الروائية السودانية آن الصافي في حوار مع (ألوان)

دفعت صعوبات عديدة جيل الروائية والكاتبة «آن الصافي «إلي التفكير في طرق مختلفة للوصول إلي قراءة الواقع الماثل ، وهذه المدرسة الجديدة تجسدت في عمق المفردة والبناء الروائي المكتمل ونص مثقف وإن ظل السؤال مطروحا من هذا الجيل حول المجتمعات التقليدية والحداثة وما بعد الحداثة وكل الظواهر التي خرجت من الإنفتاح علي العالم . وتعد تجربة «آن الصافي « والمقيمة بصفة دائمة خارج السودان من التجارب الجيدة والباحثة عن مد جسور بين كل ميادين العلوم الإنسانية فهي قاصة وروائية وشاعرة ولها كتابات فكرية .

حوار – محمد نجيب محمد علي – عامر محمد أحمد

(*) حضور الرواية في المشهد العربي والسوداني اصبح كبيرا هل يرتبط ذلك بغياب الحرية أم أن الإنفتاح علي العالم بمعتاه الواقعي لعب دورا في الإندقاع نحو الكتابة الروائية ؟
تدرج طبيعي أن تأخذ الرواية، في الوقت الراهن، حيزاً أكبر مما كان. معطيات المرحلة من تقنيات التواصل والإعلام وإنتشار الصحافة وتسهيل عملية الطباعة والنشر بالإضافة لأهم عامل، وهو المسابقات الأدبية المخصصة للرواية، حيث فتح المجال لأقلام عرفت طريقها للقارئ.
(*) مصطلح الكتابة النسوية ألا يحد من حدود الأنثي المبدعة ؟
مسمى غير دقيق بل غير سليم. الإبداع هو الإبداع لا يركن على تمييزات أياً كانت. أسباب أكاديمية بحتة وضعت مسميات لتصنيف بعض أنواع النصوص الإبداعية كأدب أمريكا اللاتينية والأدب النسوي..الخ. المهم علينا أن نوقن بأن النصوص الإبداعية، تعبر عن منتوج إنساني سينجح حتماً في وصوله للمتلقي إن توفرت فيه شروط تؤهله لذلك منها : الإبتكار في الأسلوب والمهارة في استخدام اللغة وتفرد الفكرة وترك بصمة وعي لدى المتلقي بأهمية النص.
(*) في كل كتاباتك نجد الجرأة في تناول الام وعذابات الأنثي ماهي قراءتك لماضي التخلف والرواسب القديمة للمرأة _جيلكم مختلف عن جيل الأمهات ؟
في كتاباتي أتناول من المجتمع حالات إنسانية، عبر تشريحات فكرية ونفسية دقيقة ما أمكن، آخذة بأسباب العلم في عصرنا ومعطياته. كلمة (ألم) يعرفها الإنسان في كل مكان وكل زمان حتماً، التخلف الحقيقي صراحة هو الذي نشهده الآن من تعقيدات لا تمت لدين ولا علم ولا منطق بصلة .هناك رواسب سلبية ثقافية ولكنها ليست أقوى من التي في عصرنا هذا، حيث وببساطة الفطرة السليمة شوهت مع الوقت لأسباب تتعلق بالدين والسلطة ليس إلا. هذا طال حال المرأة والرجل على حد سواء. واقع اللحظة: أنتمي لجيل تلقى العلم منذ الصغر دون تمييز أياً كان، وعاصر ثورة التقنية والمعلوماتية، التي غيرت مفاهيم الإتصال والتواصل، وشهد تطبيقات ذكية جديدة أثرت على الحياة الإنسانية. كل ذلك شكل بيئة خصبة للإثراء الثقافي، شيء مدهش ومحفذ للفهم والتفاعل كل حسب طاقة سعيه، واستيعابه، وأهدافه، بدون شك. التعبير عن الهم الإنساني عبر التاريخ ارتبط بالرسم وبالرمز والأداء الجسدي ومن ثم الحرف لنصل في عصرنا الحديث للقنوات الإعلامية من تلفزة وسينما كل ذلك يصب في مصلحة الكاتب والمتلقي إن أستخدم وأتيح وأدير بشكل جيد.
