قصيدة النثر .. الوقوف علي أطلال الحداثة

 محمد نجيب محمد علي – عامر محمد أحمد حسين
يطرح سؤال قصيدة النثر بين الإعجاب بها والإنكار لها والسؤال هل نعيش زمن النثر بعد قرنين من نبوءة هيجل بأن القرن الثامن عشر هو قرن النثر ! وهذا النثر هل الشعر فقط من يقود سردياته ؟ وأزمنة ما بعد الحداثة التي نعيش تجلياتها صورة ناطقة وحجر متحرك وشجرة راقصة .. أين وصلت بالإنسان الذي يبحث عن حنين الماضي ودفء الحاضر وإشراق المستقبل في أزمنة مفتوحة شاشاتها علي الفرح والحزن.

بصمة جيل
وضعت قصيدة النثر بصمتها علي أجيال تكتبها وتقرأها وتتذوقها. هذه البصمة واضحة ساطعة يصعب تجاهلها فإذا وصف شاعر كبير في مقام أحمد عبد المعطي حجازي قصيدة النثر بأنها « القصيدة الخرساء « فإن وجود شعراء في قامة الراحل محمد الماغوط ومحمود درويش في قائمة كتاب قصيدة النثر يحيل السؤال الإستنكاري عن خرس هذه القصيدة إلي ماهو الشعر الناطق؟ وإذا كان رامبو قد أسس لهذا الشعر الحر فإن مدرسة التفعيلة قد ضمختها ببهار التمرد علي القصيدة العامودية إذ ظل عمود الشعر واقفا تتناقله الأجيال المتعاقبة في محاكاة السابقين من الشعر الجاهلي حتي عصور الحداثة ، ثم جاءت التفعيلة بالفيتوري والبياتي وصلاح عبد الصبور ونازك الملائكة فكان جيل الإنفتاح غربا وكسر العمود والحفاظ علي اللغة ناصعة
دنيا لا يملكها من يملكها
أغني أهليها سادتها الفقراء
الخاسر من لم يأخذ منها
ما تعطيه علي استحياء
والغافل من ظن الأشياء هي الأشياء
ماهي الأشياء
يقول الشاعر محمد المكي ابراهيم في إفادة « للوطن» « قصيدة النثر تسمع ولا تقرأ» ويقول أدباء شباب يكتبون قصيدة النثر أن ما نكتبه شعرا متطورا لغويا وسرديا يفتح نوافذ الشعر علي الحقول الإبداعية كافة لا تقيدنا بحور ولا دهور سابقة لنا الموهبة واللغة وعلي القارئء الحكم ويقول الشاعر أسامه علي أحمد في ديوانه « في شارع من دون لافتة «ا لشعر يحط علي راحتي اليفا
ويغفو
ينعس شمس الكلام
ويرسم فوق غبار السكون خيوط حفيف
ويذهب الشاعر حسن أبراهيم الأفندي أحد كبار شعراء المدرسة الكلاسيكية حاليا في السودان إلي أن ما يطلق عليه قصيدة النثر أمر مضحك للغاية يجعلني في استغراب ودهشة…..إنها سميت بالنثر ومن هنا فأنا لا أرى فيها شعرا ولا أعتقد جادا بأنها أقنعت لاالنخبويين ولا العامة ولم أسمع بما تركت من أثر على نفوس المتلقين ولم أسمع من أحد أنه يحفظ ما يسمى مجازا بقصيدة النثر والقصيدة منه براء براءة الذئب من دم ابن يعقوب .ويقول الأفندي أن من المعروف والمؤكد أن الذاكرة العربية شاعرية ….من هنا كان لزاما أن تجد القصيدة الحقيقية مكانها من نفوس كافة فئات المتلقين , ورغم ما يؤخذ على الشعر المنبري ومخاطبته للعاطفة والإثارة بعيدا عن ميزات أخرى ينبغي للشعر أن يتحلى بها , إلا أن ما به من حماسة تشعل النفوس وتزكي خصائل النخوة أحيانا والثورة أحيانا أخرى , يجعله أجدى أن يجد من المتلقي قبولا وإقبالا بينما يذهب الشاعر عبد الله شابو إلي أن النثر مشغول بنقل الصورة الواقعية وأن الشعرية هي في الأصل نقل للأصوات المسموعة وبذا فإن قصيدة النثر هي عمل مرئي أما التفعيلة فإنها صور مسموعة
تناقض المصطلح
