المفكر اليساري البروفسير عبد الله علي إبراهيم في حوار مع (الوان)

إجراء حوار مع (سياسي مفكر)، وليس مفكر سياسي، لن يكون بالأمر اليسيير بأي حال من الأحوال، فالمفكر اليساري الذي تمرد على حزبه العقائدي يوماً ما بحجة التجديد، يصعب إلقاء القبض عليه في حوار صحفي، مهما حاصرته الأسئلة والإستفاهامات سيجد منفذاً يخرج به، لكن (90) دقيقة بالجميلة المستحيلة جامعة الخرطوم كانت كفيلة لإستنطاق الرجل في الكثير من القضايا، بدءاً من كتاباته المملوءة بالأمل والتفاؤل، مروراً بالمراجعات الفكرية والسياسية، وإنتهاءً باللوم الذي قدمه بدموع خفية لشيخ اليسار السوداني (الحزب الشيوعي)، الذي وصفه بأنه بات خارج المضمار السياسي، أو (بره الشبكة)، وتحدث الرجل في الحوار الذي إمتد لأكثر من ساعة ونصف عن دخول العسكر إلى السلطة، وإنقلاب الإسلاميين في 1989م، بالإضافة إلى حديثه عن ثورات الربيع العربي وغيرها من المواضيع التي سنطالعها من خلال هذه السطور.. فإلى مضابط الحوار.

حوار:عايدة سعد

في البدء.. ما سر التفاؤل الذي نلحظه في كتاباتك وهل مازال الأمل باقياً فعلاً…؟
نعم ما زال الأمل موجود وبدونه يموت الحلم، فالخيبة التي ورثناها منذ الإستقلال في نظم الحكم المختلفة، هي (خبرة) وليست نفايات كما يراها بعض الناس، وما في أمة نالت إستقلالها في 1956م، يتم بناءها خلال (62) عاماً، فالشاهد في الأمر أننا ليس لدينا إحتمال لأذى بناء الوطن ونضيق بالخصومة والفشل.
إذن ما هو المطلوب الآن…؟
لابد من تشخيص الوقائع المؤسفة منذ الإستقلال كخبرة في بناء الأمة ونقارنها بغيرها من الأمم وتجاربها، حينها سوف يفتح لنا باب جديد للأمل، فمثلاً الدولة الأمريكية عاشت حرب أهلية حول قضية حرية الزنوج من أبشع الحروب وما ظن الناس أن يسلم منها أحد، من ناحية ثانية ما زال الانقسام بين الشمال والجنوب موجود من خلال علم الكنفدرالية لم ينزل من سارية ولاية جنوب كارولاينا إلا قريباً أي بعد المزبحة الكنسية المعروفة.
كيف سنتعامل مع هذه الخبرات…؟
أفتكر أن هذه الخبرات يجب أن نتعامل معها كمادة لبناء الوطن وليست مادة لليأس ورفع اليد عنه.
برأيك كيف يمكن أن نقارن بين ثورات الربيع العربي وثورتي أكتوبر وأبريل…؟
نتحدث كثيراً عن أننا سبقنا ثورات الربيع العربي بربيع (64 ـ 85) لذلك نحن لدينا ربيع متجدد، لكن الثورات العربية لديها ربيع مؤجل لأنها كانت مغرية بنظم تقدمية وأخرى قومية، فهناك (دروخة) تعاني منها الشعوب العربية ولم تفُق منها إلا بإنتفاضة الربيع العربي، فهي حاله خاصة في كل دولة على حدا، ونحن قسمتنا كده إننا دولة متعددة متنوعة.
ما الذي تعنيه بأننا دولة متنوعة…؟
يمارس الناس السياسة فيها بصورة واسعة على مستوي إتحادات الطلاب ونقابات العمال وغيرها، فالسياسة مطلب يومي ولذلك عندما جاء عبود لم نحتمله لأننا كنا نمتلك وعياً ومهيأيين لنظام أفضل من الذي عرضه علينا، فأخذناه بالسياسة من خلال النضال اليومي، وكذلك النميري تعاملنا معه مثلما ما تعاملنا مع عبود، أما هذا النظام فقد تراخت وتغيرت كثير من الاشياء، ولكن مازال الأمر مطروح في كيفية تغييره، خاصة وأنه مأزوم منذ عقود، لكن المشكله أن لا أحد قادر على تغييره، وذلك لأن التشكيلة السياسية التي غيرت الأنظمة سابقاً لا توجد حالياً.
(مقاطعة).. هل تقصد أن المعارضة عجزت عن تغيير النظام…؟
نعم.. عجزت وتهاوت ومعظم أفكارها وأيدولوجياتها لم تعد براقة وجذابة ولم تخلق أي أفكار جديدة، فما زالت الأحزاب التقليدية قابعة في حالتها والماركسية أصابها ما أصابها، أما الحركة الاسلامية أنتهت لأنها كانت جزء من عمليات التغيير، وإذا نظرنا لها وجدنا أطراف منها في الدولة، ولكن الحركة الإسلامية التي نعرفها كإرادة موحدة على قلب رجل واحد غير موجودة.
