الروائية غادة عبدالعزيز خالد في حوار مع (ألوان)

أثارت رواية «ليتك تعلم» للروائية الشابة «غادة عبدالعزيز خالد» عند صدورها العام الماضي كثير أسئلة لشخصية الكاتبة وما تضمنته الرواية, هذا الجدال استمر على مستوى قراءة النقاد وتأويل القاريء, وما بين القراءة النقدية والتأويل, ظل السؤال حول مقدرة الكاتبة «خالد» على الاستمرارية ومدى قدرتها على الخروج من خط الرواية الأولى, وتماسات السيرة الذاتية وسيرة العميد «عبدالعزيز خالد» والذي ارتبط اسمه بأحداث سودانية عسكرية وسياسية في بدايات تسعينيات القرن الماضي.. للوقوف على تجربة الروائية «غادة خالد» وعلاقتها بكتابة الرواية والهجرة والمجتمع الثقافي الأمريكي التقتها «الوطن» إبان زيارتها السريعة الى السودان, للمشاركة في ختام فعاليات جائزة الطيب صالح العالمية للابداع, وكانت هذه الحصيلة..

حوار – محمد نجيب محمد علي – عامر محمد أحمد

× في روايتك الأولى «ليتك تعلم» قرأها نقاد على أنها سيرة ذاتية تداخلت فيها السياسة بحياة الأبطال وبكثير من ملامح نهاية القرن الماضي في السودان لمن الخطاب؟
– صعوبة السؤال تكمن في عدم تخطيطي لكتابة الرواية كما قرأها النقاد, كتبتها وأنا أعيش مرحلة انتقالية بين موطني والاستقرار بأمريكا, مرحلة انتقالية بمعنى الكلمة, وابتدأت كتابها في السودان, كنت أرتاد أماكن عامة, أشرب قهوة أو أقابل صديقات, وأنا في تجوالي هذه, وفي ساعة محددة بدأت أكتب بلا تخطيط..
× كانت الرواية سردياً على تخطيط وتعمد واصرار على الكتابة؟
– بلا شك مراحل عديدة مرت بها ولكنها أتت بلا تخطيط, قد تكون الذاكرة وعاطفة فقدان المكان بالاستقرار في أمريكا, وكان السؤال لماذا أكتب عن أشياء مررت بها, دون إغفال للخيال, من رآها سيرة ذاتية, له مطلق الحرية ومن أسقطها على الكاتبة كذلك. ولكنها محض خيال.
× إجماع النقاد على ملامح السيرة الذاتية؟
– السيرة الذاتية لا خيال فيها, هي حقائق وتواريخ ومشاهد عاشها كاتبها, بحزنها وفرحها, بمرحها وكدرها, واذا كانت تجربة الوالد «عبدالعزيز خالد» العسكرية والسياسية, رأى فيها البعض سيرة ذاتية إلا أنها لم تكن نفس التجربة, أنا لا أنكر أن جزء أساسي من تكوين حياتي ألقت بظلالها والتجربة منذ أن كان عمري «12» عاماً نحن كأسرة في ظلالها من خروج الى الخارج واعتقال الوالد, واحالته للمعاش, لكني أميل دائماً لتصنيف مثل هذه الكتابات الروائية لكثير كتاب بأنها رواية حياة أو ظلال من التجربة الحياتية, وليس هناك من يخلو من هذه التجارب.
× الرواية يحكمها الخيال, و»ليتك تعلم» بها ملامح من السيرة الذاتية للجنرال «خالد» وابنته ألم تخشين التأويل؟
– أكيد, وبعض القراء من الوهلة الأولى, صنفها واذا نظرت الى الطيب صالح في رواية موسم الهجرة الى الشمال, رأيت مصطفى سعيد, وشبح انه هو «صالح» وظلال شخصية «نور» بطلة «ليتك تعلم» ستلاحقني, وتجربتي و»نور» مختلفتان ومتفقتان.
× تجربة «السياسي» هي من قادت الكاتبة «غادة»؟
– لا أزال أرى التجربة بعين أخرى, مع أنني كتبت في الصحافة وعملت برنامج تلفزيوني, وكذلك محطات اعلامية مهنية, كتجربتي مع شركة «زين» والفكرة الأدبية موجودة وتحاصرني أكثر من الصحافة وغيرها, وبلا شك ظلال تجربة الوالد السياسية لها دور في نضوج الانسان قبل «أوانه» «تضحك» إلا ان الاستعداد والاطلاع والقراءة تزيد التجربة نضوجاً وتعطيها الدافع الأكبر للكتابة.
× عملتي في الصحافة وكان لك عمود مقروء, وفي الفضائيات ودخلت عالم الرواية, هل وجدت أن عالم الرواية هو الأرحب, ويعبر عن غادة الانسانة والمهاجرة؟
– العمود الصحفي محكوم بعدد الكلمات والقضية المحدودة التي تناقشها مع نفسك والقاريء, الرواية فضاء مفتوح, ودنيا خيال توازي دنيانا, بل هي دنيانا نفسها مع خيال يحكمها, والرواية فضاء كبير, في داخله العمود والكتاب والناس والرواية لها براح يتسع كلما توغلت داخل النفس الانسانية, وأن تتابع خطواتها سردياً.
