بنية اليقين والأمل عند الشاعر محمد محي الدين

عزالدين ميرغني
الشاعر الراحل محمد محي الدين , يعتبر من المبدعين القلائل في بلادنا والذين يحملون أكثر من بطاقة أدبية , وينتمون لأكثر من جنس أدبي . فهو شاعر ومسرحي وقاص وإعلامي . وهو إذا يمتاح من الكثير من أنهر المعرفة والإبداع . وقد استفاد من ميزة كل واحدة منها في رفد الأخرى بالمميزات التي لا توجد . ( النص المفتوح على أكثر من جنس أدبي ) . فقد استفاد شعره بهذا التزاوج وهذا التلقيح . فهو يغرق في تراتيل غنائية ذات موسيقية عالية . وقد يقوده حماسه للفكرة التي يؤمن بها , أن يستغرق في خطابية ذات هتافية عالية , والتي لا تضر بالميزان الشعري عنده . وتنفتح على دلالات شتى . ولعله بذلك قد تأثر بشعر الشاعر الفلسطيني محمود درويش . في هذه الهتافية غير المضرة , وتدخله في مدرسة الوضوح الشعري غير المباشر ,كما عند صلاح عبد الصبور وأمل دنقل , ومحمد المكي إبراهيم ومحمد نجيب محمد على .
لقد امتاز شعر الراحل ( محمد محي الدين ) , بالحشد اللفظي الجميل والمختار بعناية , لكي تتراكم ألفاظه اللغوية بشكل عمودي , وليس بشكل أفقي , فالشاعر محمد محي الدين , يكرس نزعة التلاحم بين الأنا القريبة , والهو البعيدة , وهو يبث اليقين والحلم بعالم جميل , إن لم يكن موجوداً الآن , فهو حتماً سيأتي يوماً ما , وهو واثق من ذلك . فذاته رغم معاناتها فهي قوية بالأمل واليقين . فنصوصه تشخص الداء , وتداويه بالرجاء . يقول :
أغنيات ما علاها الصدأ المدفون في قلب الزمان
كلمات رفضت أن يأسر الدافق في إيقاعها برد المكان
فلا صدأ الزمان , يستطيع أن يكتم الأغنيات , وهي بانطلاقها وحريتها لا تقبل أن تكون أسيرة المكان . فهي أغنيات حية ومتجددة في الشكل والمعنى . ( إيقاعها ومعانيها ) . فالشاعر يغني رغم كل المحن , ورغم كل الأدواء والأنواء . فالأنا عنده دائماً هي حالة روحية , وليست حالة جسدية , فعذاب الروح ومعاناتها أشد وأمضي , يقول : –
بين الحقيقة والوهم يمتد ظلي
وتمتد روحي
وينتهز الصمت فرصة اللا كلام
فروحه تائهة , بين الحقيقة والوهم , والصمت عنده , ينتظر لكي يدعه يبحث عن هذه الروح المعذبة والتائهة , ثم يقول : –
سطو الليل على الواحات
والحانات وارتاح السكارى
وأنا …
أبحث عن ضوء حقيقي يلاقيني
ويبهر
فهنا , يضع ( الأنا ) , في سطر مستقل , ليؤكد بأن ( أناه ) , والتي هي حالة روحية , أقرب للتصوف , فهي روح قلقة , تبحث وتفتش عن النور الخفي , ذلك النور الذي ليس متاحاً للكل , وليس مباحاً لكل عين , لأنه موجود بالدواخل , ( النور الداخلي الذي ينير عتمة الروح ) . يقول عنه :
فتعالي …
نبحث الآن عن الشيء الجديد
فهي دعوة مشاركة ( مشاركة الأنا , مع الآخر ) . والدعوة هنا , ليست دعوة لقاء جسد مع جسد , وإنما هي دعوة روح , إلي روح . لذا فهو لا يريد أن يبقى في المكان , الذي يفصله عنها , وإنما يريد أن يوقف الرائحين , لكي يحملونه على صوتها , حتى ولو كان خيالاً وصدى . يقول في ذلك وينادي بالصوت الهتافي العالي : –
أيها المتعبون قفوا ..
أيها الرائحون قفوا ..
