ظاهرة الإختطاف البحري المتبادل لنوابغ المسلمين والنصارى

إبراهيم إسحق إبراهيم
إختطاف الآدميين الأجانب عن القبيلة، وعن القرية، وعن الحاضِرة والوطن، هو أسلوب قديم ومتجدد، ضِمن دائرة عمايِل الكسب المنفعي مِن تاريخ البشر.. ورغماً عن كون الإسترقاق السِّلَعي والمَدَني commodity and domestic slavery قد فارقا السجل الإنساني نهائياً (آخر بيوع للآدميين في الأسواق ربما كان في الستينات من القرن العشرين)، إلا أن التوظيفات الأخرى لإختطاف الإنسان لا تزال تُمَارس.. فهنالك، إلى القرن الحادي والعشرين، الإختطاف المليشياوي لطلب الفدية.. كما يُمَارَس الإختطاف ثمّ البيع السري للفتيات ومُنَاقلتهنّ على بند الدعارة المُستَتَرة.. وقد تابع جمهور غفير من المعاصرين، بكثير من التعاطف، الفيلم الأمريكي (مخطوفة Taken) والذي يُجَسّد فيهِ الممثل الهوليودي المُهتدِي للإسلام ( جريدة الوان : 30/12/2014م) ليام نيسون أجواء التمحُّن والأسى، مِن جانب الضحية ووالديها، وجفاف الأفئدة من جانب الخاطفين القُساة …
بمثل ذلك الإحساس نحاول أن نسترجع، على خلفيات تخيُّل تاريخي رصين، مشاعر أهل القرن السادس عشر للميلاد، في مُعَايشتهم المتكررة لتبادلات الخاطف والمخطوف في حيواتهم.. لكي نشهد ولو بالخيال، كيف يواجه اثنان مِن نوابغ الناس في حُسباننا، مسلم افريقي ونصراني أوروبي، يواجهان مع أقاربهما، المِحَن التي تنقل للعبودية في إيطاليا الرحالة المغربي الحسن بن الوزان الفاسي، كما تسوق البلايا الراصدة طليعة الروائيين العالميين ميجيل دي ثربانتِس، إلى الإسترقاق بالإقليم الجزائري من شمال افريقيا.. وكان الإسترقاق السِّلَعي والإفتدائي، إلى زمن توافق العاقلين من الناس علي نبذهما، عملان يرتكزان على مفاهيم الثقافات المعنيّة حول الخصوصيات السياسية للجماعات التي تمارسهما.. لاعتبارهم بأنّ الذين هم وراء حدود الجماعة المتحدة والمُتّسِقة سياسياً وثقافياً لا يختلفون عن سِباع الخَلَوات في كثير… لغاتهم غير مفهومة، وعباداتهم غالبا غير معلومة، وطباعهم شاذة، ومظهرهم مُبغِض.. وبالتالي فحقوقهم لا يَعتَرِف بها سواهم حتي يراعيها.. لذلك فقتلهم في الحرب أو أسرهم هو إمتياز وبطولة.. وإخضاعهم أو مخاتلتهم أو مخادعتهم، فاختطافهم، يظل نهجاً كسبياً صالحاً يُعِين علي رفاهيّات المعايِش..
ويدرك القاريء بأنّ المباحث حول الاسترقاق في التاريخ البشري تتفرّع بمتابعيها إلى ما لا يمكن الإحاطة بها في عمر الباحث المنفرد.. وبه، فنحن نلتقط في شأن موضوعنا هذا فقط ما تعنينا مِن مسائل الإستعباد.. ولِنُركِّز على نقطتين : أولاهما هي أنّ القرن السادس عشر الميلادي كان مجرد محطة أخري في مسيرة الإحتكاك الذي يمتد لتسعة قرون يومئذ، بين الحضارتين : الإسلامية المشرقية والنصرانية الغربية.. ونعرف بداهةً بأنّ ضحايا إحتكاك هاتين الحضارتين، على صعيد المُستَرقِّين، كانوا ويظلون عاصين علي الإحصاء.. ومع ذلك، تبدو الوازعات الرحمانية المتوفرة في قلوب الكثيرين من المسلمين والنصاري، عند معاملتهما للأسرى مِن الطرفين، يومئذ، غير قابلة للمقارنة مطلقاً مع الشنائع التي تُجِيزها قوانين وعوايد المجتمعات الإغريقية والرومانية، ثم على نمطها تفعل المجتمعات الأمريكية خلال القرون من الخامس عشر وحتي التاسع عشر للميلاد..
