الخرطوم وجوبا.. المزيد من النار لإطالة عمر الرماد..!

الخرطوم: أكرم الفرجابي
يبدو أن كل ما تستطيع فعله دولتي السودان، هو إيقاد المزيد من النيران لإطالة عمر الرماد من بعدها، إذ لم يمض على التقارب بين الخرطوم وجوبا سوى أيام معدودات، حتى عادت الإتهامات بين الطرفين من جديد، لتسد الطريق أمام أي خطوة من شأنها معالجة الأزمات المتلاحقة منذ إنفصال الجنوب في العام 2011، إذ كشف مسؤول جنوبي إن الحكومة السودانية أعادت أمس الأول إغلاق حدودها بالفعل مع دولة الجنوب، بعد أسبوع من قرار الخرطوم بمعاملة الجنوبيين في السودان كأجانب، وقال حاكم مقاطعة الرنك في ولاية غرب النيل “أعالي النيل سابقاً” ستيفن شان ألونق، في تصريح لموقع “سودان تربيون” على الشبكة العنكبوتية إن سلطات المقاطعة تلقت خطاباً رسمياً من والي ولاية النيل الأبيض يفيد بأن الحكومة السودانية قد أصدرت توجيهاً لوقف الحركة بين الحدود مع دولة الجنوب، وتأتي خطوة إغلاق الحدود بعد ساعات من إتهامات جوبا للخرطوم بقصف جوي إستهدف على مرتين مواقع دفاعية شرقي بلدة الرنك في ولاية أعالي النيل، في الوقت الذي مازالت تتهم فيه الخرطوم دولة الجنوب بإيواء عناصر الجبهة الثورية المتمردة.

تداعيات خطيرة:
تأتي الإتهامات بين الخرطوم وجوبا هذه المرة وسط توتر حدودي ينذر بتداعيات خطيرة حال تطور الأحداث وإنتقالها إلى مربع أكثر سخونة، حسب مصادر ترى في تبادل الإتهامات التي أدت إلى إغلاق الحدود مرة أخرى، مقدمة لانتكاسة فترة هدوء سادت خلال الفترة الماضية، ويذكر أن رئيس الجمهورية كان قد أمر بفتح الحدود مع دولة الجنوب في يناير الماضي لأول مرة منذ إنفصال الدولة الوليدة في العام 2011م، لكن في 17 مارس الحالي قرر مجلس الوزراء السوداني برئاسة البشير إنهاء سياسة الباب المفتوح مع جنوب السودان، وقالت الخرطوم إنها لن تسمح لأي مواطن من جنوبي بالإقامة في البلاد بدون بطاقة هوية أو دخول البلاد بلا تأشيرة دخول.
تصعيد الخرطوم:
يرى البعض أن تصعيد الخرطوم لهجتها تجاه جوبا وتحذيرها صراحة من مغبة إيواء المتمردين السودانيين يعد بداية حقيقية لتوتر جديد لعبت بعض الأطراف دورا في تأجيجه، إذ هددت الخرطوم قبل أسبوعين بإغلاق الحدود مع الجنوب، ووقف حوافز الصحة والتعليم التي يتمتع بها رعاياها في الشمال ومعاملتهم كأجانب بسبب إتهامات بشأن استئناف جوبا دعم المتمردين السودانيين، ويذكر أن مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني السوداني الفريق محمد عطا كان قد إتهم جوبا بإيواء متمردي العدل والمساواة، وهدد بإتخاذ إجراءات حاسمة ضدها، وقال عطا مطلع العام الماضي خلال تخريج عناصر جديدة من قوات الأمن إن حكومة دولة جنوب السودان ما زالت تأوي وتعد مقاتلي حركة العدل والمساواة التي تقاتل الحكومة في إقليم دارفور، قبل أن تكشف الخرطوم عن مشاركة قوات كاربينو وقوات من الجيش الشعبي لدولة الجنوب في معركة شرقي جبل مرة قبل أشهر خلت، وسبق ذلك إتهامات مماثلة أطلقها وزير الخارجية السابق د. علي أحمد كرتي الذي كشف عن إمتلاك الخرطوم أدلة موثقة على أن حكومة جوبا ما زالت تساند المتمردين، ومؤخراً إتهمت الخرطوم حكومة الجنوب بإحتضانها لإجتماع ضم عناصر الجبهة الثورية المعارضة للحكومة السودانية في جوبا مطلع الشهر الماضي.
نفاد الصبر:
ثمة من يشير إلى نفاد صبر الخرطوم من إستمرار تورط جوبا في دعم المتمردين، معتبراً أن الخرطوم تقدّم عبر هذه الإجراءات إغلاق الحدود ومعاملة الجنوبين كأجانب تحذيرات نهائية لجوبا قبل أن تتخذ خطوات عملية للرد العسكري، ويؤكد أن غضب الخرطوم يشي بامتلاكها أدلة موثقة على دعم ووجود منصات للمتمردين في مقاطعات أعالي النيل والوحدة الجنوبية، مشيراً إلى أن بإمكان الخرطوم التعامل بالمثل وتقديم كافة الدعم لقوات المعارضة الجنوبية، لكنها تعلم أن شعب دولة الجنوب هو المتضرر، لذلك أطلقت رسائل أخيرة لجوبا من خلال إغلاق الحدود، لذلك يحذر البعض من دخول العلاقات بين السودان وجنوب السودان في أزمة حقيقة إن لم تتعامل حكومة جوبا بجدية مع التحذيرات السودانية، وبعض الآراء تتجه إلى إن جوبا ترتكب خطأ جسيما بإيواء قوات الجبهة الثورية المتمردة، لأن مردود ذلك الإيواء الأمني سيكون سالباً وربما يؤدي إلى الإقتتال بعد توقف التجارة وقفل الحدود، مشيراً إلى أن الخرطوم بدأت بالفعل في إستخدام أوراق الضغط التي تمتلكها.
مشاكل مرحلية:
لكن من جانبه ظل يقلل رئيس دولة الجنوب سلفاكير ميارديت، من تأثير الاتهامات وتبادل الدعم والإيواء للحركات المتمردة بين الخرطوم وجوبا على علاقات البلدين، وقال إنها مرحلية وسيتم تجاوزها بسهولة، وأكد رئيس جنوب السودان لدى وداعه سفير السودان (بجوبا) مطرف صديق قبل أشهر خلت، بمناسبة إنتهاء فترة عمله أن مواقفه من السودان إيجابية ولن تتغير، مشيراً إلى ثقته في الرئيس البشير، ونائبه الأول بكري حسن صالح، مضيفاً لو لا شجاعة البشير لما كانت هناك دولة تسمى جمهورية جنوب السودان، وعبر سلفاكير، عن إرتياحه لمواقف الرئيس السوداني تجاه الأزمة في بلاده ودوره كأخ وكصديق، مؤكداً بأنه لا مفر من العلاقة الحميمة مع السودان، وأن مواقفه تجاهه إيجابية ولن تتغير، ووصف رئيس دولة الجنوب سلفاكير ميارديت، ما يحدث حول الحدود من اتهامات وتبادل الدعم والإيواء للحركات السالبة، بأنها غير مهمة ومرحلية وسيتم تجاوزها بسهولة لو توافرت الإرادة بين الطرفين، لكن رغم الضغوطات الدولية التي مورست على الدولتين من أجل الإستقرار، إلا أن التوترات بينهما مازالت مستمرة حتى الآن.