× تضيف رواية «ليتك تعلم» كواقعية وادخالها في سرد «السيرة» إلا يخيفك, وخصوصاً أن قوالب الرواية في الكتابة وطرقها انفتحت على كل الحقول الابداعية والمعرفية؟
– على العكس تماماً لا تخيفني واعتقد ان الفكرة هي التي تحكم السياق العام للرواية, وهي فكرة اذا ارتبطت بالواقع وحكاياها تصبح مكتملة بكتابة واقعية, وكذلك الفكرة التي ينسج خيوطها واقعية سحرية أو فانتازيا أو غيرها, وكلما كانت الكتابة أقرب للواقع, تكون أكثر صدقية, واذا نظرت لأجمل روايات العالم على مدى التاريخ وجدتها واقعية, وحتى الواقعية السحرية في أدب أمريكا اللاتينية تحكمه واقعية حية وقارئة للمجتمع بلا جنوح سوى عبقرية من هو في مقام «ماركيز».
× الحياة في «أمريكا» ربما أدخلت عليك مدارس أخرى غير الواقعية؟
– يمكن ذلك ولكن الواقعية جزء من حياتنا, وحياتي تأثرت بواقع صنعته رمال السياسة.. وهذه بلا إدعاء أثرت في تكويني.
× لغة شعرية سردية موجودة في رواية «ليتك تعلم»؟
– علاقتي بالنثر, والشعر له أهله, والرواية فضاء مفتوح, أحياناً تحكمك العامية السودانية في الكتابة, وأخرى الشعر, والنثر غير المرتبط بروح القصيدة, لتجده أكثر واقعية في الكتابة الروائية, وما يراه بعض النقاد شعراً في الرواية, لا أراه كذلك ما كتبته ليس شعراً.
× يخاف الكاتب من روايته الثانية, ألا تخشين من تجربة «ليتك تعلم»؟
– تجاوزت هذه الرواية وبدأت أبحث عن نقاط أخرى سردية, وهي أيضاً لها تماس مع الواقع, وبتجارب مختلفة, وأذكر ان كاتبة أمريكية قد كتبت رواية بناء على «خبر» يتكون من «5» أسطر في صحيفة, وكتبت روايتها بناء على هذا «الخبر». رواية «ليتك تعلم» كانت بلا سابق تدبير, ولكن الكاتب يتعلم من تجاربه وتأتي الاحترافية تلقائياً كلما تجاوز ما كتبه ولم يجعله «أسراً» له.
× روايتك الجديدة؟
– الكتابة بالنسبة لي أقرب للمناجاة, وأكتب بشكل مفتوح, وتبدأ الرواية كفكرة وأحياناً خاطرة, وتتطور, وتعيش معي لفترة, وتبدأ كتابتها, بلا توقف, أكتب بشكل يومي, والرواية لا أحدد عدد كلماتها حتى أتوقف, تنتهي حين أرى بأنها لا اضافة لها, والحوار في روايتي «ليتك تعلم» لم يأخذ مساحة كبيرة, هو أقرب لتداعي أفكار عن البطلة ومشاعرها, وفي روايتي الجديدة, نفس الشكل هناك حوار تحيط به الأفكار والشخوص والتداعيات.
× كيف تنظرين الى موقعك في أبناء وبنات جيلك في الكتابة, وهل الكتابة جزء من مشروعك الحياتي؟
– أترك ذلك للنقاد والقراء, وأنا قاسية جداً على نفسي, واعتقد ان نهاية تجربة الكاتب حين يعتقد بأنه قد وصل من عمل واحد أو عدة أعمال, علينا أن نسيء الظن بمواهبنا حتى ننميها ونحرسها ونزيدها بالتعلم بالقراءة وتجارب الحياة, وليس لدى احساس بأنني في مرحلة انجزت عملاً رضيت عنه أو أنه جيد, وأسأل نفسي, هذه رواية واحدة, أين الثانية وكيف ستكون. لذلك أعيش في هاجس التجويد واستمراري في الكتابة جزء من حياتي, ولا أخطط لذلك مسبقاً ولكنه مشروع موجود وأرجو أن أحقق فيه ما أصبو اليه ويجد القبول.
× هل تتابعين المشهد الثقافي الأمريكي وانتي تعيشين هناك, وماهي المساهمة في هذا المشهد؟
– أتابعه الى حد ما, من خلال وسائطه, وهو مشهد كبير جداً لا يمكن الزعيم بمتابعته وهو مشهد مفتوح, وهناك كتاب كبار في الرواية والشعر, والسينما الأمريكية بنجومها لها وجود كبير, ولكن أنا أقرب للمشهد الثقافي العربي ووجودي في أمريكا لم يجعلني بعيدة عنه, واذا نظرت الى مكتبتي تجد التخصص الأكاديمي وكتب الفلسفة مرتبطة أكثر باللغة الانجليزية واللغة العربية تأخذ الرواية حيزاً كبيراً, والكتابات الأدبية في غالبيتها باللغة العربية, وان كنت أرى بأن الرواية العالمية لم تعد تتقيد بلغة أو مكان, الكتاب الجيد يفرض شروطه.
