شــتـمـني المــــكان

ابوعلى عبيد محمد
يعد الادب الرمزى اعمق اثرا والطف مذاقا واشمل تصويرا من التعبير المباشر الذى غالبا ما يواجه تعسفا من السلطان او اى من المخالفين للفكرة المعينة .ولذلك لجأ الكتاب من قديم الزمان الى الرمزية فى البيان، واشهر ما عرف من هذا النوع من التعبير الرمزى فى التراث الانسانى كتاب ( كليلة ودمنة ) للفيلسوف الهندى ( بيديا ) . وقد اشتهر بهذا الكتاب الاديب الفارسى عبد الله بن المقفع اكثر من مؤلفه بعد ان قام بترجمته الى الفارسية ثم العربية ، كما اشتهر الحجاج بن يوسف بمقولة الشاعر سحيم بن وائل الرياحى فى خطبته بالعراق ( انا بن جلا وطلاع الثنايا متى اضع العمامة تعرفونى ). ومن هذا الضرب من الادب الرامز، يحكى ان سخلا كان يعتلى سقف منزل صاحبه فمر من تحته بالطريق نمر ، فشتمه السخل ، فنظر اليه النمر بازدراء وقال له ( انت لا تستطيع ان تشتمنى ايها السخل الضعيف ولكن المكان هو الذى شتمنى ) ثم انصرف . فلولا سقف المنزل الذى يستعصم به السخل فى حماية صاحبه لما تجرأ ذلك السخل الضعيف على شتم النمر المفترس . وهذه الحكمة تتبدى باوسع المعانى حيثما كان (المكان) غير مناسبا لمقتضى الحال ، كقول شاعر العرب المتنبىء : وان كان سكناى فيك منقصة + لم يكن الدر ساكن الصدف . ويبادرنى هذا المعنى الذى ابدعه المتنبىء كلما تذكرت سكن الشاعر الغنائى الفذ سيف الدين الدسوقى عند سفح جبال كررى – كما ذكر – وهو الذى تغنى بعشق ( المدينة الانثى ) امدرمان باجمل الكلمات ، ومن اجلها ركل التابعية السعودية وابحر للسودان . ايضا سكن العندليب الاسمر زيدان ابراهيم بالشقلة ، وهو الذى اشجى قطاعا واسعا من الجمهور باعذب الاغانى واشجى الالحان . وكثيرون غيرهم من المشاهير سكنوا فى اماكن لا تناسب مقاماتهم . كذلك نجد بعض الابنية قد شيدت باماكن لا تناسب اغراضها فتكون الخسارة مزدوجة . ومن تلك الابنية الخاسرة مقر عند مدخل كبرى بحرى . وحينما بدأ التشييد قبل بضع سنين كتبت فى هذا المكان منتقدا الموقع لخصائص الغرض ، حيث يصعب وصول الزبون للمصرف بسبب الكبرى من الناحية الشرقية والمنطقة العسكرية من الناحية الغربية والنيل الازرق من الجنوب . فالمكان غير مبذول للزبون كما المنطقة الصناعية او السوق لهذا النوع من المناشط الاقتصادية المرتبطة بالجمهور، والغريب ان المبنى معروض للبيع منذ اشهر ويبدو ان احدا لم يخطو اليه ، لانه لايناسب اى منشط يرجى منه منفعة .ايضا من الابنية التى فقدت قيمتها بسبب المكان – مول الواحة . فقد انشىء هذا المبنى الضخم لاغراض متعددة كالتجارة الحديثة والتسويق السياحى فى مكان يجرى تفريغه من المواطنين والمواصلات ، فمنذ ان تميل الشمس للغروب تفرغ المنطقة تماما من الجمهور ، وكان الانسب ان يكون هذا المول الفخم برفرف منفسح من العاصمة ، مثل مول عفراء الذى يكتظ بالجمهور كلما أليل الليل . وسبق ان انشئت مكتبة القبة الخضراء بالسوق العربى فى اوائل التسعينات رغم اعتراضنا على الاسم الحصرى لقبة الرسول صلى الله عليه وسلم (الخضراء) ، فلم تلبث المكتبة الا قليلا حتى ازاله المتعافى فى اول عهده بالولاية . ولو كانت تلك المكتبة وجدت المكان المناسب بجنوب الخرطوم بجهة جامعة افريقيا مثلا لنمت وتطورت وصارت حتى الان مكتبة عالمية كمكتبة الاسكندرية ، ولكن قلة الفكرة وقصر النظر اضاعتا المكتبة كما اضاعت مشروعات كثيرة مماثلة فى اغراض مختلفة كاستخراج البترول فى مناطق التمرد الامر الذى اجج نيران التمرد حتى انفصل الجنوب وضاع علينا اكبر استثمار استراتيجى . وفى المقابل نلاحظ الاستراتيحية بعيدة المدى فى تشييد الكنائس فى العهد الاستعمارى ، والان وبعد مائة عام من التطور العمرانى لبلادنا يتجلى مظهر الكنائس بمواقعها المميزة فى العمران . فكبرى المك نمر اظهر كنائس بحرى اكثر مما كانت ، والعمارة الكويتية ابدت الكنيسة وكأنها جزء منها فكان القادم للخرطوم لاول مرة يظن انه نزل بكنتربيرى، حتى القصر الجمهورى لم ينجو من مواقع الكنائس المتميزة الى ان احيلت كنيسته الى متحف بنفس شكلها المعمارى . ولا غرابة ، فالمهندس المسيحى وليم ماكلين هو الذى خطط مدينة الخرطوم عام 1906 على شكل العلم الانجليزى ، فيا لوطنيته ومهنيته الفذة ! وبمدينة الابيض هيمنت الكنيسة على ميدان الحرية حتى تم حجبها بمئذ نتين . وفى التجربة الشخصية اذكر ان قرعة الاسكان رمتنى بضاحية الازهرى شرق فى الثمانينات . وحينما رايت المكان قفرا سحيقا ذهبت مستاءً لوزارة الاسكان طالبا الاستبدال لاى مكان اخر مثل جبرة . ولحسن حظى لقيت من المسئولين المرحوم توفيق ابراهيم الذى استقبلنى احسن استقبال بعكس ما كان يقال عن تعسف موظفى الاراضى ، وافادنى بامكانية التبديل اجرائيا . ولكنه استدرك ناصحا بان منطقة الازهرى شرق تعد من افضل مناطق الخرطوم الجديدة كنتوريا ، وطفق يورد لى مزاياها منذ القرن الثامن عشر حيث كانت بها سوبا عاصمة البلاد ، وان الروس مسحوا الخرطوم جوا واختاروا المكان لمستشفاهم ( سوبا ) فى اوائل العهد المايوى وما زال يعدد لى مزايا المنطقة حتى رضيت بها . والان ، كلما شاهدت بمنطقة الازهرى الادارات المهمة التى انتقلت اليها – مثل السفارة الامريكية ، رئاسة المرور ، جامعات السودان والرازى والوطنية ، وملاعب القولف العصرية والمستشفى الايطالى ووزارة الاسكان نفسها – ارفع اكف الضراعة للحى القيوم ان يرحم توفيق ابراهيم ، واظل ابذل نصيحته للقادمين الجدد للمنطقة صدقة جارية للرجل الذى اخلص للوظيفة العامة اخلاصه للعبادة . فالمكان يا سادتى سر من اسرار مصير الانسان فى كل الازمان ، ومن اصدق من الله قيلا (واما من طغى واثر الحياة الدنيا فان الجحيم هى المأوى واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هى المأوى) .