أسطورة مسيحية أوروبا

عبد الله مكي

لاحظ كثير من الناس أنّ أوروبا تُريد أن تنفي أي علاقة لها بالإسلام، باعتباره ديانة شرقية، حسب تصنيفاتهم، وأنهم مهد ورعاة المسيحية في العالم. فهل هذا الكلام صحيح على إطلاقه أم فيه تجن على الحقائق؟
كثير من الكتاب خاضوا في هذا الأمر، وعلى رأسهم فريد موهيتش – المحاضر لمادّة الفلسفة بجامعة القديسين سيريل وميثوديوس بالعاصمة المقدونية سكوبيا. والأستاذ الزائر بالمعهد الدولي للفكر والحضارة الإسلامية بكوالالومبور الماليزية. وأستاذ زائر في جامعة فلوريدا الحكومية وجامعة سيراكوز بنيو يورك، وجامعة السوربون الباريسية وعدد آخر من الجامعات الغربية والإسلامية. لخص هذا الموضوع في أنه تجدر الإشارة إلى أن العلاقة بين الدول البلقانية والاتحاد الأوروبي ثنائية الأطراف، ففي الوقت الذي تسعى فيه دول البلقان إلى الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي، فإن مؤسسات هذا الأخير هي التي تملك حق قبول تلك العضوية ووحدها التي تحدد شروط العضوية، ولا تقبل قراراتها النقض أو الاعتراض من قبل دول البلقان.
وبعد إبداء هذه الملاحظة المهمة، فإن ما يميز هذه العلاقة هو عدم توازنها، وهنا نطرح التساؤل التالي: هل لأوروبا وحدها تقدير المواصفات التي تراها ضرورية في الدولة المرشحة للانضمام إليها؟ وبالتالي يعتمد موقفها من انضمام أي دولة إلى الاتحاد على رضاها عن التوجهات السياسية العامة لتلك الدولة، وبذلك تصنف الدول إلى دول قابلة للانضمام وأخرى غير قابلة له.
كذلك فإن أوروبا ومنذ نشأة اتحادها أظهرت بما لا يدع مجالاً للشك تحفظها على الإسلام والمسلمين، وقد كرّر مسؤولوها مرارًا وتكرارًا مغالطة أن (أوروبا قارة مسيحية خالصة) وأن الإسلام، بصفته ديانة شرقية، غريب عن أوروبا، وأدت هذه المغالطة الكبرى إلى سلبية في العلاقة أثّرت في الجانبين.
وقد بات من الضروري العمل على كافة المستويات الأوروبية، من المقررات المدرسية إلى وسائل الإعلام المؤثرة، على إصلاح وإعادة قراءة منهجية لهذه المغالطة القائلة بمسيحية أوروبا الخالصة، وذلك ليس فقط من أجل الحقيقة فحسب، بل وأيضًا من أجل إعادة بناء علاقة سليمة وعادلة بين أوروبا والإسلام والمسلمين، وكذلك من أجل إدراك حقيقة أوروبا لذاتها ومصالحتها مع تاريخها.
فأسطورة مسيحية أوروبا الخالصة لابد من إبدالها بحقيقة أن المسيحية في أصلها لم تنشأ في أوروبا بل في الشرق الأوسط حيث ظهرت أيضًا الديانتان: اليهودية والإسلامية، وأن ليس لأوروبا ديانة أصلية خاصة بها، ولا يمكن بحال قبول مقولة مسيحية أوروبا الخالصة.
كذلك لابد هنا من التذكير بأن الإسلام، وفي أشكاله التنظيمية السياسية والاقتصادية والثقافية، كان حاضرًا وبقوة في أرجاء القارة الأوروبية، وسبق وجوده في أوروبا معرفة بلدان أوروبية كثيرة للمسيحية، وقد كانت الأندلس تحتضن أول دولة مسلمة (عام 712 للميلاد) ومثلت عاصمة الثقافة والعلوم والفن الأوروبية، وهو ما يعني وجود دولة الأندلس المسلمة 300 سنة قبل دخول المسيحية إلى الدول الإسكندنافية أو الدول الواقعة في شمال وشرق أوروبا وروسيا.
تشهد العلاقات بين دول الاتحاد الأوروبي ودول البلقان في الوقت الحاضر توجهًا عامًّا تسيطر عليه روح المغالطة الأيديولوجية التي عمل الغرب على نشرها وروج لها في العالم حتى باتت كحقيقة مسلَّم بها، وهي أن أوروبا قارة مسيحية خالصة. وبأخذ هذا المعطى في الاعتبار، فإن معطى آخر لابد من إقراره هنا وهو أن ثلاثة من بلدان البلقان تعيش فيها أغلبية مسلمة، وهي عين البلدان التي تأخرت فيها عملية المفاوضات من أجل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهي دول البوسنة والهرسك وكوسوفو وألبانيا. في حين أن البلدان الثلاث الأخرى المتبقية: صربيا والجبل الأسود ومقدونيا، تعيش فيها أقلية مسلمة لا يقارَن حجمها بعدد السكان المسيحيين الأرثوذكس.