(*) ازمة الواقع العربي وعلاقته بأزمة الكتابة وموقع المرأة اللاجئة والباحثة عن الدفء في الكتابة النسوية ؟
هناك أزمة في واقعنا العربي غير خفية على أحد وقد طالت الرجل والمرأة معاً. إن كان هناك أزمة في الكتابة فهي في إنحصارها في مواضيع التكرار التي تتناول ثالوث المسكوت عنه: السياسة(مع التاريخ) والدين والجنس. هذا التكرار لم يقدم للأدب العربي ما يسهم في تطويره سواء في القالب ولا اللغة ولا المواضيع ولا نقل مجتمعاتنا للوعي الذي يسهم في تطورها للأفضل.
على سبيل المثال نموذج الكتابة التاريخية والسياسية في الوقت الراهن، الغالبية العظمى فيها تتناول النتائج وتسهب في التوثيق وتزخم بتقريرية تبعد السرد عن مقوماته وسماته، لنجدنا أمام ذات الفلك الذي حمل إلينا الأفكار التي تسببت في الصراعات المعاصرة بسبب الإختلافات المتعلقة بالسلطة والدين. من أبواب انتشالنا من هذا الواقع القاتم، هو التجديد وكسر النمطية في السرد. يتم ذلك بتقديم كتابات تتناول أسباب ما وصلنا إليه، والأخذ بالموضوعية والعلم والدراسة والبحث لمصلحة المجتمع و الفرد، وترجيح ما يحمل الأفضل ليس للأجيال المعاصرة فقط، بل للأجيال القادمة، بآلية تسهم في تطور الأدب والمجتمع معاً.
من الحصافة، ونحن في الألفية الثالثة أن نصنف الكتابة كمنتوج إبداعي، ثمرة موهبة وفكر إنسان (بدون تمييز بأي شكل).
(*) الهجرة عن الوطن كثيرا ما تحد من الإبداع ..إبداع المهاجر .. ماهي إضافة الهجرة وخصمها وتأثيرها علي المبدع – المبدعة ؟
الهجرة منذ الأزل عرفها الإنسان، كل له أسبابه، من مدينة لأخرى من بلد لآخر. الذي يحدث هو توسيع جغرافيا التلقي لدى المبدع. حيث تنوع الثقافات وزيادة مصادر النهل الأدبي والفكري، إن استثمرها المبدع بالشكل الذي يسخرها في منتوجه، لأتى بثمار طيبة عليه وعلى مجتمعه الذي أتى منه والمجتمع الذي أتى إليه؛ وبالتالي الهجرة تكون إيجابية حين تناولها بطاقة بحث وفهم واستيعاب ومقدرة على التحليل، وتحويل هذه الخبرة في أعمال مبتكرة من خلال طرح الأفكار بمنظور إنساني أكثر عمقاً وشمولاً.
(*) الرواية أضعفت القصة القصيرة علما بأن القصة القصيرة أفضل في قراءة الواقع وكبسلته ؟
جميع أنواع الكتابة الإبداعية من الممكن أن تؤدي غرضها وبشكل جيد، كما ذكرنا لربما سبب التوجه الحالي لكتابة الرواية لوفرة المسابقات والجوائز التي رصدت لهذا الجنس الأدبي أكثر من غيره. مؤسساتنا المختصة حين تقوم بدعمها للثقافة والأدب، تدعم وجودها ونهضة مجتمعاتنا، وبالتالي سيكون من الأفضل فتح الأبواب للتشجيع على جميع أنواع الكتابة الإبداعية بذات الإهتمام.
