شاعر النوبة والعروبة … علي صالح داؤود

محمد العكام
ولد بقرية أرقين النوبية درس بكلية غوردون 1920م وتأهل في علوم التربية داخل السودان وخارجه حتى نال أعلى الدرجات فيها ومنذ العام 1944 ظل المرحوم علي صالح يعمل في مهنة التدريس متنقلاً بين مدارس السودان ومعاهده في العاصمة ومعظم أقاليم القطر وعلى كل المراحل التعليمية وبذلك أصبحت له قاعدة عريضة من التلاميذ يمثلون السودان بكل سحناته ومشاربه، في هذه المحطة نحكي عن فترة إقامته بمدينة كسلا بعد آخر محطة عمل بها في المرحلة الثانية وهي مدرسة عطبرة الثانوية بنين، ومنها إلي مدينة كسلا ليشغل منصب مدير عام وزارة التربية والتعليم، وكان وقتها يقسم السودان إلي أقاليم، ويحكم الإقليم الشرقي حامد علي شاش، وهو من سكان القرية (11) في حلفا الجديدة بعد التهجير، كان شاعراً فذاً يمتاز بروح الدعابة والسخرية التي أتصف بها أهلنا الحلفاويين، عاش في كسلا متقلداً ذلك المنصب في حقبة سبعينيات القرن الماضي حتي تقاعد عن العمل في العام 1981م بسبب اختلافات إدارية مع حاكم الإقليم حينها، له كثير من الطرائف والغرائب التي كانت تحكي عنه مع الدكتور أحمد طه الإمام (رحمة الله عليهم)، وحسان أبو عاقلة وجريتلي وغيرهم مما كان يتبادل معهم بما يسمي الإخوانيات وشعر الرسائل التي كان يمتاز بها، ويذكر الأستاذ / محمد أحمد عبده (أبو عمار) أن الأستاذ علي داؤود صالح كان يدعو أصدقائه من الأدباء والكتاب بمنزله العامر (حالياً منزل مدير الجهاز القضائي) لتناول وجبة الإفطار المكونة من الملوحة والقراصة وأحياناً التركين، وأغلب هؤلاء الأصدقاء كانت تربطهم صلات وثيقة في الشعر والأدب أمثال كجراي، حسان أبو عاقلة، عمران العاقب، محمد صالح هارون الملقب بـ(إبن هارون)، كمال عبد الحليم وميرغني محمد عثمان ديشاب … وهذا دلالة علي الكرم الحاتمي والإخاء الذي كان يتميز به. إمتاز بتداوله الشعر في التعامل مع أصدقائه وزملائه وكان يمازحهم بالشعر، وفي ذات مرة حضر إليه خضر عبد المجيد مدير شرطة بلدية مدينة كسلا حينها، وطلب منه تشغيل إبنته التي تخرجت من الجامعة، فحمله رسالة إلي حسان أبو عاقلة مدير المرحلة الإبتدائية وصديقه الذي يشعر معه الإخوانيات وقال له بنت خضر تستحق المساعدة، فلم يتم تشغيل البنت، فرجع خضر عبد المجيد وحكي للأستاذ علي صالح داؤود وقال له حسان أبو عاقلة رفض تشغيل البنت، فخاطبه ببيت شعر ٍ جميل ذكره لنا الأستاذ أبو عمار قائلاً:
حسان يا شيخ العرب
ماذا جنيت من العرب
غير العمامة والشنب
ومن أعز أصدقائه صديقه اللدود الأستاذ سليمان زروق الذي يحفظ أسراره وأشعاره وكل جميل عنه، كنت أود أن ألتقيه، لكن علمت أنه مع إبنته بالمملكة العربية السعودية. ما دعاني أن أكتب هذه العجالة عن هذا الشاعر الجميل قصته مع الأستاذ علي البشير وقيع حيث حضر إليه طالب من أبناء البني عامر، وكانت حالته يرثي عليها ويريد مد يد العون له، وبحكم أنه كان مديراً عاماً لوزارة التربية والتعليم أرسل الطالب إلي الأستاذ علي البشير وقيع الله مدير مدرسة تاجوج (القرية) الإبتدائية جنوب مدينة كسلا، ومعه هذه القصيدة التي تعتبر بمثابة خطاب قائلاً فيها :
صبي من بني عامر … تخطي عامه العاشر
ولم يظفر بتعليم … ينمي عقله القاصر
أتي يوماً لديواني … ليشكو حظه العاثر
وهل أنا كنت محتاجاً … لأسمع منك يا عامر
كفاني صوتك الحائر … كفاني جسمك الضامر
كفاني جفنك الغائر … كفاني وجهك الغابر
كفاني ثوبك المرقوع … يحكي بؤسك الظاهر
وكل كريهة نابتك … لا تخفي علي الناظر
فدع شكواك يا هذا … وداعب عودك الساحر
وأمطرني بألحان … تهز كوامن الشاعر
فتشجيه وتنسيه … مآسي دهره الغادر
فكم في الدهر من غبن … وكم من مشهد جائر
وكم مثلك من طفل … يهيم مشرداً حائر
بلا راع ٍ ولا هاد … يشق ظلامه الآسر
يخوض العمر منفرداً … فلا خل ولا سامر
ولولا أن رعاك أب … رحيم عطفه غامر
وآخر صنوه في الفضل … دوماً ذكره سائر
لكنت اليوم منسياً … حبيس كيانك الخائر
تبث همومك الحيرى … لعود مرهف الخاطر
فيسكب لحنه دمعاً … يسيل بخدك الغائر
لقد ضمتك في تاجوج … مدرسة بها ناظر
يحيل العود أنغاماً … فيا بشراك يا عامر
فعش في غمرة الألحان … وأغنم عهدك الزاهر
ولكن من يقيك الفقر … من ذاك الفتي القادر
بشير قبلة الضعفاء … نعم الغوث والناصر
حذقت رعاية الأطفال … حذق مدرب ماهر
وجدت بمالك الأوفى … علي المعسور والقاصر
فخذ بزمام هذا الطفل … تحظ بشكرنا الوافر
هكذا كان التعليم والمعلمين والآباء، كان أديبنا نوبيا أصيلا متمكنا من اللغة النوبية والعربية والانجليزية ذو بداهة وطرائف وكان حنينا لمرتع صباه أرقين وقد كتب الكثير من القصائد النوبية والعربية والانجليزية ، وأحيانا كان يكتب الشطر الأول باللغة العربية ويكمل الشطر الثاني بالنوبية ، وقد صدر له حديثا ديوانه الأول (بدون عنوان) إلي أن توفاه الله في 22/ 12/ 2008م رحم الله الأستاذ الأديب الأريب علي داؤود صالح شاعر النوبة والعروبة رحمة واسعة وأسكنه الله فسيح جناته مع الصديقين والشهداء وحسن أؤلئك رفيقا !!!
كسلا _ السودان
23/ ديسمبر 2015 م