجدل الكثيف حول تبعية حلايب وشلاتين اما بالتفاوض او اللجوء للتحكيم الدولى ..وهو امر فيه قدر من الغضاضه اذ ان قضية مثل هذه كان على الحارجيه السودانية حسمها منذ وقت طويل ..اذ لا يجب ان يكون الحسم مرتبطا بمجريات سياسية واتفاقات ثنائية حدثت مؤخرا..
خلاصة الامر ان السياسه الخارجية السودانية تحتاج لهدوء واتزان وقراءة معطيات التجاذب الاقليمى والدولى بماينسحب استقرارا سياسيا واقتصاديا وامنيا على البلاد فضلا عن ضرورة اعادة النظر فى الخطاب العاطفى والمنفعل وغير المدروس الذى ياتى بنتائج سلبيه غير مامونة الجوانب..