اللغة في جدلية الهوية و الاختلاف

د.بكري خليل
> لما كانت اللغة مراة ترينا انفسنا تعرفنا بها و بالعالم فانها تمثل الموقم الأساس لتعبير الذات عن وجودها و عن تواصلها و صياغ افكارها. فالعلاقة بين اللغة و الهوية تكاد توازي علاقة الانسان بالواقع ، و تناظر قدرات الثقافة في البقاء بعد ان ينقضي كل شيء.
> و في الحاضر اخذ الحديث عن تلكم العلاقة يتزايد بعد ان عجت العقود الأخيرة بموضوعات تتعلق بامريين ، أولهما هو ما يعرف بسياسة الهوية identity politics التي اكدت على حقوق الأقليات و الفئات الثقافية المهمشة ، و ثانيهما هو تسارع معدلات التحديث كنتائج للثورة العلمية و الثقافية و الاثار الضخمة للمعلوماتية و التفجر المعرفي و تطورات ما بعد الحرب الباردة.
> و اذا تحولنا من هذه الصورة الكلية الى المشهد على الطبيعة بمفرداتها و مظاهرها ، فسنجد ان الهوية قد أصبحت على قارعة الطريق ، عند تقاطع السياسي و الثقافي بعد ان استقر شانها في صميم التجارب الوطنية و ما الت اليه مشاريعها التنموية و ما حل فيها من مشكلات و متغيرات.
> ففي مرحلة النضال ضد الاستعمار المباشر كان شعار الاستقلال يلف من حوله ما عداه من شعارات ، لكنه انطوى بمرور الوقت و استبدل بشعار الهوية ، تعبيرا عن الحاجة الى مراجعة السياسات و توزيع الثروات و تحقيق العدالة الاجتماعية و اطلاق الحريات و التوجه لمداوات العلل الداخلية.
> فموضوع الهوية ضمن الأوضاع المشار اليها اصبح من جهة امرا يتعلق بمطالب الجماعات الاثنية و الجهوية و التعبيرات الثقافية و الاجتماعية لانتزاع حقوقها ، كما اصبح على الطرف الاخر الرسمي طرحا معبرا عن الدفاع عن السيادة و مواجهة التدخلات الخارجية ، لغرض التعبئة و التحشيد ، و بما ينطوي في احد نوازعه على محاولة إخفاء التناقضات و احتواء فعالية المجتمع و العمل على سوقه وراء سياسة الدولة.
> لذا تتداخل قضايا التغير المتصلة بالوضع الثقافي مع ذلك المجال العام و همومه التي تحمل في طياتها قضايا اللغة و الديمقراطية الثقافية و المساوة و التعددية اللغوية و احيا اللغات و حقوق المواطنة و سواها.
> فهذه التحولات هي المظهر المباشر لتحريل بنود جداول العمل الوطنية من مشكلات الاقتصاد و السياسة الى الحالة الاجتماعية و الثقافية حيث معركة تقاسم الحياة و الشراكة و المصير الإنساني و الحقوق المدنية و النوع و البيئة و خلاف ذلك.
> ذلك يعني ان أسئلة الانسان و ماهيته قد حلت بديلا عن أسئلة الوجود و الكون و بنيته ، أي ان ذلك الانفكاك عن مشكلات الذات و الموضوع و عن أولوية أي منهما في تقرير أمور الاخر ، الى الاهتمام باللغة و الرمز و الاسطوراة و التحليل النفسي و الانثربولوجي ، فيما اصبح الخطاب الفلسفي مجالا للبحث عن التناقض و الوهم و اللامعقولية و العمق و اللامفكر فيه.
> و منذ العقد الأخير من القرن التاسع عشر عثرت الفلسفة على ضالتها في اللغة بعد موجة النقد الذي وجه لابستمولوجيا ما بعد «ديكارت» اذ أصبحت الذات فيها أساس الوجود و معقد الفكر و المعرفة.