والنقطة الثانية هي، أن الإسترقاق هو بمثابة حكم بالسجن مدى الحياة.. فالمحكوم عليه يخضع لوضعيته تلك بموافقة مِن المجتمع علي الأساليب المُتَبَعة في معاملته داخل سجنه.. لكن باب الرحمة يظل مفتوحاً.. فالسجين قد يَهرُب، وقد يشمله العفو.. والمُستَرَق قد يُفتَدى، وقد يُنتَزَع، وقد يَهرُب، وقد يُعتَق، وقد يُكاتَب على جُعالَة لسيده فينال حريته بكسب يديه.. ثم إنّ المُستَعبَدِين غالباً ما يُصنَّفون على ضربَين.. فالأسير الذي تظهر عليه مخايل النباهة لا يُرسَل للخدمة في المزارع، أو إلى المراعي، أو إلى الجيش، أو إلى المناجم.. وهذا هو الوضع أيضاً بالنسبة إلى غالبية الجواري المتعلمات.. وهذا الحيز من ظاهرة الأسير المتعلم هو الذي يناسبنا حينما نعالج ظرفيات المَخطُوفَين : الحسن بن الوزان وميجيل دي ثربانتِس..
التعارك حول البحر المتوسط في القرن السادس عشر
علي نهايات الحروب الصليبية بشرق البحر المتوسط، في القرن الثالث عشر الميلادي، تتوجه القوى النصرانية الأوربية، وزعيمها بابا الفاتيكان، نحو دعم منازلة المسلمين في بلاد المغرب العربي.. فبعد إقصاء المسلمين مِن الأندلس (1492م) وَجَبَتْ مطاردتهم بالشمال الأفريقي، في طرابلس الغرب وتونس والجزائر وغربها إلى المحيط الأطلسي والدوران جنوباً.. وحينما تبدأ رحلة العمر بالحسن بن الوزان في الاندلس، حوالي 1488م، كانت إسبانيا والبرتغال قد نشطتا في إحتلال مدن ساحلية عدة في المغرب الإسلامي الأقصى، وهما تداومان على ذلك النهج عبر القرون الأربعة الخالفة.. آنئذ، في ليبيا وتونس والجزائر كانت الدولة الحفصية تلفظ أنفاسها الأخيرة.. وأيامها يستولي الأتراك العثمانيون على مصر في 1517م، كما تَطمَع دولة الهابسبرج المتوسعة بأوروبا في أن تمدّ أيديها عبر البحر المتوسط إلى ليبيا وتونس والجزائر لاستثمار الانهيار الحفصي هنالك.. لكن القراصنة المسلمون بالبحر المتوسط يخربون على الأوروبيين آمالهم تلك.. والبحارة المسلمون ذاتهم يُعينون العثمانيين على إحتلال بلاد المغربين الأدنى والأوسط يحلول عام 1587..
أما إلى الغرب من الجزائر فقد تَخَبَّطتْ، لزمن، وإلى نهايات القرن السادس عشر، تَخَبَّطتْ ثلاث دول متشاكسة.. بنومرّين الزناتيين كانوا في فاس حتي 1550م.. وبنو عبد الواد الزيانيين الزناتيين كانوا في تلمسان، حتى أسقطهم العثمانيون في 1555م.. والأشراف السعديون يستولون على مراكش ويبقون فيها إلي 1603م.. وبينما يَغرَق المغرب الأقصى في هذه الحروب الطائلة بين دويلاتها، كما ترزح مدن سواحله وتوابعها تحت ضربات دولتي إسبانيا والبرتغال وأحلافهما من صليبيي أوروبا، كان القراصنة المسلمون، على طول القرن السادس عشر، يقدمون للدولة العثمانية يد العون لصد تغوُّل الصليبية الأوربية المُوجّهة نحو المغربين الأدنى والأوسط .. فمِن قواعدهم في موانىء الجزائر كانت سفن القراصنة المسلمين تردّ بقوة على سفن القراصنة الأوربيين في البحر المتوسط، ضربة لضربة.. وعلى رأس هؤلاء يجيء خير الدين بارباروسا الذي يقود أسطولاً قوياً يهاجم به شواطىء البلاد الأوربية وسفنهم.. وفي 1533م يذهب خير الدين إلي الأستانة، فيكسب مشروعيّة سياسية ودينية لمهماته تلك، رأساً مِن الخليفة العثماني الذي يمنحه لقب قبوذان، أي القبطان، ويُكلّفهُ بمواصلة الدفاع عن السواحل الأفريقية الشمالية المسلمة..
