علاء الدين والذاكرة السحرية

د. مدى الفاتح
الخال علاء الدين أحمد علي يعد من المتخصصين القلائل في الأدب الشعبي السوداني وفي السير الشفاهية والملاحم التي تشكّل جزءاً مهماً من التراث الوجداني للسودانيين خاصة في منطقتي الوسط والشمال.
التخصص هنا لا أقصد به التخصص الأكاديمي الضيق، فما يملكه علاء الدين يتجاوز ذلك إلى ما هو أثرى عبر تجربته الشخصية في استقصاء أخبار البادية ومنطقة «البطانة» الثرية التي جمع أشعارها وتبحر في لغتها عبر السفر والاحتكاك مع أصحابها في مناطقهم مما مكنه من التعرف على خفايا بيئتهم ودقائق لغتهم وأجوائهم التي ولدت تلك الملاحم والأشعار والقصص.
الاقتراب من هذه الشخصية الثرية، التي تمثل إحدى الحلقات الأخيرة للأساطير القديمة المتناقلة عبر الأجيال، يمنح الكثير من الفائدة على صعيد التعرف أكثر على لغة البادية وأشعارها وهي أشعار كما الشعر النبطي الخليجي لا تخلو من تعقيد وصعوبة على من لم يعتد عليها.
هي سهلة على من صبر عليها، لكن الأجيال الحديثة تحتاج بالفعل إلى ترجمان لتفسير المعاني والدلالات والتشبيهات وهو ما يقوم به هذا المحقق خلال سرده وتغنيه بأبيات مثل أبيات «عكير الدامر» وغيره من شعراء العامية الفصيحة. وهي لغة فصيحة فعلاً لا على صعيد اقترابها من اللغة الكلاسيكية فحسب، لكن على صعيد قوتها وبراعة أسلوبها وخيالها.
المناهج المدرسية تكتفي بتدريس أشعار اللغة الفصحى، أما هذا النوع من الشعر فمكانه المجالس الشعبية والعائلية حيث لا يتم النظر إليه بذات الجدية ولا يتم التفرغ لدراسته بذات الحماس رغم أنه النبض الحقيقي للتراث والثقافة والفلكلور.
لقد أتاحت العلاقة الأسرية والصداقة التي كانت تربط والد علاء الدين بالشاعر «عكير الدامر» فرصة لدخوله إلى عالم ذلك الشاعر السحري الذي يختلط فيه التصوف بأشعار الغزل وبحكايات المجد والقوة.
شخصياً، تعرفت على شعراء مثل «عكير الدامر» من خلال الحكايات التي كانت تروى عنه فهو بالإضافة إلى أنه لم يكن، على أهميته، ضمن مناهجنا الدراسية، فإنه لم يكن لديه في الأسواق والمكتبات كتاب يعرّف به أو يجمع شعره. أكثر من ذلك فإنك لن تجد ضمن محركات البحث العصرية أي صفحة خاصة به أو أي تعريف أكاديمي..!
من هنا تأتي أهمية أشخاص مثل أستاذنا علاء الدين الذي لا نبالغ حين نقول أن مثله ثروة ليس فقط قومية ولكن إنسانية. تكمن المشكلة حين نكتشف أن كل ما لدينا من ميراث هذا الرجل هو مجرد تسجيلات قليلة للإذاعة والتلفزيون، فهو، رغم ثقافته الموسوعية وقدرته الكبيرة على التسجيل والحفظ، بدا مكتفياً بالمشافهة ولم يتفرغ حتى الآن لتجميع بعض ما لديه في كتاب أو دراسة أو عمل بحثي.
من الناحية الأدبية والمعنوية يأخذ ما يمكن تسميتهم بـ»الباحثين الشفاهيين» مكانتهم الكاملة فتتم استضافتهم في البرامج المتعلقة بالتراث ويرشد أساتذة الجامعات طلابهم للتعرف عليهم والاستفادة من معلوماتهم.
الأكاديميون وغيرهم يسبقون أسماء أشخاص كعلاء الدين بلقب «الأستاذ» اعترافاً بفضلهم ومكانتهم وبأنهم، وحتى إن لم يتلقوا تعليماً أكاديمياً تقليدياً، يقدمون ما لا يمكن العثور عليه لا في الكتب ولا حتى عن طريق الوسائط الالكترونية الحديثة. في الأخير يصبح منزل هذا الأستاذ وأمثاله رواقاً علمياً فعلياً يجمع في أمسياته عدداً من الشعراء والدارسين والباحثين الأكاديميين.
الاقتراب من التراث والعامية ساهم في ولوج علاء الدين إلى الوسط الفني الذي قدم له إضافات عميقة حيث كان من القلائل الذين بإمكانهم سرد القصة الحقيقية لقصيدة الغزل القديمة هذه أو تلك التي تطورت لتصبح أغنية حب جماهيرية، كما أنه كان يعلم الكثير مما خفي من دلالات وإشارات ورموز شعرية كان وجودها لازماً في عصر كان يسوده احتجاب النساء عن عوالم الرجال.
