الجيــــش والانتفاضــــة.. قصــــة انحيــــاز

مبارك ود السما
وفي قصة انحياز الجيش للشعب حبل ود سري, دائماً ما يحن العسكر الى بني جلدتهم والوقوف بجانبهم، لكن برفع(ألوان) للستار والغوص في أعماق العسكر الذين لديهم تجربة في الانحياز مع الشعب, وتقليباً لصفحات العشق غير الممنوع بين القوات المسلحة ورغبات الشارع السائرة. ففي كل الثورات التي على صوت الجماهير فيها نجد أن القوات المسلحة تنحاز الى رغبات الشعوب.
وبالنظر خارج الأسوار السودانية وتحديداً في مصر العربية وفي عهد الرئيس المعزول المنتخب محمد مرسي أن القوات المسلحة المصرية انحازت الى صيحات ورغبات الشارع وقلع نظام مرسي من جذوره, وتعود القصة الى إن القوات المسلحة حذرت الرئيس المعزول مرتين ولم يستجب، ما اضطر الجيش الى التدخل في الحياة السياسية والانحياز إلى رغبة الشعب. وكشف وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي آنذاك في يوليو 2013م للمرة الأولى عن الأسباب التي دفعت قيادة الجيش المصري إلى إقالة الرئيس محمد مرسي، مشيرا إلى أن القوات المسلحة حذرت الرئيس المعزول مرتين ولم يستجب، ما اضطر الجيش الى التدخل في الحياة السياسية والانحياز إلى رغبة الشعب. وفي لقاء مع قادة وضباط القوات المسلحة ، شدد وزير الدفاع على أن «القوات المسلحة المصرية بكل أفرادها وقياداتها اختارت وبلا تحفظ أن تكون في خدمة شعبها والتمكين لإرادته الحرة لكي يقرر ما يرى».
وحول كيف أنحاز العسكريين الى الشعب في حالة الثورات استنطقت (ألوان) من جانب العسكريون العميد امن معاش حسن بيومي وقال لـ(ألوان)أمس: ينحاز الجيش عندما يكون النظام القائم آيل للسقوط, والشعب يخرج للشارع مطالباً بإسقاط النظام, وهنا يظل أمام القوات المسلحة خياراً واحداً, وهو الحفاظ على الأمن القومي ومكتسبات الدولة, من مسئوليته الوطنية تجاه البلد, يقوم بتقدير الموقف, فإذا رأي أن البلد سيعمها الفوضى ومن ثم التأثير على الآمن القومي يتخذ قراراً بالانحياز للشعب. ويضيف نافياً وجود حالة من الود بين القوات المسلحة وبين الشعب, وزاد قائلاً: الشعب عندما تضيق به الحياة يخرج بأكمله, الجيش هنا يقدر الموقف ومن ثم اتخاذ القرار الذي ينصب في خانة الوطن. واستهد بيومي بالعديد من الأمثلة داخلياً كأبريل وخارجياً كانحياز الجيش في عهد رئيس مصر السابق مرسي.
أما المحلل السياسي د. صلاح الدومة يرى أن الجيش هو الشعب وقصة انحيازه مرتبطة بالعاطفة, لان الجيش فيه الابن والأخ والأب وابن العم والخالة وهكذا، وقال الدومة لـ(ألوان)أمس: والانحياز مرتبط بقيم القوات المسلحة الجوهرية بالحفاظ على الشعب وممتلكاته, لافتاً الى أن القوات المسلحة لديها دروس في الكليات العسكرية سوا بالكلية الحربية أو كلية القادة والأركان أو الأكاديمية العسكرية العليا بتدريس حالات تقدير الموقف السياسي للوطن, وبعد حالة من العصف الذهني يصدر الجيش قرار الانحياز, لان القوات المسلحة بها تنظيم جيد بالإضافة الى امتلاكهم للسلاح الذي يرجح كفة القوات المسلحة لأي نظام سياسي يحكم الوطن. بينما يقرأ أستاذ علم النفس السياسي د. محمد محجوب هارون من الناحية السيكولوجية انحياز القوات المسلحة للشعب في انتفاضة ابريل 1985م، ويرى محجوب أن من الطبيعي في مثل هذه المواقف أن نجتاز القوات لموقف شعبي كما حدث في ابريل، وقال لـ(ألوان)أمس: الانحياز تحكمه جملة أسباب في ذلك الوقت وان مجمل الحالة الوطنية كانت تضغط على العسكريين أن ينخرطوا في ذلك التحرك الشعبي الواسع لا سيما وان الموقف لم يكن وليد لحظته, إنما نتيجة تفاعلات متعددة، وفيه اخذ ورد فضلاً على التفاعل داخل المؤسسة العسكرية نفسه، وقال محجوب من خلال الوقائع كان معلوماً أن موقف الجيش لم يكن موحداً في الانخراط في الانتفاضة منذ البداية, وكانت توجد تيارات داخل الجيش, منهم من كان مناصراً للانتفاضة والآخر منحازاً لنظام نميري، ويتابع بالقول: الجدل داخل الجيش اخذ دورته كاملاً من الوقت هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى العسكريون هم مواطنون في المقام الأول تعرضوا لنفس الظروف التي تعرض لها القطاع المدني من المجتمع, وتأثروا كسائر بقية أفراد المجتمع, لافتاً الى الجيش به صرامة قوية في نظامه, إلا أن الصرامة لا تمنع أن يتأثر العسكريون كمواطنين بالظروف السائدة في الوقت المحدد, إذا كان هنالك كبت للحريات وهم يتأثرون بذلك, وإذا كان المجتمع يتأثر بغلاء المعيشية فهم أيضا يتأثرون بذلك, بالإضافة لتأثرهم كذلك بتراجع شعبية النظام, فهم لا يقفون بعيداً عن الشعب في أي حال من الأحوال. ويواصل: ما حدث في ابريل هو نتاج لعدة عوامل متعددة أفضت في النهاية الي انحياز العسكريين في آخر الأمر للشعب باعلي قيادة في القوات المسلحة والانحياز لختيار الشعب.