وهذه المنازلة البحرية، بين المسلمين والنصاري الأوروبيين، فوق مياه المتوسط وشطآنه، تتواصل على طول القرن السادس عشر، فتُؤثِّر على الحياة العامة والخاصة جميعاً.. وكانت خسارة الحِلف العثماني لمعركته البحرية ضد تحالف إسبانيا والبندقية والبابوية وفرسان القديس يوحنا المالطيين، في ليبانتو 1571م، بالأدرياتيك، شديدة الوقع على المسلمين.. غير أن تِلكُم الحملة الصليبية الأوربية تتضعضع جنوباً، بأواخر القرن، ويتم إنقاذ الجزء الأكبر من الشمال الأفريقي المسلم مِن غائلة السقوط في أيدي القوى الأوربية (حسين مؤنس، أطلس تاريخ الإسلام، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة، 1987، ص181-360).. وهكذا، داخل هذا الإطار مِن العلاقات الحضارية شديدة التوتر، بين المسلمين والنصارى الأوروبيين، تتشكل الظروف التي تصاحب أو تتسبب في الإختطاف المتبادل للنابغتين : الحسن بن الوزان الفاسي وميجيل دي ثربانتِس الإسباني..
المسلم الذي يُسمُّونَهُ ليو الأفريقي
يولد الحسن بن محمد الوزان الزناتي بالأندلس، في تاريخ يتراوح بين 1483 و 1488م.. وأسرته ترحل به على صِغَر، قبل سقوط غرناطة (1492م) بما لايزيد على 5 إلى 9 أعوام، ليَحِلّوا بفاس عاصمة السلطنة المرينية.. وفي جامع القرويين يتلقّى الحسن مِن علماء المغرب الأقصى تعليماً راقياً يُرَشِّحهُ للخدمة في بلاط السلطان الزناتي محمد الوطاسي الفاسي.. ولما كان عمه قد سبقه إلى منصب السفارة للسلطان، فقد بدأ الحسن يرافقه في بعض أسفاره، مثل مصاحبته مُوغِلِينَ في أفريقيا إلى دولة سُنغاي عام 1511م.. ثمّ تُسنَد إليه ثمانية أسفار، خمساً مِنها داخل المغرب الأقصى : في 1508 و 1509 و 1513 و 1514 و 1515م.. وبعدها يُكلَّف بمصاحبة الحُجّاج الفاسيين إلى مكة عام 1516م.. وبدلاً مِن الإياب يَلحقهُ تكليف سُلطاني بالسفر إلى الإستانة.. غير أنّ السلطان سليم الأول العثماني، الذي يحكم بين 1512 و1520، كان قد غادر الإستانة في حملته ضد الفرس والمماليك.. فهو قبل ذلك يهزم الصفويين الفرس عند سهل شالديران عام1514م.. ويلحق الحسن بن الوزان بِرَكبِ السلطان العثماني فيصحبه في زحفه على المماليك، ليشهد معه هزيمتهم في مرج دابغ عام 1516، ومرتين أخريين في غزة وبالريدانية عند مدخل القاهرة في 1517م..
وهكذا تنتهي السفارة إلى العثمانيين.. ويستغرق الحسن بن الوزان العامَين التاليين متجولاً بين مصر وشمال سودان وادي النيل.. وحينما يتوجه الحسن بحراً بطريق ليبيا وتونس في طريقه إلى المغرب الأقصي، لحظوظه المُقدّرة، إذا به يقع في أيدي القراصنة الإيطاليين.. وهؤلاء يأسرونه قريباً مِن جزيرة جربة التونسية ثم يأخذونه إلى نابولي ويقدمونه هدية إلى البابا في روما..