> و في هذا المنعطف غدت اللغة ملتقى الذات و الموضوع و ماثلت الحقيقة ، و صارت حجر الزاوية في الفلسفة الغربية المعاصرة. فحين نصف المنطوقات بانها حقيقية او خاطئة ، فان احكامنا تؤول الى اللغة و ليس عالم الأشياء ضمن هذا الفهم لم تعد اللغة امرا متعلقا بالمنطق فقط ، وانما شانا نفسيا و سياسيا و اجتماعيا و ادبيا ، و صار الوعي نفسه ينية لغوية. و هكذا فان اللغة باتت تشكل موضوع مركزيا بديلا للخبرة في عمومها.
> و تعود التصورات البنوية الى «فيردناند دي سوسير» عالم اللسانيات السويسري ، الذي اهمل عمليا فكرة تاريخية اللغة ، و ركز ما هو قارن و مستقر ، أي على المستوى التزامني بدلا التتابعي و الراسي فربط المعنى بالسياق و اكد على اقتناص المعنى من خلال الاختلاف و على هذا النحو فان الاختلاف لا يفيد امرا خارجيا و انما هو المحدد و الشارط للهوية ، و ذلك امر سوف يطوره اخرون منهم «بور ريكور» من خلال اطروحته في تضمين الذات للاخر. فالاخر هو واسطة وجود الذات ، و هي مسكونه بالغيرية ، فيما تكون الذات مسكونة بالغير و تفهم الهوية كمسار تكويني و حركة تفاعلية بين الانا و الاخر.
> كما استفاد «جاك دريدا» في تفكيكته من أفكار «دي سوسير» في الاختلاف مع انه توصل الى نتيجة مختلفة معه ، فالاختلافات عن «دريدا» تستتبع تراكيب و احالات مستمرة ، و كل شيء لا يكون حاضرا او غائبا ببساطة. فالمعني و الدلالة في حالة ارتحال مستمر و بالتالي يتعذر ان يستقر الدال في مدلول نهائي. و النتيجة انه خارج نسق اللغة لا وجود لشئ.
> و هنا نجد بصمة «مارتن هيدجر» عن تناسي الميتافيزيقيا الغربية للوجود بمعنى انها تجاهلت الوجود ، و كان دابها هو البحث عن الموجود أي انها لم تنشغل بالفارق الانطولوجي بين الوجود و الموجود ، و سيطر عليها الوجود الاني و ليس الوجود المتجاوز لما هو راهن و متعين و حاضر. لذا فان «دريدا» فقد هدف الى تقويض و تفكيك ميتافيزيقا الحضور و الماهية ، مؤكدا بالمقابل على الاختلاف كنموذج اصلي و كشرط على صياغته بالمفاهيم و ندركه حسيا.
> و لعل ما يمثل القاسم المشترك بين فلاسفة الاختلاف هو جهودهم المضادة للنزعة الفلسفية الى حجب التناقضات و تبرير التماثل و الوجود ، و ما هو كائن توخيا من ناحية لتجاوز ما يرونه هنات ملموسة في التقاليد الفلسفية من جهة ، وتحاشيا لمشروع التوحيد الذي تجسمه الدولة و قوتها مما يفضي الى التعصب و الجمود. لذا فان فلسفة الهوية تعد تهميش للاخر او تعتيما عليه.
> و من هنا فان فلاسفة الاختلاف قد أرادوا إزاحة الهوية من مركزها من اجل مفهوم متموضع في الذات يؤدي الى إمكانية بنائها و تاسيسها على التعديدية بدل الواحدية. و هذا التاسيس الذي يعد تاسيسا نظريا ، يقول بان الهوية القائمة على التشابهة و التجانس ينبذ المغاير و يستبعد المختلف و اللامنسجم جريا وراء دافع التوحيد و تحقيق عدم التناقض و التعارض الداخلي.
>و يبقى بعد ما قدمنا من عرض لمسالة الهوية و الاختلاف ان الحقوق الثقافية و في المقدمة منها اللغوية أصبحت من المطالب التي تلح عليها الجماعات الثقافية ، و قد اثارت العديد من المناظرات الفكرية و ما زالت و ذلك من زاوية المساواة.