(*)لك كتابات فكرية واخري للأطفال مخاطبة الفكر ترتبط بالنضوج والطفل بالعاطفة متي يكتمل عند الانثي النضوج المعرفي والعاطفة ؟
من الشروط الأساسية لاكتمال النضج العاطفي والمعرفي للإنسان أن يدرك عقله قيمة وجوده في الحياة وإحساسه بالمسؤولية تجاه نفسه والمجتمع من حوله. أي وضع الذات الإنسانية أمام الواجبات والحقوق وإيجاد آلية للتواصل الإيجابي مع من حوله ليثمر الأفضل لكل الأطراف. للمهتمين، هذا لن يتحقق إلا بالأخذ بالعلم والبحث في المقام الأول ومصلحة الإنسانية هي الهدف.
(*) الآن مع شبكات التواصل الإجتماعي تغيب القدرة علي الحكي المباشر ألا يؤثر ذلك علي السرد علما بأن تدوين التواصل الإجتماعي تغيب فيه مع العجالة الرؤية ؟
منذ أن بدأ الإنسان في إستخدام الآلة للتواصل ظهرت أدوات وتطبيقات جديدة الهدف منها سرعة النقل والتلقي دون الحصر في المكان أو الزمان. أحدث هذا ثورة جديدة تصب في المعرفة وتحقيق تواجد الذات بأنماط غير مسبوقة. الوعي بهدف وقيمة هذه القنوات المتاحة من الممكن أن يحصر الجوانب الايجابية والسلبية بشكل يصب في منفعة الفرد والمجتمع.
فقط علينا أن ندرك هنا أثر توفر السرعة بين أطراف التواصل في نقل المعلومة وبسلاسة؛و كما أقول دائماً؛ فقد أصبح العالم بحجم ميناءالساعة في اليد وليس قرية كما كنا نقول قبل سنوات قلة. بكل تأكيد يؤثر هذا في السرد والأعمال الإبداعية. يظهر هذا في الجمل المقتضبة وتسارع الأحداث بوتيرة تحمل المشاهد متوالية، بنسق أسرع ومقبول للمتلقي. هذه الثورة والثروة تحمل في طيها مواضيع جديدة للكتابة، وطرق مبتكرة للتعبير، تحمل السرد لعوالم شيقة، إن تناولها الكاتب بمهنية ووعي لمعطيات العلم والثقافة المتوارثة، فينقل نتاج وإضافات جديدة لخبرته والمتلقي معاً.
(*) الربيع العربي مثل بداية انعتاق للمواطن إلا أننا نجد أن تيارات الإبداع المختلفة لم تستطع قراءة أعماق هذا المجتمع ؟
أستاذنا رحمة الله عليه، نجيب محفوظ صمت خمس سنوات بعد قيام الثورة في مصر، في خمسينيات القرن الماضي. لم يكتب رواية فقط اكتفى بكتابات صحفية حينها.
بموضوعية نقف أمام ما سمي بالربيع العربي، كيف حدث؟ ولم الآن؟ ماذا جنى الفرد والمجتمع، أي كيف تأثيره على الفرد والمجتمع، الآن ولأجيال قادمة؟ لا أنتظر أجوبة بالطبع! ربما جل الكتابات الحالية، التي تناولت هذه الحقبة المهمة في التاريخ المعاصر، أتت أقرب للتوثيق أفكارها مبتورة المعالم، لمحدودية رؤية الكاتب للواقع الذي لا يرى للحظة سوى سطحه الخارجي وحتى جزء منه وليس بكليته! بالتالي سقط في فخ يحسب عليه دون شك.
(*) هنالك أجيال في الكتابة السودانية وجدت حظها من الإنتشار خارجيا وهي التي بدأت في السودان أين موقع آن الصافي الآن بين جيلها ؟
جل حياتي عشتها خارج وطني ولكن وطني يسكن روحي وبصمته مرسومة في بشكل جيد. لدي الأولوية لتواجدي الأدبي حيث نبع جينات أرى تميزها أينما سرت، لذا كل ما أنتجه أحرص على توفره لدى القارئ السوداني ولا أتوانى ولو للحظة في تواصلي مع قنوات الصحافة والإعلام المتاحة لنشر أفكاري، وتأكيد حضوري للمهتمين بالسودان، أينما ووقتما تطلب ذلك. بكل تأكيد، لي شرف أن أدرج في قائمة الكتاب السودانيين في كل محفل.