يقول المؤرخون أنّ البابا ليون العاشر كان حريصاً علي تعريف رجال الكنيسة ومثقفي عصره بالعلوم والآداب والفنون الإغريقية والرومانية، وخاصة عبر ترجماتها وشروحها باللغة العربية.. ولأنّ الحسن بن الوزان مولود في غرناطة، فالراجح أنه كان عارفاً باللغة القشتالية الوثيقة الصلة باللاتينية، كما أن ذاكرته تَذخَرُ بأجواء الكنائس الإسبانية وأحوالها.. وهذه القرائن تقترح كون الحسن سرعان ما يتفاهم مع البابا وكرادلته بلغتهم اللاتينية، كما يُدرِك استحالة معيشته كمسلم في البلاط الفاتيكاني.. وتحت هاتيك الظروف يتظاهر بالاندراج في النصرانية ويحمل إسم ليو أو يوحنا الأسد الغرناطي أو الإفريقي.. والدلائل على بقاء ضميره الإسلامي سليماً وفاعلاً طوال السنين الثلاثين (1520-1550) التي يمكثها بالفاتيكان، مرصودة في أعماله التي نجت من الضياع..
في هذه الأجواء يتمتع الحسن، أو ليو الأفريقي، بحظوة في الفاتيكان، حيث يُدَرِّس لمنسوبي الكنيسة الكاثوليكية اللغة العربية وآدابها.. وكان يكتُب مؤلفاته بالإيطالية أو باللاتينية.. وقد بقيتْ من مؤلفاته معجم عربي – عِبري – لاتيني، وكتاب في التراجُم باللاتينية، إلى جانب كتاب ضخم في الجغرافيا يتوفر منه القسم الثالث، وقد تَرجَمَهُ الحسن بنفسه إلى الإيطالية، وهو مُؤلّفهُ المُسمَّى (وصف افريقيا).. أما كتبه الضائعة فَيَعدُّ منها الدارسون ثلاث كتب : واحد في تاريخ الإسلام، وآخر في أشعار الأضرِحَة، مع سِفْر في الفقه المالكي..
حينما وافتْ المنية البابا ليون العاشر إنتقلتْ كفالة الحسن إلى الكاردينال جيل دي فيطيرب.. وهذا الكاردينال كان يُجَهِّز لنقل كفالة الحسن إلى نبيل من بولونيا يدعي ألبير وَيِّد مانسطار.. إلاّ أنه حين يصل هذا النبيل إلى الفاتيكان، عام 1550م، لا يعثر على ليو الأفريقي.. ويبدو أنّ الحسن يجد سبيلاً للخروج مِن إيطاليا في سانحةٍ فريدة.. فهو يركب سفينة إلى تونس، حيث يُعاوِد حياته الإسلامية.. ولما كان يومئذٍ قد بلغ السابع أو الثاني والستين من عمره، فقد انقطعتْ أخباره وسط حاجته للتَخَفِّي ، بين تونس وفاس ( مقدمة محمد الحجي ومحمد الأخضر على ترجمتهما لكتاب وصف افريقيا، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1983، ص5 – 20) ..
ثربانتِس : ذِكرى نبيل مُستَذل ( هيدالغو )
يولد ميجيل دي ثربانتِس عام 1547 بالريف الأسباني لأب وأم يَدَّعِيان الانتماء إلى طبقة النبلاء الإسبان، إلا أنهما يفتقران لأيّ شيء مِن الأملاك المُقدَّرة.. مما يجعل شباب ميجيل وأخيه وأختيه يتماوج في مظاهر خادعة مِن الملبس والمظهر النبيل والفقر المُدقِع الذي يضطر العائلة للترحال الدائب والتكسُّب بالأعمال الطفيلية.. وهذا الترحال والإدقاع يساعد ميجيل على تخزين أكداس مِن الصور الذهنية بالغة الغرائبية، إضافة لما في حياته ذاتها مِن العجائب.. في 1566م يستقرون في العاصمة مدريد، حيث يُطالِع ميجيل أدباً أوربياً تراثياً رفيعاً مُترجماً إلى الإسبانية، كما يتعلم اللاتينية، فيتأهل لأن يُوظِّفهُ مندوب لدى البابا بالفاتيكان وَيُسَفِّرَهُ معه إلى روما في 1569م.. وفي روما يقرأ ميجيل كتباً لاعدَّ لها من طيوب الآداب ورخائصها، وخاصةً روايات الفرسان الجوالة..