واحملوني على صوتها .
ورغم التعب والضنى والبحث عن الروح التوأم , ورغم صراخه المعلن , فهو لا يتعب , ولا يصيبه اليأس , فبالرغم من أن قصيدته تبدأ غالباً وتبدو بأنها تعبر عن حالة اللا توازن , واللا يقين , ثم يكثر فيها الصراخ والشكوى , ولكن نصه يحمل بقوة بنية اليقين والأمل والرجاء , والذي ينقل القصيدة من اللا توازن , إلي الثبات والتوازن . فكل قصيدة عنده تنتهي بمشهد اليقين الواثق , والأمل المرجو . فيقول وهو يأمر الأنا عنده لكي تقبل وترضي ببنية الأمل واليقين بحدوثه .
أهجر الحضن الذي لا يحتويك
وأترك الوعد الذي لا يشتهيك
وأنظر الساحة ليلاً .. فجأة
يتدفق الشوق ويهتز الوتر
يصطفيك العشق صدقاً
تحتوي نجمك …
تأتيك المناديل الوضيئة
فهذه القصيدة , تبدأ بمرحلة اللا توازن , ( أيها المصلوب كالنجمة ترجل ) فقد كان ( مصلوباً ) , أي أنه يحمل عذابه ويحمل معاناته لوحده . فالمصلوب , هنا تشبيه جميل وصورة مجسدة حية لأن المصلوب لا يشاركه في عذابه أحد . والقصيدة في النهاية تستعيد بنية الأمل والرجاء ويعود التوازن , ( المناديل الوضيئة ستأتي ) . وستحتوي هذا النجم . لأن المناديل , هي دائماً , تمثل المعادل الموضوعي , للسلام , والأمان . وهي التي تمسح الدمع الهتون . فكلمة ( المناديل ) , تتكرر عند الشاعر محمد محي الدين في أكثر من مرة , حتى أنها أصبحت متلازمة , ونغمة لحنية مكررة , لها دلالاتها ورمزيتها العالية . ولقد استخدم فعل الأمر حتى يقنع ذاته بما يؤمن به ويرجوه ( أهجر , أرفض , أشدو , أترك . ) . ثم يكثر من استخدام الجملة الشعرية الأقرب إلي التقريرية , لضخ الأمل في النفس لتستعيد توازنها النفسي .
ما يجيء الحب إلا فجأة
تهتز كل الدور
ترتاح العصافير
على الأبواب
يمضي زمن الرعب
وينمو في العبارات الوثوق
فهنا يبرر يقينه وإيمانه بالأمل , وبأن الحب دائماً يأتي فجأة , حيث سترتاح العصافير , وحيث سيمضي ويفوت زمن الرعب , وحيث سينمو في العبارات الوثوق . ( آلاف الشبابيك تناديك ) , ففي هذه الجملة توجد صيغة ( مبالغة ) , وذلك لترسيخ اليقين , وإبعاد الشك , لأن الشباك المفتوح يرمز على الترحيب ودخول الهواء الطلق . لقد لجأ الشاعر إلي استخدام تقنية ( التصاعد ) , في نصه الشعري , وذلك حتى تبلغ الرسالة مداها , والشكوى منتهاها , ثم بعد ذلك يبدأ العد التنازلي , لكي يعود الأمل واليقين , بدلاً عن اليأس الحزين . ورغم هذا التصاعد , من اليأس إلي الرجاء والأمل , فإن بنية القصيدة لم تتصدع , فقد استوعبت القصيدة ذلك بموسيقيتها العالية ومعانيها البسيطة غير المعقدة . وهذه البساطة لا تعنى المجانية واستسهال المعنى . فهو يتحكم في الزمن , صعوداً , وثباتاً . والزمن عنده تتجسد فيه بنية اليقين والأمل , ( كرنفال العصافير وهي تضيء الزمان ) . وقد اثبت مقدرته الأسلوبية في استخدام أدوات الاستطراد ليدخل الجملة التي تؤكد ثباته ويقينه . وينهي هذه القصيدة بلحظة تنوير كبرى , كأنما هو يكتب قصة قصيرة , وهذا من تأثير معرفته بعدة أجناس أدبية أخرى .