فنياً يعمل علاء الدين كمصحح وناقد للأشعار العامية المقدمة كأشعار غنائية وهو برأي مقبول حين يقترح صوتاً أو يتحمس لأداء شابة أو شابة من الجيل الجديد، كما يكفي أن يرشح بعض الأبيات التي ينقب عنها بعناية، والتي بالكاد سمع البعض عنها، لتصبح من كلمات الأغاني التي تكتسب نجاحاً وتتصدر سلم الشهرة.
الحديث عن الفن والغناء هنا مهم، حيث أن المكانة التي يحصل عليها هؤلاء الباحثون الشفاهيون لا تتعلق بسمعتهم الطيبة في الوسط الأكاديمي، ولا بالتقدير الذي ينالوه من خلال جوائز واستضافات على أشعارهم أو معلوماتهم التي جمعوها عبر السنين، بل تتعلق وتتلخص في ما قدموه لعالم الطرب والغناء الذي يدر إضافة للدخل الجيد شهرة وتقديراً ليس عند فئة المثقفين والأكاديميين الضيقة، لكن عند الملايين الذين، وإن استغنوا عن ضروب الثقافة الأخرى، فإنهم لا يستطيعون الاستغناء عن الغناء.
هذه الحالة منتشرة في الأقطار العربية، ففي حين تعتبر الندوات الثقافية التي يجتمع فيها العشرات ندوات حاشدة ، في ذات الحين يمكن لمطرب مبتدىء أن يجمع المئات والآلاف وأن يتخذ منابراً تتراوح بين أكبر القاعات المتوفرة واستادات كرة القدم..!
مثلما ارتبط نجاح الأبنودي بأغانيه وموواويله وعلاقته مع عبد الحليم حافظ ارتبط كذلك نجاح علاء الدين بما قدمه من تلحين وغناء. هل لجوء المثقف الشعبي أو الأكاديمي لجدار الطرب وسيلة مقبولة ثقافياً؟ لست معنياً هنا بهذا السؤال الذي ترتبط إجابته بقضايا فلسفية وشرعية قد لا نتفق عليها جميعاً بقدر ما يشغلني سؤال أهم هو عن تغليب حس الشفاهة لدى المثقفين السودانيين.
لا أقصد هنا المثقفين الشعبيين فقط ولكن من الملاحظ إقلال الباحثين الأكاديميين وأساتذة الجامعة في مجال التأليف المكتوب وميلهم إلى السرد على حساب الطرق الأكاديمية التقليدية التي ترى ضرورة جمع المعلومات في كتب وبحوث موثقة لتعميم الفائدة.
هل يعود هذا الإقلال إلى الحالة الاقتصادية التي تجبر المثقف والأكاديمي على إعادة تعريف أولوياته؟ ربما يكون من السهل الإجابة بنعم هنا، لكن الناظر إلى أمثلة من دول مجاورة للسودان كمصر سيكتشف أن أولئك الذين كتبوا وألفوا عشرات الكتب لم يكونوا جميعاً مرفهين وبلا مشاكل أو ضغوط إجتماعية واقتصادية، بل إن أغلبهم لم يكن يعيش على ما يكتب وكانت له أعمال أخرى ومشاغل لكنها لم تمنعه عن إنجاز ما أنجز من كتب وبحوث وموسوعات أحياناً.
من أمثلة هذا الميل إلى المشافهة والسرد حتى عند المتخصصين الأكاديميين مثال البروفيسور أستاذ الأجيال عبدالله الطيب الذي ينال اليوم مكانة كبيرة على الصعيد الأكاديمي الذي قدم له الكثير وعلى الصعيد الشعبي حيث ارتبط لدى العامة بتفسيره المبسط لمعاني القرآن الكريم عبر الإذاعة.
تفاجأ حين تعلم أن هذا الأستاذ الذي يجمع الناس على مكانته العلمية والتربوية لم يؤلف من الكتب الكثير وأن أغلب هذا الكثير هو كتيبات أكثر منه كتباً إضافة إلى أن جزءاً كبيراً منها تمت كتابته في وقت مبكر مما يعني أنه كان مشغولاً على الأقل في الثلث الأخير من عمره بالـ»سرد الأكاديمي» عن طريق المحاضرات والندوات والأحاديث الإعلامية أكثر من انشغاله بالانكباب على الأوراق والأحبار وهو ما جعلنا نخسر الكثير مما قيل ولم يدوّن في عصر لم يكن قد ظهر فيه بعد التوثيق الالكتروني.
بالعودة إلى علاء الدين، وبغض النظر عما إذا كان السودانيون ميالون إلى السرد أم لا، نقول أننا لا نستطيع حثه ليفعل الآن ما لم يعتد على فعله عبر مسيرته الطويلة، أقصد تأليف الكتب وتقييد الأفكار فكل ميسر لما خلق له، لكن ما يستطيع المهتمون فعله حيال هذه الظاهرة هو المساعدة عبر نقل هذه السيل من المعلومات عبر الوسائط الحديثة أو عبر تدوين ما يقال في مجالس السرد والحكاية حتى لا تفقد الأجيال القادمة هذه الكنوز.
علاء الدين ليس المثال الوحيد في السودان. هناك غيره ممن لقوا حظاً من الشهرة والالتفات لما يملكون من ذخيرة، لكن هناك أيضاً من أولئك من لا يزال مجهولاً حتى يومنا هذا في عصر تسلط فيه الأضواء، في أحيان كثيرة، على الأشخاص الخطأ.