ولما تُجمِع القوى الأوربية النصرانية المتحالفة علي التصدي للعثمانيين المُهَدِّدِين لقبرص وساردينا يلتحق ميجيل بالجيش، فيتدرب، ليشترك في موقعة ليبانتو البحرية عام 1571م.. وهنا يُصَاب بجروح بالغة كما تُشَلُّ يده اليسرى.. ثمّ، بطريق عودته مع شقيقه بالبحر إلي إسبانيا عام 1575م يَقَعَا في أسرِ القراصنة المسلمين المغاربة، فيحملوهما مع رفقتهما من الأسرى إلى الجزائر.. وكان فَرزُ القراصنة للأسارى هكذا : « فالشبان الأصحاء الأقوياء يُبَاعُون كأرِقّاء بأثمان مغرية في الجزائر.. أما إذا كانت أمتعة الراكب وأوراقه تدلُّ على مركز أو جاه فمعنى ذلك الحصول على فدية كبيرة «.. فكان أن بِيعَ ميجيل في سوق النخاسة لمستثمر جزائري راصد لفديته.. وقد مكث ميجيل لسنوات خمس ينتظر أن يجمع معارفهُ أو أسرته الفدية.. لم يُجبَر على تغيير دينه، كما عُومِل بقدرٍ عالٍ مِن التسامح المعهود في مجتمع المسلمين فيما يخص الكتابيين ومن عداهم، وهُم لم يعذبوه، رغماً عن محاولاته المتكررة للهروب.. ثم إنّ الجزائريين أطلقوا سراحه مقابل ستمائة دوكاتيه (عملة إسبانية).. وهكذا يرجع ميجيل إلي إسبانيا في 1580م وعمره 33عاما..
لم ينجح ميجيل دي ثربانتِس في صنع ثروة من كتابة المسرحيات والقصص القصيرة حتى يبلغ السادسة والخمسين.. ثمّ إنه موقوف في سجن بالعاصمة مدريد، مُتَّهَم بابتزاز أموال الجبايات، يستثمر وقته وذكرياته النادرة تلك ليصيغ منها روايته (دون كيخوتى) في جزئها الأول، فتُطبَع في 1605م وهو في الثامنة والخمسين.. وكان استقبال القُرّاء لهذه الرواية الساخرة مِن مبالغات حكاوي الفرسان الجوالة ومغامراتهم العجيبة، جيداً ومُشجِّعاً.. وهذا، مع الحاجة المُلِحّة للنفقة، ومع أجواء التحاسُد في الوسط الأدبي في مدريد، يُحَفِّز ميجيل لكتابة وإصدار الجزء الثاني والمُكمِّل لروايته في 1615م.. ثم لم يمضِ عام واحد على ذلك حتى يُتَوفّى ميجيل في 1616م وهو في التاسعة والستين..
ولنتوقف لنعتَبِر.. فالحسن بن الوزان يُعَدُّ مِن أبرز الكاتبين المسلمين في أدبيات «تقويم البُلدان».. ومعرفته المباشرة بالأقاليم الإفريقية، منقولة عن اللغة الإيطالية إلى العربية وما عداها، تضيف مادة رئيسة لأدب الرحلات وللجغرافيا التفصيلية لعصره.. أما ميجيل دي ثربانتِس فيقول عنه النقاد : « لم تُحظَ شخصية روائية بالخلود مثلما حُظِيتْ شخصية دون كيخوتى… ويُعدُّ كتابه هذا عن دون كيخوتى أعظم عمل في تاريخ الأدب الإسباني، ومِن أحب وأوسع الكتب إنتشاراً في العالم، وهو يلي الإنجيل في كثرة اللغات التي تُرجِم إليها (غبريال وهبة، دون كيشوت بين الوهم والحقيقة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1989، ص 5 – 78).. وهكذا تكون المعرفة البشرية هي الفائزة.. فرغماً عن الإختطاف والاسترقاق الذي يعانيه نابغتان على هذا المستوى مِن العطاء، فهما يُورِثانِ للحضارة الإنسانية الواحدة ثمرات لا يتنازع حولها ولا يتشاحن عليها منسوبو الحضارات، ولو تباينت مطامحهم وتحيزاتهم..
الثورات : 14/2/2016م