تداعيات بين«السليقة» و «الفشوش»

خلاصة الفن
الفن السوداني ظل يحمل خاصية الأصالة والتفرد، ومنذ بدأ خليل فرح ينشد لعازة.. ومنذ صرخ العطبراوي في وجه المستعمر (يا غريب يلا لي بلدك) كانت الأغنية تحتشد بالجماليات وقوة المعاني ورصانة الكلمات من (الاسكلا وحلا).. و(مرضان باكي فاقد) و(قائد الأسطول) وتواصلت تأريخياً مخلفة أجيالاً وراء أجيال حتى وصلت إلى جيل (القنبلة) و(الدمعة) ومن الملاحظ أن فترة الستينات والسبعينات حملت جذوة التواصل والنبوغ.. ولكنني في هذه المساحة سوف أركز على جيل الفنانين الكبار في أسمائهم وعمت تجربتهم وما زالوا معاصرين يقدمون أغنياتهم وهي طازجة في زمن الألفية الجديدة.. وعلى رأس هؤلاء الإمبراطور الأصلي للأغنية السودانية الفنان محمد وردي الذي قدم (الوصية، المستحيل، الحزن القديم والود) كقربان لفن يضئ في العتامير والأزمنة السحيقة وهنالك العملاق محمد الأمين الذي سكب الحب والظروف.. و(عويناتك، بتتعلم من الأيام) على رقعة الزمن الجميل، فوقف الجميع مشدوهين مصفقين.. وهنالك القامة الكبرى الفنان المثقف عبد الكريم الكابلي.. بـ(ضنين وعده).. وبي بعاده الطال وبي حبيبة عمره يغزل خيوط النور ببراعة.. عندما هبت الخرطوم في جنح الدجى.. الجمهور كان ينتظر هؤلاء ببارقات الصبر ليأتوهم بالجديد.. فهل سيطول الانتظار.. أم جفت ينابيعهم وهم يقدمون العطاء بمقدار التجارب الطويلة.. هل سرق الزمن قلادة شدوهم الجميل وتركهم يرددون رائعات الزمن القديم؟.. حسب اعتقادي أرى أن هؤلاء ما زالوا في قمة نضجهم ودائماً ما يأتي جديدهم بطيئاً على نسق الحوليات وليس بانطلاقة الزهو الجميل.. فالعملاق وردي ما زال في الأمسيات والمنتديات يصدح بروائعه ومحمد الأمين ما زال يواصل حفلاته، كلما سنحت له الفرصة وما زال الفنان كابلي يرسِّخ لفكرة تواجده الفني كلما لاحت في الأفق بادرة.. ولكن يبقى الفيض لا يحمل غزارة السبعينات ولا طموحها.. الفنان وردي قدم (السنبلاية) وكابلي قدم (سعاد) ومحمد الأمين قدم (حلم الأماسي) وكانت هذه الروائع تمثل قمة النضج الفني.. الفنان محمد عبد الوهاب قدم في سنواته الأخيرة أغنية (من غير ليه) فحملها المصريون على قلوبهم مثل جوهرة النيل المضيئة تجسد كل معالم الاحتفاء.. ولكن هل بالضرورة أن يواصل هؤلاء العمالقة مسيرة التجديد ما تبقى من أعمارهم المديدة بإذن الله.. أم يكتفوا بتقييم تجارب الشباب الفطيرة ويعملوا على تقويمها؟.. أنا ركزت على هؤلاء لأنهم حملوا بصمة واضحة لا تنكرها رؤية وعين بصيرة في إضافاتهم اللا محدودة في مسيرة الأغنية السودانية التي كانت تمر بأزهى أزمانها في فترة تواجدهم الفني المكثف.الأغنية السودانية صنعت سياجاً متيناً بقوة أعمالهم الراسخة وتوالت الأزمان ليشهدوا بأنفسهم كيف تحول الفن إلى أشلاء ممزقة وأساليب بعيدة عن جماليات الفن..