> فالليبراليون يبدون مخاوفهم من اهتزاز مبادئ الليبرالية في التغلب على الاختلاف و الانقسام الاجتماعي ، اذ يرون ان الليبرالية تؤكد على مستوى كاف من المساواة امام القانون و تامين الحريات المدنية. و هكذا فان فكرة المساواة الثقافية عندما تتحول الى تعددية سوف تؤدي الى حلقية الجماعات و انطلاقها في اكتساب حقوق إضافية فارقة.
> فضلا عما تقدم فان نفاة التعددية الثقافية يرون ان منطلق التقدير و الاعتراف الثقافي الذي تترتب عليه ايه حقوق من أي نوع لغوي او ثقافي سوف يتحول الى واجب أخلاقي او انضباطي سوف يفرض على المجموع.
> و في اطار جدل المساواة و التعدد تشكل اللغة موضوعا رئيسيا خاصة في البلدان متعددة اللغات التي أدت أجواء العولمة فيها الى انبعاث هويتها الاثنية و تنامي اتجاهات الخصوصية و تعبيراتها الذاتية السياسية و الثقافية علاوة الى ما يتهدد العديد من اللغات من شبح الاندثار حيث تختفي سنويا حوالي 25 لغة على مستوى العالم و الذي يثير المخاوف عن مصير اللغة في أوساط العديد من لغات التفاهم في العالم .
> فالحوار المتجدد حول اللغة التي تعد سكن العالم عند البعض و الوجود الحقيقي الجدير بالفهم عند البعض الاخر للمفكرين يكشف على صعيد المعنيين بما يلوح له القائلون بدور اللغة كعازل بين الشعوب ، و القائلون بدورها كقوة هائلة للتواصل و الانسجام فيما يرى فريق ثالث ان التمركز و الهيمنة يتجليان في الثقل الملموس للغة الإنجليزية التي اتسع نفوذها الى ما يصل الخمسة و الثمانون بالمائة من قطاع العلوم.
> و أيا كان فان تلك الآراء لا تنفي وظيفة اللغة كعامل حاسم في التنمية الإنسانية لاجتياز المرحلة الانتقالية التي يعيشها الوطن العربي في كل اقطاره من حالة التخلف الى الحداثة او التقدم ، و تعزيز تيارات التطور في مواجهة الانقسامات و النذر التي تعيد التجربة الوطنية الى عصر ما قبل قيام الدولة الوطنية.
> فاذا ما افرطت قوة الاحياء اللغوي في دعاواها لتحقيق الانكفاء الذاتي بما يصفها وجها لوجه امام المتحد الثقافي الوطني الذي يضمن لغة الثقافة و التفاهم ، فانها سوف تطوق تطلعاتها من حيث لا تدري اذ سيكون الاحتجاب و العزلة على حساب ال مشاركة الفاعلة و المجدية لمختلف الأطراف اللغوية في الخبرة الخلاقة التي تبدعها القواسم المشتركة القائمة على إقرار حق الاختلاف و التعدد البناء للجماعات الثقافية و تحقيق تنوع يتلاقى و يتكامل مع الهوية الثقافية الوطنية الجامعة.
> و من هذا الاعتبار فان السجال التماثل و المساوة المظهرية و المسكون بروح المزاحمة و السباق السليبي و تضخيم مفهوم التنوع و انكار وحدة و ترابط المقومات الثقافية العامة ، بقدر ما يضعف الحس النقدي الثقافي فانه يفرق فهم وحدة النسيج الوطني من مقوماته العضوية و يتجه اتجاها عدميا بممكنات تكامله و جعل المشتركات نزغا حيويا في عروق ثقافتنا و شخصيتنا التاريخية.
> و يبدو ان الواقع قد اثبت تلك الحقيقة التي مؤادها ان للغات حياتها الخاصة و استقلالها الذاتي لذا فان معالجة صلتها باشكالات الهوية على نحو يهئيها على تنمية ذاتها و تنمية الانا الثقافية الجماعية و تتم بإدارة صحيحة للتعدد اللغوي و ترقية مفاهيم المواطنة الثقافية المتكافئة على قاعدة المشاركة و التخطيط اللغوي البعيد عن احتراب اللغات و اصطناعها .
مقدمة بحث القي في مكتبة الإسكندرية يوم الاحد 6 ديسمبر 2015.