من الذي أنقض على الحركة الاسلامية…؟
هي التي قضت على نفسها عندما حاولت (الإستفراد) بالحكم، وفرضت مشروعها الحضاري، والقوات المسلحة في تكوينها لا تتعايش مع حزب إلا حزبها الذي تعمله من داخلها، لكن الحركة الاسلامية عندما عرفناها على الرغم من خلافنا معها فهي حركة سياسية بالمعنى السياسي لديها قيادة وإرادة وخطوط تعمل فيها.
لماذا لم تكون المؤسسة العسكرية حزب خاص بها…؟
هذا الأمر قد ينتج عنه مصالح حكومية أسمها الحزب مثل الإتحاد الاشتراكي، والمؤتمر الوطني، وهي جزء من الدولة وهذا الوضع جعل هناك عدم تفكير في السلطة ، رغم إحتياج الناس وسخطهم عليه.
هل تتوقع أن يخرج من داخل المؤسسة العسكرية من يستلم الحكم؟
هذا أضغاث كلام، ولو إستلموا الحكم حيعملوا شنو فلو حصلت سوف تصبح بيعة خاسرة، لذلك لابد من تغيير جماهيري علي مستوى السلطة.
أنت شاركت في مؤتمرات الانقاذ التي أقامتها في بداية عهدها وتحدثت عن ان المشاركة أفضل من الاحجام كيف يمكن أن نسقط هذه الفكرة علي الحوار الوطني…؟
كان النظام وقتها طازجاً عندما شاركت في مؤتمراته، لأنه من خلال متابعتي للفترة الديمقراطية عن كثب، تيقنت وقتها بحدوث إنقلاب سواء كان من الإسلاميين أواليساريين أو القوميين العرب، وقد كان واضحاً أن البعثيين يعدون للأنقلاب الذي تم في رمضان، فقد كان وقوعه قدر لا مفر منه، أما الأمر الثاني فقد وضعت في الاعتبار أدانة الاحزاب للأنقلاب وتسعي لأسقاط الحكومة ولكن لم يحصل ذلك، لذا وصلت لقناعة أن البلاد تمر بأزمة وطنية وليس هناك مجال لإدانة الإنقاذ ونقول نحن الفرقة الناجية، والأزمة الوطنية ليست لعبة حكومة ومعارضة وإنما شرخ في جدار الوطن ولا تستطيع أن تضع يدك علي الخطأ وتقول فعله (X) من الأحزاب.
برأيك من المسؤول عن هذه الاخطاء…؟
كل الأحزاب شريكة في هذه الأخطاء حكومة ومعارضة، وبمساهمات مختلفة، فهناك من أتى بدري وعمل الخطأ وهناك من ورثه، فهذه الحالة المركبة لم تعطينا البراح الذي تتزعمه المعارضة أن هي الافضل، والشاهد في ذلك أن أزمة الجنوب كل الاحزاب توافقت وساهمت في انفصاله، وكل هذه الأحزاب منذ الإستقلال لم تعلن وقف الحرب أو تعطي اهله مطالبهم، وهذا التحليل قادني للمشاركة في مؤتمر الحوار، فالنظام كان (دغيل) ولا يريد السير في طريق المصالحة السياسية، وكان همه تأمين نفسه، وكذلك المعارضة تعاملت مع الوضع بعدم جدية.
ما الذي حدث بعد ذلك…؟
ذلك أدى إلى سقوط مشروعي الذي كان يهدف إلى تحويل الإنقلاب إلي نظام ديمقراطي فيه إعتبارات للحرب والسلام.
ماذا أستفاد الجيش من السياسة؟
القوات المسلحة قبيل انقلاب الاسلاميين كانت في اسوأ حالاتها، وقد بدأت في مشروع الانقلاب بتقديم المذكرة وهو ما يمكن أن نسميه أنقلاب زاحف وقد كانت كل الأحزاب تتهيأ لإستلام هذا الانقلاب، لذلك أقول أن الجيش مؤسسة اللون السياسي غير مهم فيها، والشاهد في ذلك أن الجيش في 1969م، أخذ بالشعار اليساري وفي الثمانينات غلب الشعار الديني تلونت بالشعار الإسلامي، لذا أقول أن الجيش لا يكثرث للأيدولجية، وإنما يأخذها من أجل الغطاء والحلفاء، وذلك لأن الجيش كان مزنوق وطنياً نسبة للحصارالمفروض على بيع السلاح ولا يوجد تمويل للقوات المسلحة، وكان لازم يعمل حاجة سواء بدعم اليسار أو الإخوان.