× هل الكاتب العربي يجد نفسه في هذه المجتمعات؟
– هذا موضوع مهم وحيوي, وظل موضع تفكيري, في الفترة الماضية, وأمريكا دولة كبيرة, وأحياناً تختلف كل ولاية عن أخرى لذلك من الصعب مقارنة المجتمع الأمريكي اجتماعياً وانفتاحه بما تقرأه مثلاً أو تشاهده عن الهجرة, الآراء مختلفة, ومن يتحدثون في النهاية تجدهم «أمريكان» بيض وسود ولا تبين أصلهم امريكي, ولكن أين الصوت المختلف, والصوت العربي والمسلم هناك غير «واصل» هنا من يعبر عن قضايا عديدة تهمنا في هذا المجتمع الكبير.
× هل تعانون من الاسلاموفوبيا, ودور الكاتب في توضيح ثقافته الأم وإبرازها لهذا المجتمع؟
– بصفة عامة لا, توجد حوادث منفردة لا يمكن تعميمها ومن الخطأ التعميم وقراءة المجتمع ككتلة واحدة, سياسياً وثقافياً والانسان الامريكي العادي من أرقى الشعوب معاملة, وبانتقالي الى جنوب امريكا رأيت بعض التغيير مثلاً في محطة «بص» سمعت سيدة تتحدث مع زميلاتها عن توطين لاجئين في الولاية وعن خوفها من «داعش» صوتي الداخلي أجابها أنا أكثر رعباً منك من داعش والكاتب مسئوليته كبيرة, ولكن هناك أشياء عديدة تبدأ من العالم العربي يجب علينا أن نقدم أنفسنا بشكل أفضل, وتبيان أن مجتمعاتنا الأكثر انفتاحاً وأريحية وتقبل للآخر.
× المهاجرون العرب وعلاقاتهم مع بعضهم البعض, والمنتديات الثقافية والصحف والأندية؟
– هذا على حسب المجتمع, كنت في متشجان والمجتمع كبير, وأكبر جالية من الشرق الأوسط في متشجان وهناك مدينة كاملة اسمها مدينة العرب «تيربون» ومن لحظة دخولك تجد كل المحلات واللافتات مكتوبة باللغة العربية, المطعم, الحلواني, وغيرها.
× المشهد الابداعي السوداني في أمريكا ماذا عنه؟
– لا يوجد تجمع مخصص للكتاب, وليس هناك محفل يتداولون فيه تجاربهم كل ولاية والأصوات التي فيها ومدى قدرتهم على التواصل, ولكن «التشتت» يصعب مهمة اللقاء وتبادل الآراء والتعرف على بعض, أعلم بوجود كتاب كبار عرب وسودانيين يقيمون بأمريكا.
× كنتي في عضوية مجلس أمناء جائزة الطيب صالح العالمية لسنوات, ماهو رأيك في الجوائز, وتم تصنيفك كأصغر عضو مجلس أمناء في تاريخ الجوائز؟
– تجربة مجلس أمناء جائزة الطيب صالح العالمية للابداع الكتابي, أعطتني خبرة أشكر عليها شركة «زين» وأعطتني مناعة ضد كل من يحاول تبخيس الجوائز الأدبية, فقد رأيت الحياد والأمانة والاخلاص, ورأيت مدى التعب والإرهاق الذي يبدأ من ساعة بدء الدورة الى ختامها, رأيت كيف ان عضو مجلس الأمناء لا يعلم أسماء الفائزين وان الأعمال الادارية من استخراج الفيزا أو التذاكر, تجعل أسماء تمر عليك للحظات ولا تعلم أنها في التحكيم أو فائزة.. كانت تجربة عمر اتاحت لي التعرف عن قرب على أسماء كبيرة وراسخة في مشهدنا الابداعي.
× وجود كبير للكتابة الانثوية في المشهد الروائي, هل الأنثى الأكثر مقدرة على الحكي؟
– اخواننا الرجال قد يجدون في وجود المرأة الفاعل في حقل من حقولهم مشقة «أنا لست جندرية» لكن المرأة الأكثر مقدرة على الحكي وراثة لذلك من الأمهات وتعطيه للأبناء, والمرأة الكاتبة تعيش معاناة لوجود الأسرة والاهتمام بها, الواجبات, الالتزامات, ومن كل هذه التفاصيل تستقطع أوقات الكتابة, والمرأة تهتم بالتفاصيل الصغيرة وتقف عندها لذلك تنجح جداً في السرد وهي ساردة ماهرة.
نقلاً عن الوطن القطرية