فالقرى أقبلت
والظلال كعاشقين
فأدخلي في اخضراري
فقد أخبرها بأن القرى , ببراءتها وجمالها , قد أقبلت , كأنما يريد القول , بأن المدينة التي كانت تسكنه قد تخلص منها , وأنه في النهاية واثق من دخوله مرحلة الخصب والاخضرار . فالمدينة هي غربته الأولى . والقرية عنده هي خلاصه من اغترابه . فيقول عنها ( العيون التي بعثرت لغتي في دروب المدينة ) ويقول : ( وما علمتني التماسك ) , وعكس القرية التي : ( فالقرى حملتك الطفولة ) , ويقول : ( القرى المهجورة السوح تجدد ما يموت النغم المحضور في الذكرى إذا اهتز الوتر ) . ويقول وهو يذم المدينة :
ولكن هذه المدينة
تغلق أبوابها
ثم تخلع أثوابها
وتغافل بوابها
ويردد دائماً ( المذلة قابعة في دروب المدينة ) .
وتخادع أحبابها
وتراقص أربابها
تنتهك هذه المدينة
كانت تبيع الهوى وتباع
أنا كنت عاشقها
وعن القرية يقول :
وكأن القرى
سكنت في جداولها زمناً
لبست ثوبها الشجري
المورد واحتملتني
وعندما يحس الشاعر محمد محي الدين , بأن هجير الواقع قد تلظى بناره فإنه يرتاح في دوحة الرومانسية الظليلة , فيكتب بمقاربة رومانسية تقوده إلي دوحة الأمل .
أعلم أني
أضعتك يا نجمة البحر
فانتظري الرحلة القادمة
ينبت العشب في الليلة التالية
ويسافر طير الشواطئ ويعود
فدلالات الأمل عنده تظهر في مفرداته الرومانسية ( المناديل , العصافير , العشب , الندى , النجمة , النيل والشواطئ , الضفاف , حقول القمح ) . فالشاعر يضخ الأمل للآخرين أيضاً . يقول في خطابية متأثراً بها بشعر محمود درويش : –
يا أصدقائي
امنحوني البطاقة
وتعالوا ..
لنجتاز أسلاكها
لنتجاوز حراسها
ويلجأ لاستخدام ( تقنية التبنين ) , لكي يثبت صدق قوله
المركب الآن في البحر
المركب الآن في البر
يمتزج البحر والبر
نخترق الآن
سور الحصار
فقد وصل الكل إلي لحظة الانتصار وهزيمة اليأس , ومن ثم اجتياز سور الحصار , وفي لحظة التأكد والوصول , فهنا تنزاح اللغة الرومانسية لتحل محلها لغة الرمز والمجاز . ولغة السرد حيث الحركة واستخدام أفعال المضارع الحركية ( نخترق , نتجاوز , أشتم , يمتزج ) .
هنا فإن النص الشعري عند الشاعر محمد محي الدين , كما قال عبد القاهر الجرجاني , كالبناء أحكمت صفوفه , ورصت أركانه , وتداخلت أجزاؤه بعضها فوق بعض , فحال المبدع فيها كحال الباني ( يضع بيمينه ههنا في حال ما يضع بيساره هناك ) . ويقول : ( وواضع الكلام مثل من يأخذ قطعاً من الذهب أو الفضة فيذيب بعضها فوق بعض حتى تصير قطعة واحدة ) . لقد جعل الشاعر ديوانه كتلة واحدة من المعني , ولكن من هذه الكتلة شكل صوره الشعرية كما يريد فجاءت متنوعة , ولكنها كلها في خدمة المعني . ولقد استفاد من تقنية التفعيلة في أن يكون أكثر حرية في تشكيل صوره لتخدم معانيه . وهذا يقودنا للحديث عن الأسلوبية واللغة الشعرية المميزة في ديوانه ( الرحيل على صوت فاطمة ) . والذي جاء يحمل عدة دلالات تنفتح على كثير من الرموز والمعاني الخفية , فالرحيل يعني دائماً الحركة , وليس الثبات والجمود , وهذه الحركة هي التي أتاحت للغة عنده الحرية في التنوع في الخطاب الشعري عنده .