هل فعلاً المؤسسات العسكرية خالية من السياسة…؟
بعض الصفوة المدنية وصلوا إلي قناعة بأن كل الاحزاب قد قامت بإنقلاب، وهذا قد أظهر للناس أن الجيش يوحى له من الأحزاب السياسية، وخالي من السياسة وبتجيهوا من الخارج، وليس له سياسة تسليح أو سياسية موارد أو سياسة رتب أو مرتبات وهذه هي سياسة الجيش، ففي حقيقة الأمر أن الجيش لديه وعي بسياسة سوق السلاح أكثر من السياسيين، وفي لحظة من اللحظات الجيش قال نحن لم نعد لدينا سلاح وكل الدول خاصمتنا وقاطعونا، والمدنين ما بعرفوا الكلام ده وغير مهمومين بقضايا الجيش كمؤسسة مكلفة من قبلهم في البرلمان والحكومة بالدفاع عن الوطن، فمثلاً الصادق المهدي ساوى بين مرتبات الجيش والقضاة وهذا لا يستقيم، لذلك أقول ان الجيش لديه سياسة لم تدرس.
ذكرت في مقال سابق أن اكبر أسباب قصور المعارضة تسليمها بأن أنقلاب 89 خالص للأسلاميين؟
نعم.. وهذه حجتهم لكي يقولوا للإسلاميين أنكم عملتم إنقلاب، لكنهم لم يدرسوا تفاصيل ذلك الإنقلاب وقد إستمعت في ذلك لعدد من الضباط الذين قالوا لي نحن كنا تحالف والإسلاميين كانوا كالنار من تحتهم، وشيئاً فشيئاً وضع الإسلاميون يدهم على الإنقلاب وحالوا أستخدام عصا الجيش الغليظة ولكنها ضربتهم، والشاهد في ذلك أن الحركة الاسلامية قد حلت من اليوم الاول للإنقلاب.
تحدثت أيضاً عن أن المدنيين هم اسوأ مؤرخين للمؤسسة العسكرية كيف ذلك…؟
نعم.. لأنهم لا يهتمون بالحياة الكاملة للعسكري، ولديهم فهم أن العسكريين بيقبلوا بأي حاجة وفي الحقيقة هم غير ذلك، فالمدنيين عندما يتحدثون عن الجيش يتحدثون بسطحية ولا يذكرون أوجاعهم ومشاكلهم، إذا حدث التغيير الآن هل تعتقد أن الشعب مستعد لهذا التغيير؟
النظام ده مصاب منذ مدة طويلة بما نسميه في الماركسية بالأزمة الثورية وهو يمر بها الآن، ولكن القوى المعارضة لم تستثمر هذه الأزمة عشان تعمل التغيير، فالحقيقة الغير معروفة للكثيريين أن الشعب لا يريد تغيير النظام لأن المعارضة الموجودة الآن ليست البديل، لأنها مجربة ومختبرة وعمرها الإفتراضي قد إنتهى وغير قادرة على تجديد نفسها، وعايشة (سلفكة) ولا توجد قوة جديدة وكل الأحزاب تقود التغيير عبر المؤتمر السوداني ونتمني يكون قدر التحدي.
ما هي أسباب تدهور المعارضة برأيك…؟
المعارضة تجاهلت الحركات النقابية والاتحادات الطلابية، وذهبت لما لا تعرف وهي حرب العصابات وكل يوم حايمة من مؤتمر لي مؤتمر مع ياسر وغيره وعملت اتفاقات ولن ينفذها الا حاملي السلاح، فالمعارضة هجرت السلاح الداخلي منذ 25 عام وهي (النقابات والاتحادات) الذي يمكن أن تحارب بهم النظام، فلا يمكن إسقاط نظام من غير إتحادات الطلاب التي تقود المظاهرات، ونحن لما كنا بناضل ضد عبود وصلنا إلى حقيقة أن نظام عبود يعاني من أزمة ثورية في 61 وقام الحزب الشيوعي ببيان شهير قال فيه أن نظام عبود يدخل الازمة الثورية وسوف نطيح به من خلال الاضراب السياسي العام وظل ساهراً على تنفيذه حتي وقع في 1964م.
النظام دائماً ما يتحدث عن عدم وجود بديل هل تتفق معه… ؟
نعم أتفق معه وحتي الان ما فيش بديل وزاد من ذلك الاضرابات التي حدثت بعد الربيع العربي جعلت المواطنيين يطلبون الامن لا يطلبون التغيير لانهم ليس لديهم ثقة في الذين يرددون أنهم بصدد تغيير النظام لانهم ليس ليهم قدرة علي عمل كنترول علي الاوضاع، لذلك الشعب لم يستجب لدعوة تغيير النظام والبعض يصفه بالجبن وهو ليس كذلك،وأنما ذكاء،لذلك أقول أن هذا النظام ربنا أشقاهوا بأنه يمر بأزمة ولن تحل قريباً وهذه عقوبة صعبة جداً
(زي البقول ليك الله يطول في عمرك ويقدد عيونك).
# نواصل