إضافة لموقف المماطلة الذي ينتهجه الاتحاد الأوروبي إزاء قبول عضوية تركيا فيه دليلاً إضافيًّا على رفض أوروبا لعضوية الدول الإسلامية أو الدول ذات الأغلبية المسلمة بحجة تخوفه من أن تكون أكبر دولة أوروبية بأغلبية غير مسيحية! وقبلت مؤخرًا عضوية بلغاريا ورومانيا في الاتحاد الأوروبي وبشكل سريع، رغم أنهما لا يتوافران على كل الشروط المطلوبة أوروبيًّا؛ ما جعل عددًا من المختصين يعتبرونه موقفًا عدائيًّا موجهًا ضد الإسلام على الأرض الأوروبية.
فهذا التصرف المخالف لقوانين وقواعد قبول عضوية البلدان في الاتحاد الأوروبي رأى فيه عدد من المعنيين دليلاً على حالة (الإسلاموفوبيا) التي تعيشها أوروبا وتتصرّف على ضوئها، فبانتماء بلغاريا ورومانيا إلى الاتحاد الأوروبي، ضُرِب حزام سياسي واقتصادي وأيديولوجي بين تركيا وباقي بلدان البلقان. وفي نفس هذا الاتجاه يمكن تفسير قبول عضوية كرواتيا، التي تفصل جغرافيا أوروبا المسيحية عن باقي دول البلقان الست الأخرى، بما يضع المزيد من الصعوبات أمام سعي دول البلقان لعضوية الاتحاد الأوروبي.
كما يمكن أيضا النظر إلى تسريع عملية قبول عضوية كرواتيا على أنّه رغبة أوروبية في أن تلعب هذه الدولة دورا إضافيا يتمثّل في حماية أوروبا من (الإسلام البلقاني)، وعزل دول البلقان الست الأخرى وسد الطريق أمام بلوغها عضوية الاتحاد الأوروبي.
ولا بد من التذكير هنا بأن كرواتيا كانت قد تقدمت بطلب عضوية الناتو في نفس الوقت مع مقدونيا وألبانيا اللتين ما زالتا تنتظران وستنتظران طويلا قبل حصولهما على الرد من بروكسل.
إن النسبة العالية لأعداد المسلمين في هذه المنطقة ذات الخلفية الثقافية الإسلامية لقرون عديدة، جعلت من البوسنة وجزءًا من صربيا والجبل الأسود (السنجق) وكوسوفو ومقدونيا منطقة حذر بالنسبة للاتحاد الأوروبي، وصعّبت من عملية التحاق هذه البلدان بالنادي الأوروبي.
ولأن المسألة تتعلق بموقف سلبي، أو على الأقل “متحفظ”، فإن هذه البلدان ذات الكثافة السكانية المسلمة ظلت متخلفة عن جاراتها في السباق نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بقطع النظر عن الجهود التي بذلتها في سبيل ذلك على طريق الاستجابة لشروط العضوية.
تبقى ألبانيا تشكِّل الاستثناء رغم أن نسبة المسلمين فيها تبلغ 80%؛ فألبانيا تُعرَّف أوروبيًّا ودوليًّا على أنها دولة علمانية مع تطفيف التأثير المسيحي الروماني في تاريخها والتقليل من التأثير الإسلامي فيه. وهذا بدوره لم يمنع من أن تُعامَل ألبانيا بنفس الأسلوب فيما يتعلق بمسألة عضويتها للاتحاد الأوروبي، وإن كان بشكل غير واضح تمامًا مثلما هو الحال مع جاراتها المسلمة.
وأخيرًا، إن هذا التوجه المحكوم بالتشدد الأيديولوجي والتركيز على نقاط التصادم والتنافر لن يسمح بتنقية الأجواء في الفضاء الأوروبي، والبلقان جزء لا يتجزّأ منه, وإنما مصير كل الشعوب والدول الأوروبية يبدو واحدًا، ولتحقيق هذه الوحدة فإنه من الضروري تجاوز كل تلك الأحقاد والحسابات السياسية والأيديولوجية والتصالح مع الوقائع والتاريخ الحقيقي للمنطقة والعمل المشترك من أجل بناء مصير موحد للجميع، وإلا فإن المنطقة ستظل على ما هي عليه. على أوروبا أن تتقبل الاختلاف داخلها وتسمح بالتعددية الدينية واللغوية والثقافية وأن تترك المجال لحق شعوبها قاطبة في التأكيد على هوياتها المختلفة لما فيها من إثراء للقارة ولشعوبها.