يقول الدكتور الناقد مصطفي الصاوي ل» الوطن»» قصيدة النثر تحمل تناقضا في المصطلح الذي يطلق عليها فهي تشير في آن لعمل نثري وشعري وإذا ربطت الأمر بمسألة إرتباطها بهذا العصر نلاحظ إنتشارها في المجلات الأدبية وعلي صفحات الصحف العنكبوتية وفي حقيقة الأمر هي تمثل تيارا يجب الإعتراف به فهي تنهض علي تغييب الموسيقي الصارخة وإستبطان مفهوم الشعرية من خلال الأداء اللغوي والإعتماد علي جماليات تؤسس لها لا يمكن إنكارها بل يجب الإعتراف بأنها تمثل أجيالا جديدة شابة في الشعر العربي ولا يخفي تأثرها بالشعر الأوروبي إلا أنها ذات جذور في بنية الشعر العربي ويشير الصاوي إلي أن النص الشعري هو النص الشعري في النهاية وإن إختلفت آلياته وحتي أن عودة القصيدة المنبرية في الوقت الراهن لها أسبابها ومنها الثورات التي تحركت في الوطن العربي . إن قصيدة النثر تتوغل إلي الذات بينما القصائد العودية المنبرية أولت إهتمامها لجماهيؤر واسعة وخير مثال نصوص الخمسينيات في مقاومة المستعمر وفي سؤال حول إمكانية عودة قصيدة التفعيلة والشعر الحر إلي تصدر المشهد الشعري أوضح الدكتور الصاوي إلي أن هذا السؤال يتعلق ببعدين البعد الأول التحولات التي تطرأ علي الأشكال الشعرية ومدي إرتباطها بالبنية الإجتماعية والثاني الأمة العربية التي لا تزال شاعرة وتحتفي بالنص الشعري الجيد تفعيلة أو عمودي وكل هذه الأنواع قد تشكل الإجابة من خلال هذين البعدين واقول لكم الشعر الجيد بأي صورة كتب يجذب مستمعه وقارءه ويتساءل الشاعر الشاب حاتم الكناني صاحب ديوان « الينابيع تغسل أوزارها بيديسك «
هل هناك عودة بالفعل إلى قصيدة التفعيلة؟! وهي القصيدة التي كانت جسراً جميلاً بين سجن العمود وغابات وسهول قصيدة النثر؛ وإن كان مصطلح قصيدة النثر نفسه إشكالياً وتسبب في اتخاذ مواقف منها.
الآن، ومع هذا التدفق المعلوماتي والتشظي التواصلي، اتخذت قصيدة النثر مكانها، وبهذا فهي القصيدة التي تفرض شروطها الداخلية، ليس هناك ما هو خارج عنها ليفرض معاييره عليها، وبالتالي فإنه يبدو مستحيلاً قراءتها من أدوات نظر خارج الشروط التي تضعها القصيدة نفسها. ويشير الكناني إلي
أن قصيدة النثر مثَّلت صدمة حضارية عانى منها المجتمع العربي عموماً، قادحة سؤال الثابت والمتغير في المجال الشعري العربي الذي امتاز بسطوة الإيقاع، بل والمحافظة على السيمترية الإيقاعية. والسميترية إحدى خصائص فن الزخرفة الإسلامية، ولربما كان هذا مثيراَ للتأمل.
أعتقد أن قصيدة النثر التي تُكتب الآن، اتخذت أصفى ما في القصيدة العربية بالمعنى الشامل، وما في التراث الإنساني، مصدراً لتوهجها. وفي سؤال حول دلالة عودة القصيدة المنبرية يقول الكناني
هذا صراع قديم، تجاوزته قصيدة النثر نفسها، في حين لم يوجد من يبحث عن جوهر الشعر، والعالم السرِّي الذي تنبثق منه الشعرية، منذ طرفة ابن العبد وحتى أيامنا.
أما عن المنبر والشعر فأعتقد أنه قد تحول تحولات كبيرة، المنبر لم يعد تلك المنصة التي يقف خلفها الشاعر أمام جمهور غفير.. المنبر الآن تستطيع أن تصنعه بضغطة زر إلكتروني عبر الفيس بوك أو المدونة .. المنبر القديم لا يوجود له إلا في مخيلات الآلات الإعلامية التي تحاول أن تجعل الشعر سلعة للمشاهدة ولن تستطيع لذلك سبيلا.
نقلاً من الوطن القطرية