(*) جدل الأنا والواقع في قراءة النقاد للإبداع العربي إذ تهزم الأنا الواقع ولا تكشف الأزمة هل للصراع الأيدلوجي دوره في تغييب الواقع ؟
الأديولوجيا في الأساس هي علم الأفكار وتشكل تبلور نظري لشكل من أشكال الوعي الزائف. من أنواعها :الأديولوجيا العلمية، الفكرية، الطبيعية.
للإلمام بما عليه واقع الحال بمجتمعاتنا من خلال دراسة الأدب والثقافة الرائجة، نجد دور الكاتب هو نقل الأفكار، عبر نصوص تعبر عن الهم الإنساني، ولا ننسى أن لبنة المجتمع هي الذات. من ناحية أخرى نجد دور الناقد الواعي هو الإلمام بمعطيات العصر الذي نحن فيه، و مواكبة الإبداع وتشريحه، بعين مهنية وفنية وبموضوعية تامة. إذن يتطلب ذلك قدرة الناقد، في توفر أدوات تكافئ كل نص على حده. عليه يجب تطور النقد بشكل موازي للإبداع. المحدودية والعجز، أن يصر الناقد على أدوات غير مواكبة لسرعة المبدع في إستقراء أثر الماضي وفعل الواقع وما سيأتي به المستقبل. لتبسيط الأمر، لنأخذ نموذج الإكتشافات العلمية المتعلقة بتسخير تقنية النانو تكنولوجي في الوقت الراهن،والتي إبتكرت وسخرت في الغرب، عبر دراسات مكثفة للإستخدامات الطبية، في دراسة جسم الإنسان وتوفير سبل جديدة للعلاج، من خلال زرع جسيمات دقيقة جداً بحجم خلايا الدم مثلاً تسير في الجسد لتصل لأدق الأمكنة عبر الدخول إلى خلايا نسيج المخ كنموذج. حيث تسهم هذه التقنية الحديثة جداً في إكتشاف الأمراض مبكراً ووضع العلاج المكافئ في ذات الوقت دون عمليات جراحية. هناك نشرات تقنية وطبية تتحدث عن هذه المعلومات الواعدة، من ينكر هذه الحقيقة الآن بماذا يوصف ويصنف؟!
(*) كثيرا ما تأخذ الهجرة الأسرة وخصوصا في الغرب عن بيئتها هل تختلف بيئات الوطن العربي في التنشئة وما مقدار ربط ابناء وبنات السودان بوطنهم الأول ؟
للبيت الأول دور الربط مع الوطن الأم. التعايش مع ثقافات أخرى أمر جيد، ولكن من المهم أن يكون هناك إهتمام بتشكل الهوية المحملة بموروثات ثقافية، تربط الإنسان بالأصل. نتيجة ذلك، تظهر في الإستقرار النفسي، وتعزيز الفرد بخصوصيته وتميزه بالتنوع الثقافي الناتج.


سيرة ذاتية للكاتبة آن الصافي
روائية وشاعرة من السودان، مقيمة في مدينة أبو ظبي-دولة الإمارات العربية المتحدة.
حاصلة على بكالوريوس هندسة كمبيوتر، إعلامية ، محاضرة ومُدربة في مجال الإدارة والتطوير المهني الاحترافي.
من خريجي أكاديمية الشعر بأبو ظبي، الدفعة الخامسة.
منسقة ثقافية في إتحاد كتاب وأدباء الإمارات/ فرع أبو ظبي.
عضو في مؤسسة بحر الثقافة بمدينة أبوظبي.
كاتبة سلسلة مقالات (الكتابة للمستقبل) ومواضيع فكرية ثقافية في شتى المواقع الالكترونية و الصحف العربية.
صدر لها: رواية (فُلك الغواية) 2014،ورواية (جميل نادوند) ،رواية (توالي) ورواية (قافية الراوي) . و كتاب فكري ثقافي (الكتابة للمستقبل ) بالإضافة إلى ديوان شعري تحت الطبع.